تعقيبا على مقال البروفيسور بولكعيبات: "نقد صيغة تحليل المحتوى في الدراسات الإعلامية بالجزائر".

بعد نشر البروفيسور إدريس بولكعبات لمقاله المهم "نقد صيغة تحليل المحتوى في الدراسات الإعلامية بالجزائر"، طرحت عليه سؤالا كما يلي:
شكرا دكتورنا على هذه الورقة المهمة، وأستسمحكم في التساؤل حول التحديات الابيستمولوجية التي تثيرها المزاوجة بين النزعتين؛ الكمية والكيفية:
- كيفية النظر إلى الظاهرة (من حيث سطحيتها أو عمقها)؟
- إشكالية التعميم.
-دور الباحث (الانفصال أو الانغماس؛ لتحقيق الموضوعية)؟

فأجابني البروفيسور مشكورا، بما يلي:

عزيزي باديس ، أشكرك على المتابعة والاهتمام بما أنشره في هذه الصفحة . لقد أثرت أسئلة مهمة أحيانا مؤرقة تشغل الباحثين الذين تنمى لديهم الحس و الروح العلمية . و ما طرحته من انشغالات يحتاج الى مقالات و ملتقيات تتلاقح فيها الأفكار . فالعلوم الانسانية والاجتماعية ستستمر في طرح هذه الأسئلة التي تشكل تحديات دائمة . فهناك نماذج ارشادية أو براديغمات مختلفة تتعايش الى جانب بعضها البعض في هذه العلوم التي مضطرة لقيول التعدد .
و تعد الموضوعية ركنا أساسيا في براديغم " الوضعية " وهو براديغم الذي قامت عليه الحداثة و كل العلوم الدقيقة و التي تدعو إلى الفصل بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. و قد سعت العلوم الانسانية الى السير في هذا الطريق أي تقليد مشية الحمام لكنها لم تقترب من الحقيقة المأمولة . ومن ذلك ظهرت لحظة الاصلاح بالعودة الى الذات ومن ذلك ظهرت براديغمات جديدة من مثل الظاهراتية و التفاعلية الرمزية والمقاربة الاثنوميتودولوجية التي لا ترى حرجا في أن يكون الباحث جزءا من الظاهرة و ترجح فكرة التأويل على الطرح الوضعي . و أما مشكل التعميم ، فذلك أمر معقد للغاية في كل العلوم و يزداد تعقيدا في العلوم الانسانية لكونها ظواهر فريدة و تاريخية. كان الحكيم "ديموقريطس " يقول " انك لا تستطيع السباحة في النهر مرتين " .
و قد كرس " كارل بوبر " جزءا هاما من حياته للسعي الى تقويض الاستقراء أي التعميم من خلال طروحاته الشهيرة حول القابلية للتكذيب . و أنا انصحك بقراءة كتابه " بؤس التاريخانية " . و ستجد فيه بعض الاجابات الشافية حول هذه المسألة .و قد أخصص مقالا للحديث حول هذه الاشكالات في المستقبل . ان هذا الحيز لا يكفي للرد على هذه الانشغالات . و مرة أخرى أشكرك على الاهتمام و قد لاحظت عليك خلال ملتقى باتنة من خلال ما قدمته اشغالك بهكذا مواضيع و أنا أحثك على الاستمرار في النبش فيها .

تحياتي.