بقلم: باديس لونيس
تمهيد:
تعد إشكالية "الزمن" من أعقد القضايا التي تتقاطع فيها الأنطولوجيا بالإبستمولوجيا، وفي النص القرآني نجد إحالة مركزية لطبائع الاستعجال في قوله تعالى: "خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ". من هنا، تعالوا نقوم بتفكيك بنية "العجلة" ليس بوصفها سمة سيكولوجية عابرة، بل كـ "شرط وجودي" يحكم الفعل الاتصالي للإنسان المعاصر، وذلك بالاستناد إلى الجهاز المفاهيمي لنظرية "التسارع الاجتماعي" (Social Acceleration) التي صاغها هارتموت روزا.
1. الإطار الإبستمولوجي: العجلة كبنية تكوينية
من منظور إبستمولوجي، تمثل "العجلة" في الآية الكريمة ماهية تكوينية تسبق الإدراك. وإذا كان هارتموت روزا يرى أن الحداثة المتأخرة تتميز بتسارع تكنولوجي واجتماعي مذهل، فإن النص القرآني يؤصل لهذه الظاهرة بربطها بأصل الخلقة. هنا، تصبح "العجلة" هي النظارة التي يبصر بها الإنسان العالم؛ فهي تدفعه لاستباق النتائج والمعارف قبل نضج صيرورتها الزمنية، مما يخلق فجوة معرفية بين "الحدث" و"استيعابه".
2. التسارع الاتصالي وفقدان "الرنين" (Resonance):
يرتكز تحليلنا على مفهوم "الرنين" عند روزا، وهو نمط من العلاقة مع العالم يتسم بالاستجابة المتبادلة. إن "الإنسان المستعجل" بطبعه، حين يوضع في بيئة اتصالية رقمية فائقة السرعة، يفقد القدرة على إحداث هذا الرنين.
اتصالياً، تتحول "العجلة" من دافع للإنجاز إلى عائق أمام التفكير المنظومي. فالمستعجل لا "يتصل" بالحقيقة، بل "يصطدم" بها ويمر سريعاً، وهو ما يفسر قوله تعالى في ختام الآية: "سأريكم آياتي فلا تستعجلون"؛ كأنها دعوة إلهية لابطاء الإيقاع (Deceleration) من أجل تحقيق "الاتصال الحقيقي" بالآيات/المعارف.
3. استلاب الذات في مجتمع السرعة:
بناءً على العديد من الدراسات حول وسائط الاتصال الجديدة، نجد أن التكنولوجيا المعاصرة قد "شرعنت" صفة العجلة الكامنة في الإنسان. إن الاستلاب الذي يتحدث عنه روزا هو نتيجة حتمية لهذا التلاقي بين "عجلة الخلقة" و"عجلة التقنية". الإنسان اليوم يعيش حالة "جمود بنيوي" رغم الحركة الفائقة؛ فهو يستهلك المعلومات بسرعة هائلة لكنه لا يتغير معرفياً، لأن العجلة تمنع "التمثل" (Assimilation) العميق للمادة الاتصالية
أخيرا:
إن قراءة روزا من منظور "خُلق الإنسان من عجل"، تنقلنا من التفسير اللغوي الضيق إلى آفاق سوسيولوجيا الزمن. فالعجلة هي التحدي الأكبر أمام جودة الفعل الاتصالي، والآية الكريمة تضعنا أمام ضرورة مراجعة إيقاعنا الوجودي للوصول إلى إدراك أعمق لـ "الآيات" التي تتطلب تأملاً يتجاوز منطق السرعة الحداثي.

تعليقات
إرسال تعليق