عن كثب
في عددها الجديد (يناير 2026)، فتحت مجلة «الإيسيسكو» ملفاً شائكاً وحيوياً يتجاوز كونه مجرد تصنيف أدبي، ليصبح تساؤلاً وجودياً ومعرفياً عميقاً تحت عنوان: «الأدب النسوي... أزمة المصطلح وآفاق التخييل».
عبر صفحات الملف، شارك نخبة من النقاد والأكاديميين العرب في تفكيك هذا المصطلح الذي ما يزال يثير الجدل في أروقة النقد العربي، محاولين الإجابة على السؤال الأزلي: هل نكتب بجنسنا أم بعقولنا؟
عبدالله إبراهيم: ليس كل ما تكتبه المرأة "نسوياً"
يضع المفكر والناقد العراقي د. عبدالله إبراهيم النقاط على الحروف بتمييز حاسم؛ فليس كل نص تخطه يد امرأة هو بالضرورة "أدب نسوي". يرى إبراهيم أن "كتابة النساء" قد تتماثل مع كتابة الرجال في معالجة القضايا العامة دون رؤية أنثوية مقصودة.
أما "الكتابة النسوية" الحقيقية فهي التي تتوفر فيها ثلاثة أركان (أو أحدها):
نقد الثقافة الأبوية الذكورية.
اقتراح رؤية أنثوية خاصة للعالم والذات.
الاحتفاء بالجسد الأنثوي كمكون جوهري في الكتابة.
ويذهب إبراهيم إلى أن هذه النصوص هي "نصوص متعة" لأنها تزعزع موروثات القارئ التقليدي وتخرب قناعاته، فهي لا تساير السائد بل تعيد تعريفه.
أماني فؤاد: صرخات سردية لإثبات الوجود
من جانبها، تصف الناقدة المصرية د. أماني فؤاد الرواية النسوية بأنها "صرخة". ورغم إقرارها بصعوبة وضع فواصل قطعية، إلا أنها ترصد خصوصية في فضاء المرأة الذهني. هذه الخصوصية ناتجة عن "الاشتباك" مع الموروثات والتقاليد التي كرسها الرجل لتدعيم تفوقه، حتى باتت تُعامل كحقائق مطلقة. فالأدب النسوي هنا هو أداة المرأة لانتزاع وعيها الفردي والجمعي من تهميش استمر لقرون.
"الأدب النسوي ليس مشروعاً احتجاجياً فحسب، بل هو رهان على إنتاج جماليات بديلة قادرة على خلخلة السائد."
منى المالكي: كيف تكتب المرأة ذاتها في نظام ذكوري؟
تطرح الأكاديمية السعودية د. منى المالكي سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل لغة وثقافة تشكلت تاريخياً بمركزية ذكورية؟ بالنسبة للمالكي، الأدب النسوي ليس مجرد توصيف لـ "جنس" الكاتب، بل هو موقف فكري وجمالي. هو ممارسة واعية لزعزعة البنى الرمزية التي أقصت الصوت الأنثوي، سواء في السياق الغربي (من جين أوستن إلى فرجينيا وولف) أو في السياق العربي الذي ارتبطت فيه الكتابة النسوية بمشاريع النهضة والتحرير.
أنس النعيمي: الخصوصية لا تعني التمييز
وفي سياق الشعر، يرى د. أنس النعيمي أن مصطلح "الأدب النسائي" مقبول من باب "الخصوصية"، تماماً كما أن الرجل أقدر على ترجمة موضوعات الرجولة، فالأمر يعود للطبيعة الجنسية والتجربة الذاتية لكل طرف، دون أن يعني ذلك أفضلية طرف على آخر.
بعيداً عن ملف الأدب النسوي.. ماذا في العدد أيضاً؟
لم يقتصر عدد "الإيسيسكو" على الملف النسوي، بل كان حافلاً بالتنوع:
حوارات ملهمة: أجرت الشاعرة روضة الحاج حواراً مع رائدة الشعر المغربي مليكة العاصمي، بينما حاور السفير خالد فتح الرحمن رائد الطب د. حسين الجزائري.
الذكاء الاصطناعي: مقال نقدي يتناول الذكاء الاصطناعي كخطاب سلطوي جديد.
إنجازات مؤسسية: الاحتفاء بافتتاح مكتب "الإيسيسكو" الإقليمي في الشارقة، ليكون منارة ثقافية جديدة.
ختاماً، يبدو أن الأدب النسوي سيظل "منطقة قلق" إبداعي، ليس لأنه يبحث عن الانفصال، بل لأنه يبحث عن "العدالة" في التمثيل والتعبير، وعن حق المرأة في إعادة صياغة العالم بكلماتها هي، لا بكلماتٍ وُضعت نيابة عنها.
يمكن تحميل العدد كاملا بالنقر هنا
تعليقات
إرسال تعليق