التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل ولّى زمن الصحافة؟

تحميل العدد من هنا
عن كثب
تفتح مجلة "رسالة اليونسكو" في عددها الصادر لشهور (يوليو - سبتمبر 2026) ملفاً استثنائياً يسائل المستقبل الوجودي للصحافة تحت عنوان عريض: "هل ولّى زمن الصحافة؟". يضع العدد أزمة المهنة تحت مجهر القراءة النقدية، متتبعاً أثر الذكاء الاصطناعي والتغيرات الهيكلية في المشهد الإعلامي، في موازنة دقيقة بين الفرص الرقمية المستحدثة والتحديات التي تمس جوهر الحقيقة.

الافتتاحية: الرهان الحقيقي على الفكر النقدي

تستعرض رئيسة التحرير، أنياس باردون، المفارقة التي تؤطر الإعلام المعاصر؛ ففي الوقت الذي أتاحت فيه المنصات الرقمية إمكانات غير مسبوقة لتوثيق الأحداث، تضاعفت التحديات المتعلقة بجودة المعلومة واستدامة المؤسسات الصحفية.

وفي هذا السياق، تُبرز الافتتاحية أن المعركة الراهنة لم تعد تكمن في قدرة الجماهير على الوصول إلى المعلومة، بل في بناء الفكر النقدي وتطوير أدوات التمييز بين الحقيقة والزيف، لا سيما مع توغل تقنيات "التزييف العميق" (Deepfakes) التي تفرض إرباكاً غير مسبوق على الإدراك الجمعي.

الصحافة التوليدية واقتصاد الانتباه

يسلط هذا المحور الضوء على التغيرات الجذرية في سلوكيات استهلاك الأخبار بتأثير من الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تشير البيانات التقديرية إلى احتمال فقدان المؤسسات الإعلامية لنحو نصف زياراتها المباشرة، نتيجة اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي في تلخيص المحتوى دون الولوج إلى المصادر الأصلية.

وفي تحليل يقدمه "نيك نيومان"، يتضح أن الصحافة باتت تجابه بيئة تنافسية معقدة في إطار "اقتصاد الانتباه"، حيث تشكل ظاهرة المؤثرين وصناع المحتوى منافساً رئيساً لوسائل الإعلام التقليدية. وينتج عن هذا التزاحم الرقمي عزوف فئات واسعة عن متابعة الأخبار تجنباً لمعاناة "الإرهاق الإخباري" والقلق. كما يرصد العدد تحولاً سلوكياً لدى فئة الشباب نحو تفضيل المنشئين المستقلين عبر منصات البودكاست والبودكاسترز على حساب العلامات الإعلامية المؤسسية.

ميكانيكا الحقيقة: التدقيق كدعامة للسردية

في حوار مع "فيرغوس ماكينتوش"، رئيس قسم تدقيق الوقائع في مجلة نيويوركر (The New Yorker)، أُشبّهت عملية التثبت من المعلومات بـ "عمل الميكانيكي الذي يفكك المركبة بالكامل"؛ حيث تُفحص الجزئيات وتُصقل البيانات لضمان الوصول إلى سردية صحفية تتسم بالدقة والاطمئنان. ويؤكد ماكينتوش أن التحقق الميداني والمنهجي هو الضامن الأساسي لحماية المجالات العامة من الانزلاق إلى الزيف الرقمي.

نماذج التكيف والابتكار الرقمي

إضافة إلى ما سبق، يقدم العدد أمثلة لممارسات إعلامية استجابت للتغيرات التكنولوجية بأساليب مبتكرة:

  • البرتغال وحضور البودكاست: اتساع نطاق استخدام المدونات الصوتية كأداة لبناء روابط مباشرة مع المتلقين بعيداً عن أطر الخطاب التقليدي.

  • تجربة منصة "زتالند" (Zetland) في الدنمارك: نموذج قائم على التمويل الجماعي والمشاركة من القراء، يعتمد على إنتاج صحفي مركز ذي جودة عالية ويفكك العزلة بين الصحفي والجمهور.

  • الصين والصحافة الافتراضية: استثمار الذكاء الاصطناعي في معالجة الأرشيف وإتاحة عناصر تقديم افتراضية، مع التأكيد على منطق أن التكنولوجيا تظل أداة لإبراز الحقيقة لا لصناعتها.

الحقوق المهدرة وظاهرة التصحر الإعلامي

لم يغفل العدد الواقع الأمني والمهني الصعب للصحافة عبر العالم؛ إذ يشير تقرير اليونسكو إلى تراجع حرية التعبير بنسبة 10% عالمياً منذ عام 2012، مع تسجيل مقتل 186 صحفياً بين عامي 2022 و2025 خلال تغطية النزاعات المسلحة.

كما تبرز ظاهرة "التصحر الإعلامي"، حيث تشير البيانات إلى أن 45% من البلديات في البرازيل تعاني من غياب التغطية الإعلامية المحلية، مما أفسح المجال لظهور المؤثرين الإخباريين (Newsfluencers) لسد هذا الفراغ الإخباري.

زوايا إنسانية وثقافية

احتوى العدد أيضا على مساحات تقاطع بين الثقافة والمجتمع:

  • التراث الشمي: قراءة في جهود أرشفة وتوثيق الروائح التاريخية والتقليدية المهددة بالزوال.

  • متحف استوديو هارلم: حوار مع ثيلما غولدين حول إعادة افتتاح المتحف كمركز حيويللفن الإفريقي الأمريكي.

  • رسالة التعليم: معايشة صحفية مصورة لقصة المعلمة "عزيزة" في إندونيسيا، والجمعات التي تربط بين رسالة التدريس والعمل الزراعي.

أخيرا..

لا يقدم هذا العدد من "رسالة اليونسكو" توصيفاً سوداوياً للمستقبل، بقدر ما يطرح مراجعة نقدية لوظيفة الصحافة بوصفها خدمة عمومية وركناً في بناء المعرفة الديمقراطية. إن استدامة الصحافة مرهونة بقدرتها على إنتاج سرديات موثوقة ومسؤولة تساعد المجتمعات على فهم التحولات المعقدة التي تعيشها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحميل جميع أعداد مجلة "عالم الفكر" من 1970 إلى 2016م

أهم ثمانية كتب حول نظريات علوم الإعلام والاتصال

باديس لونيس كثرت في الآونة الأخيرة حركة التأليف في مجال علوم الإعلام والاتصال بتخصصاته المختلفة في المنطقة العربية، ولكن مع هذه الحركة والحركية يبقى مجال نظريات الإعلام والاتصال يحتاج إلى مزيد من الاهتمام. ليس من ناحية الكم فقط ولكن من ناحية الكيف بشكل خاص. لأن ما يُنتج هنا وهناك صار مبتذلا بشكل واضح، بل إن الكثير من الذين استسهلوا هذا المجال لم يكلفوا أنفسهم عناء إضافة أي شيء جديد حتى ولو كان من باب تنويع المراجع أو من باب التحليل والنقد، ما يفتح الباب واسعا حول التساؤل عن جدوى التأليف مادام صاحبها يجتر ما هو موجود أصلا من دون إضافة؟ هذا فضلا عن الحديث عن السرقات العلمية الموصوفة وذلك موضوع آخر.

معايير الصدق والثبات في البحوث الكمية والكيفية

أ.د فضيل دليو جامعة قسنطينة3 مقدمة   من المعروف أن البحوث في العلوم الاجتماعية قد تصنف تبعا لمؤشر طبيعة البيانات المستخدمة إلى بحوث كمية وبحوث كيفية. تَستخدِم الأولى تقنيات كمية مباشرة وتلجأ إلى العد والقياس والإحصاء... أما البحوث الكيفية فهي غالبا ما تخلو من التكميم والقياس، ولا تستعمل التحاليل الإحصائية بل تعتمد على التحليل الكيفي وتركز على الفهم من خلال التفاعل مع الموضوع والظاهرة المدروسة.