عن كثب
من حيث الخط التحريري، تعتمد قنوات الشرق – ولا سيما القناة الإخبارية – أسلوباً هادئاً ومباشراً في تقديم الأخبار، مع تركيز واضح على المعطيات والبيانات، خصوصاً في الملفات الاقتصادية والجيوسياسية. هذا الخيار يمنح المحتوى طابعاً مهنياً ورصيناً، لكنه في المقابل يحدّ أحياناً من المساحة التعبيرية أو السجالية التي اعتاد عليها جمهور القنوات ذات الطابع الحاد أو الاستقطابي.
أما على مستوى التعددية، فتسعى قنوات الشرق إلى إظهار قدر من الانفتاح على الآراء المختلفة، خاصة ضمن البرامج الحوارية، مع الالتزام بسقف تحريري واضح. هذا التوازن بين التعدد والضبط يعكس طبيعة المشروع الإعلامي المرتبط بمؤسسات كبرى، حيث تُدار النقاشات ضمن إطار محسوب، يتأثر حتماً بالبيئة السياسية والإعلامية التي تعمل فيها القناة.
تجربة «الشرق بلومبيرغ» تمثل إحدى نقاط القوة في الشبكة، إذ تحاول سد فجوة حقيقية في الإعلام الاقتصادي العربي، من خلال تغطيات للأسواق والطاقة والمال بلغة احترافية ومعلومات دقيقة. غير أن هذا التوجه، على أهميته، يبقى موجهاً أساساً إلى جمهور متخصص أو شبه متخصص، ما يجعله أقل جماهيرية مقارنة بالقنوات الإخبارية العامة.
في المقابل، تشكل «الشرق ديسكفري»، وبشكل خاص «الشرق الوثائقية»، بعداً مختلفاً في هوية الشبكة. فالمحتوى الوثائقي هنا لا يقتصر على السرد التاريخي أو الاستكشافي، بل يسعى إلى معالجة قضايا سياسية واجتماعية وثقافية بأسلوب بصري هادئ وتحليلي. هذا التوجه يمنح القناة فرصة للمساهمة في بناء معرفة أعمق لدى المشاهد العربي، بعيداً عن ضغط الخبر العاجل وإكراهاته، وإن ظل نجاحه مرهوناً بقدرة هذه الأعمال على تحقيق التوازن بين العمق والجاذبية.
على الصعيد الرقمي، أظهرت قنوات الشرق فهماً واضحاً لتحولات الاستهلاك الإعلامي، من خلال حضور نشط على المنصات الاجتماعية وتوظيف المقاطع القصيرة والمحتوى التفاعلي. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الانتشار فحسب، بل في تحويل هذا الحضور الرقمي إلى فضاء للنقاش العمومي المنتج، لا مجرد استهلاك سريع للمعلومة.
في المحصلة، يمكن النظر إلى قنوات الشرق السعودية بوصفها تجربة إعلامية متعددة الأبعاد، تحاول الجمع بين الخبر والتحليل والمعرفة الوثائقية، ضمن إطار مهني واضح. هي ليست قطيعة جذرية مع نماذج الإعلام العربي السائدة، لكنها أيضاً ليست مجرد امتداد تقليدي لها. إنها تجربة في طور التشكل، يُقاس نجاحها بمدى قدرتها على ترسيخ المصداقية، وتوسيع هامش الفهم، ومواكبة التحولات العميقة في علاقة الجمهور بالإعلام.

تعليقات
إرسال تعليق