التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في "أزمة" الحداثة.. قراءة في أحدث أطروحات تيري إيغلتون

 
عن كثب

بأسلوبه الذي يجمع بين المشاكسة الفكرية والعمق التاريخي، يعود الناقد تيري إيغلتون في كتابه الأحدث "الحداثة: أدب في أزمة" (2025) ليُعيد تعريف تلك الحقبة القلقة من تاريخ الأدب الغربي. لا ينظر إيجلتون إلى الحداثة كنهضة جمالية فحسب، بل يحللها بوصفها صرخة ناجمة عن تمزق اجتماعي وسياسي هائل؛ فهي الأدب الذي وُلد من رماد اليقينيات بعد زلزال الحرب العالمية الأولى وصعود الأيديولوجيات الشمولية.

يرى إيغلتون أن الحداثة هي الفن الذي "أدرك فجأة أن الواقع لم يعد مفهوماً بالأدوات القديمة". ومن هنا، انبثقت تقنيات التفتت والغموض والمونتاج كضرورة للتعبير عن عالم متشظٍ. إن ما يميز هذا الكتاب هو تركيزه على "المركز الغائب" في الرواية والقصيدة الحداثية؛ حيث تدور الأعمال حول فراغ جوهري أو حدث مفقود، تماماً كما هو الحال في عبثية صمويل بيكيت أو غموض جوزيف كونراد، مما يجعل الحداثة أدباً يقتات على غياب المعنى بقدر ما يحاول البحث عنه.

ويكشف إيغلتون عن مفارقة سياسية مدهشة وسمت كبار هذا التيار؛ فبينما كانت تقنياتهم الفنية "ثورية" وتجريبية إلى أقصى حد، كانت انتماءاتهم الفكرية (مثل حالة تي إس إليوت وعزرا باوند) تميل نحو المحافظة المتشددة أو حتى الرجعية، في محاولة لاستعادة نظام مفقود وسط فوضى العصر الحديث. إنهم، في نظر إيجلتون، ثوريون في الشكل لكنهم يطمحون للعودة إلى قيم ما قبل الحداثة.

وفي الختام، يضعنا الكتاب أمام تساؤل جوهري حول إرث هذه الحركة، مؤكداً أنها لم تنتهِ بل تحولت. فإذا كانت "ما بعد الحداثة" قد استسلمت لفكرة غياب الحقيقة واحتفت بها، فإن "الحداثة" عند إيغلتون تظل هي التجربة الأدبية التي عانت بصدق من أزمة الوجود، وحولت هذا الألم إلى لغة فنية لا تزال تستفز وعينا حتى اليوم. إنها مراجعة معمقة لا تكتفي بتحليل النصوص، بل تعيد قراءة الروح الأوروبية وهي تواجه انهيارها بجمالية الصدمة.

يمكن تحميل الكتاب بالنقر هنا



تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحميل جميع أعداد مجلة "عالم الفكر" من 1970 إلى 2016م

معايير الصدق والثبات في البحوث الكمية والكيفية

أ.د فضيل دليو جامعة قسنطينة3 مقدمة   من المعروف أن البحوث في العلوم الاجتماعية قد تصنف تبعا لمؤشر طبيعة البيانات المستخدمة إلى بحوث كمية وبحوث كيفية. تَستخدِم الأولى تقنيات كمية مباشرة وتلجأ إلى العد والقياس والإحصاء... أما البحوث الكيفية فهي غالبا ما تخلو من التكميم والقياس، ولا تستعمل التحاليل الإحصائية بل تعتمد على التحليل الكيفي وتركز على الفهم من خلال التفاعل مع الموضوع والظاهرة المدروسة.

أهم ثمانية كتب حول نظريات علوم الإعلام والاتصال

باديس لونيس كثرت في الآونة الأخيرة حركة التأليف في مجال علوم الإعلام والاتصال بتخصصاته المختلفة في المنطقة العربية، ولكن مع هذه الحركة والحركية يبقى مجال نظريات الإعلام والاتصال يحتاج إلى مزيد من الاهتمام. ليس من ناحية الكم فقط ولكن من ناحية الكيف بشكل خاص. لأن ما يُنتج هنا وهناك صار مبتذلا بشكل واضح، بل إن الكثير من الذين استسهلوا هذا المجال لم يكلفوا أنفسهم عناء إضافة أي شيء جديد حتى ولو كان من باب تنويع المراجع أو من باب التحليل والنقد، ما يفتح الباب واسعا حول التساؤل عن جدوى التأليف مادام صاحبها يجتر ما هو موجود أصلا من دون إضافة؟ هذا فضلا عن الحديث عن السرقات العلمية الموصوفة وذلك موضوع آخر.