نقد صيغة تحليل المحتوى في الدراسات الإعلامية بالجزائر

 أ.د / ادريس بولكعيبات

في البداية سأنطلق من مسلمة و هي أني أعتبر الدراسات التي أجريت في إطار التحضير لشهادة الماجستير و الدكتوراه بكلية علوم الإعلام و الاتصال بجامعتنا ما هي الا عينة للبحوث و الدراسات التي تجري في الجامعات الجزائرية ، أي أني أتحدث عن جو عام يسود البحث في الاعلام و الاتصال في الجزائر يتصف بما يلي :
* الاستخدام على نحو مفرط لتحليل المحتوى كأداة أو كمنهج . 
* و الملفت أكثر في هذا الشأن توظيف هذه الأداة في صيغتها التقليدية ،أي الطريقة التي قيدها " بيرلسون " عبر ثلاث كلمات - مفتاحية . 
* أنه آن الأوان للانتقال الى الصيغة الجديدة لتحليل المحتوى . ففي الغرب عملية الانتقال حصلت منذ ما يزيد عن أربعين سنة . 

1- موت الصيغة التقليدية :

- أذكركم بالتعريف الذي بات يحفظه كل الطلبة و الذي يتم الاستشهاد به في كل مناسبة  وهو يعود لبيرلسون ، و مؤداه : " تحليل المحتوى هو أسلوب بحث يهدف إلى وصف كمي و موضوعي منظم للمحتوى الظاهر للاتصال ".
- أي أن مرجعيات تحليل المحتوى التي تعطيه الشرعية العلمية هي : ( الموضوعية ، التنظيم ، التكميم ) 
و هذا المفهوم هو الشائع الاستخدام في جل الدراسات الاعلامية في الجزائر . و قد أعطى نتائج طيبة لا يمكن انكارها سواء عندنا أو عند غيرنا ، حيث ساهم في تطوير البحث في الاعلام بوجه عام .
و الحقيقة أن تحليل المحتوى بالصيغة التي لخصناها ، ساد في النصف الأول من القرن العشرين و قد تحمس لاستخدامه الباحثون في حقلي الإعلام و السياسة .

2- انقلاب في مناخ العلم :

الموقف تغير في نهاية خمسينيات القرن الماضي و بالتحديد بعدما صدر " اتجاهات تحليل محتوى " لـ "دي سولا بول " وهو عبارة عن مجموعة المداخلات كانت قد قدمت حول تحليل المحتوى في مجلس بحوث الإعلام الاجتماعية بأمريكا .()
حيث بدأ التفكير نحو الابتعاد عن الدراسات الوصفية الخالصة ، و الاتجاه نحو بحوث أسباب و تأثير المحتوى الاتصالي .
و قد كان ذلك كله نتاج مناخ كامل ، نتج عن التراجع عن  النزعة الوضعية ، في العلوم الاجتماعية و الاتجاه نحو التأويلية و النقدية و التفاعلية الرمزية و " الإثينوميتودولوجيا . 

* و قد لخص " تورنر " هذا التحول في التفكير في الجوانب الآتية : ()

- رفض فكرة امكانية اعتماد ملاحظات نظرية حيادية . 
- الافتراض أن العلم هو مشروع تأويلي ، و من ذلك  أصبحت مشكلات من مثل : معنى الاتصال مناسبة للنظرية العلمية .
- الانقلاب على الاحصاء الى حد القول " أن العالم الجيد ، يجب ألا يلوث يديه بالأرقام." 
هذا التحول في مناخ العلم ، انعكس في تحليل المحتوى ، حيث انتقل من المفهوم الذي كان يركز على الوصف الظاهري ، إلى التركيز على الاستدلال بحسب " دينيس ماكويل" 
و هذا التحول في تحليل المحتوى ليس تحولا ظاهريا ، بل هو تحول جوهري . 
- و قد كان " دي سولا بول " يميل إلى المزاوجة بين التحليل الكمي و الكيفي في تطبيق تحليل المحتوى .
- من هنا بدأ ظهور ما أصبح يعرف بالمفهوم الموسع لتحليل المحتوى .
و الواقع أن عقد السبعينات من القرن العشرين كان مرحلة فاصلة في الانتقال من المفهوم التقليدي إلى المفهوم الموسع أو المرن كان ذلك عندما عقد في جامعة بتسلفانيا مؤتمرا مهما حول الدراسات الاعلامية ، حضره علماء بارزون في الاتصال الجماهيري من أمثال " جورج غيربينر" و " كريبندروف " جمعت أعماله في كتاب " تحليل محتوى الاتصال " . 
و يمكننا تلخيص أبرز سمات هذا الطرح الموسع لتحليل المحتوى في الآتي : 
- رفض المنظور الوضعي القائم على الاقتصار التحليل الكمي للمحتوى الظاهر. 
- اعتماد الاستدلال كآلية تحليل أساسية .
- التركيز على تحليل المعاني الكامنة ، أي على البعد التأويلي . 
- ضرورة اعتماد قاعدة نظرية يستند إليها تحليل المحتوى .
هكذا ، إذا عرفت مرحلة الستينات تطورات و تحولات مطردة ساهمت في توسع نطاق تحليل المحتوى و اخراجه من نموذجه الوضعي الامبريقي الضيق .
بهذا المعنى اقترب تحليل المحتوى من تحليل الخطاب إن لم نقل أنه اقترب من التطابق معه .
و إذا كان تحليل المحتوى في صيغته " الجديدة " يقترب من تحليل الخطاب، فلماذا ظل تحليل الخطاب مغيبا في الدراسات الاعلامية ؟ 
" فان دايك " و هو أحد أبرز المهتمين بتحليل الخطاب الاعلامي يفسر هذه الظاهرة بوجود عاملين اثنين : ()
 أ- بحوث الإعلام نشأت داخل العلوم الاجتماعية ، علم الاجتماع ، العلوم السياسية لذلك فهي تركز على الخطوط العامة macro ( المؤسسات ، الجمهور ، وظائف وسائل الإعلام ) . بينما يركز تحليل الخطاب على القضايا الجزئية المحدودة micro 
ب- القضايا المعالجة في بحوث الاعلام تتطلب تحليل كميات ضخمة من  المعلومات أو الرسائل الإعلامية و هو ما يجعل الطرق الكمية و السطحية مناسبة لها . 
و رغم هذه الأسباب القوية ، فإنها لم تمنع من ظهور دعوات قوية  لاستثمار ما تحقق من تطور على أيدي علماء اللسانيات في تعميق تحليل المحتوى . 

3 – مرافعة من أجل تقبل الجديد :

التغير في مناخ العلم في حقبة السبعينات انعكست مباشرة على الطريقة المعتمدة في تحليل المحتوى .
- إذ ، بات واضحا اليوم أن تحليل المحتوى في صيغته التقليدية قد استنفذ طاقته . و بينت المقاربات  الجديدة : التفاعلية الرمزية و الانثوميتودولوجية اللتان تدعوان إلى اندماج الذات و الموضوع ، مدى قصوره في الوصول الى المعنى الكامن في الاتصال. 
و قد آن الأوان للتفاعل مع هذا الطرح الجديد . و تقبل ذلك يتطلب القبول بالآتي :
- معالجة البيانات اللغوية بأقل ميكانيكية ، لأن اللغة ليست مرجعية و بالتالي غير شفافة من حيث الدلالة .
– يجب ألا يتوقف الباحث عند المعنى الظاهر. 
- أن يتجه الجهد للتركيز على السياقات و القبول بفكرة تعدد المعنى بالنسبة للنص.
- النظر الى فئات التحليل على أنها مجرد اقتراح ، حيث أنها من  تصور القائم بالتحليل. 
لقد كان " رولون بارث " يرفض أن يكون للنص معنى واحد يمنحه مؤلف واحد .()
أي أن المعنى الاتصالي ليس شيئا محددا ثابتا نقبض عليه  في النص بل هو خلاصة عملية تفاعل بين المتلقي و الرسالة . 
و من هنا يجب أن نفهم أن المعنى لصيق و مرتبط أشد الارتباط بالفعل الاتصالي أو بالخطاب و تداوليته  و هو صيرورة أما الذين يعتقدون في ثبات المعنى فهم كمن يعتقد في صدق الأساطير .
ان هذه الملاحظات التي تسلط الضوء على الفقر التي عليها تحليل المحتوى  في صيغته القديمة و المستمرة عندنا و كأن المجتمع العلمي غير مبال بما يحدث من تطورات يجب أن تراجع و أن نقبل بإدخال تحويرات ضرورية ان لم أقل عميقة على الطرق المتبعة في كليتنا في تطبيق تحليل المحتوى .

و الخلاصة /

أن الصيغة التقليدية جامدة وغير ديناميكية في البحث عن المعنى في النص بل أنها مضللة . و أنه يتعين اكتساب مهارة المزاوجة بين : 
البعد الكمي في التحليل والبعد النوعي المستلهم من تحليل الخطاب و ذلك لتجاوز القصور الحالية  . و لن يتأتى ذلك إلا بالتخلي عن ذلك الطرح الذي تحول الى معتقد عندنا من أن المناهج الكمية التي لا تزال تعتمد في جامعاتنا و على نطاق واسع هي وحدها من يصدح بالحقيقة . إذ ، يجب أن نقبل و أن نعترف بأن النص هو نتاج عمليتي : انتاج من جهة و تأويل من جهة أخرى .

ملاحظة هامة / للمداخلة  مراجع