نومار، غوفمان وحب من أول نقرة

 


د. لونيس باديس

قالت عنها فضيلة الفاروق: " هي كاتبة موهوبة جدا وتعِد بما هو أجمل وروايتها ممتعة من أول نقرة. ثم تبصم الفاروق بالعشرة أنها منافسة أحلام مستغانمي".

هذا الكلام صرّحت به في حق الروائية الجزائرية نومار مريم ناريمان، أستاذة علوم الإعلام والاتصال بجامعة باتنة1، صاحبة رواية "حب من أول نقرة" الصادرة عن دار الفارابي سنة 2016، والتي كانت تيمتها الرئيسة علاقة حب افتراضية جمعت بين كاتبة متخفية تحت اسم مستعار ورسام هجر مهنة الطب.

العنوان؛ عتبة الدهشة:

تمثّل العناوين كما يتّفق الجميع؛ العتبة الأولى لحدوث حالة تواصل الكاتب مع جمهوره المفترض. وهي بالتالي، إما أنها تثير النفور والابتعاد ومن ثم انقطاع حبل التواصل منذ البدء ورفض الولوج الى الحياة الموعودة عبر الحكاية، وإما أنّها لا تحرك شيئا في القارئ وكأنها لم تكن شيئا مذكورا، وإما أنها تزرع الدهشة ورجفة التلقي الأولى وتخلق إحساسا مكثفا بالمعاني والمفارقات والتحولات، تماما مثلما يحدث مع العنوان الذي اختارته مريم ناريمان لروايتها "حب من أول نقرة".

ولعل كلمة "الحب" ليست هي ما تراهن عليها الكاتبة هنا لإحداث ذلك الاغراء الجاذب المرتجى، فهي كتيْمة تم استهلاكها طولا وعرضا في عالم الأدب والروايات، ولكنها "كلمة النقرة" هي ما يلفت الانتباه، ويحدث الإنشداه، مع كل ما تحيل إليه الكلمة من دلالات ثقافية، تكنولوجية، نفسية وعاطفية.

فهي تختزل تحوّلا في السلوك العاطفي الذي كان في السابق تواصلا مباشرا قد يحدث من خلال اتصال غير لفظي يتمثل في إيماءة "النظرة" بكل ما تحمله النظرة من دلالات وعمق قد لا يستطيع الاتصال اللفظي مجاراتها فيه، فهي بإمكانها التعبير عن الرضا أو السخط، الحب أو الكره، الإكبار أو الاحتقار، الفرح أو الحزن... كل ذلك بالتدرّج  والوضوح المناسبين في اللحظة الحقيقية المناسبة دون لف ودوران ودون تشدق أو تحايل أو لعب باللغة والكلمات.

 هذا السلوك الذي تحوّل إلى تواصل عبر وسيط هو جهار الكتروني (بلا أحاسيس) لا يتيح وصول الرسالة إلا بالنقر. مع كل ما يعنيه ذلك من تحوّل في قيم التواصل بين المتحاورين ومرور تأويل القيم (الوجدانية) عبر ممرّ مادي رقمي تتشظى فيه المسافة (تقترب وتبتعد في نفس الوقت) ويُشيّء الروح الانسانية وما تحمله من وجدانيات.

و"بين النظرة والنقرة مسافة حلم وقصة انتظار (ص21) " كما تقول الروائية.

فلنعد الى الوراء قليلا قبل انتشار الانترنت وغزوها لحياتنا، هل كانت لتبدو العلاقة بينهما (النظرة/النقرة) مستساغة ومنطقية وقابلة للتصور؟ أما الآن فنحن بصدد مسافة متماهية مع الأحاسيس.. لتختزل حجم التحول الثقافي النفسي الذي حدث والذي يتراقص مع وقع النقرات ونبضات القلوب.

لعبة إعادة صياغة المفاهيم:

لقد أعادت تكنولوجيات الاتصال الحديثة والانترنت بما تحتويه من شبكات وتطبيقات تواصل اجتماعي، صياغة الكثير من المفاهيم المألوفة لدينا. ومن من بين المفاهيم التي أعاد الفايسبوك تشكيلها وزاد من ارتباكها مفهوم الصداقة التي تستحضرها نورمار قائلة: "هنا حيث حطني الضياع لأجد نفسي، وجدت الصديق صديقا والأستاذ صديقا والأب صديقا وأنت "وأنتاك" صديقا.. ووجدت أنني قد أرسل لي طلب صداقة فأصادق نفسي.. وأبحث عني بيننا.." (ص22).

وها هي قبل ذلك تستحضر أيضا فكرة الجدار وتحوّل معانيها بين الواقعي والافتراضي فتقول: "من كان يدري أن الجدران لها قوة الضغط علينا. من قال إن الجدران التي قيل ذات مرّة إن لها آذانا أصبح لها صوت وقوة للسيطرة علينا والتحكّم فينا والكتابة بعمق في دواخلنا" (ص16).

ثم إنه لا يفوتها أن تمارس لعبة تفكيك المفاهيم بشاعرية مفرطة وجذابة وهي تتطرق إلى فعل الكتابة نفسه حيث تتساءل وتجيب:"..لماذا علاقتنا بالقلم أقوى من علاقتنا بلوحة المفاتيح؟ وأجيب نفسي بنفسي: ربما لان القلم عندما نكتب به نحتضنه بقوة كمن يفرّ إلى حضن يجد فيه كل الامان والراحة، القلم لا يرضى بالكتابة إلا ونحن نأخذه بين أحضان تجتمع أصابعنا لتصنعها، نهمس له، نهب قلوبنا له فيكتب" (ص16).

لقد أبانت الكاتبة عن براعة ملفتة في استعادة الكثير من المفاهيم المعقدة ثم إعادة رسمها بكثير من الدقة والصبر كذلك، إنها تدفعك دفعا إلى إعادة قراءة كل فقرة تمر عليك لتتلمس روح الكلمات من جهة ولتتأكد من صدق المعنى ورفاهة الدلالات من جهة أخرى.. ثم ستجعلك تهز رأسك موافقا؛ إن الكاتبة لا تتقصّد إبهارك إنها فقط تمارس لعبة إعادة صياغة المفاهيم بإتقان...

غوفمان؛ وإدارة الانطباعات في الرواية:

كنتُ قد أشرت في بداية المقال إلى أن الروائية أستاذة في علوم الإعلام والاتصال، وهذه الاشارة ليست من باب التعريف بالكاتبة فقط، ولكن للإحالة الى علاقة تخصصها وتأثيرها في طريقة تناولها لهذا الموضوع، فضلا عن ذلك فإن الأستاذة كانت قد أنجزت أطروحتها لنيل شهادة الدكتوراه تحت عنوان: " تمثّلات المرأة لذاتها عبر مواقع الشبكات الاجتماعية".

ومن بين النتائج التي توصلت إليها دراستها التي استندت فيها على المقترب الدرامي لإرفنغ غوفمان: "أن المرأة الجزائرية تقوم بمحاولة إدارة الانطباع حول هويتها الافتراضية حتى تقدم صورة ايجابية عنها لكن دون أن تقدممعلومات خاطئة".

هذا الحضور الواضح والمصرّح به لارفنغ غوفمان على مستوى الأطروحة، يوازيه حضور أعمق ولكن بطريقة متوارية  تتخلل ثنايا الصفحات والفقرات على مستوى الرواية، وذلك من خلال أفكار نظريته التي يُطلق عليها أيضا اسم "إدارة الانطباعات"؛ والتي أسسّت بها نومار أرضية فلسفية خصبة توزعت فيها الأدوار بمفهومها الغوفماني؛ أي تلك التوقعات التي تتكوّن لدى الآخرين عن سلوكنا في ظروف معينة، والتي يراها بمنزلة نصوص نقوم بتمثيلها.إذ اهتم غوفمان ببيان الأساليب التي نسلكها لأداء أدوارنا. ويتم تنفيذ هذه الأدوار حسبه في فضاءين اجتماعيين مختلفين "الجهات الداخلية" (الركح)، و"الجهات الخارجية" (الكواليس). فالجهات الداخلية هي التي يقوم فيها الفرد بدوره الاجتماعي (كأن يتمثّل وظيفته المهنية أو سُمعته). أما الجهات الخارجية، فهي التي لا يؤخذ فيها الفرد بمظاهره، ويمكنه فيها أن يمر إلى سلوك (خطاب) حميم و/أو مختلف. وبما أن الأفراد يسعون إلى إدارة صور أنفسهم في عملية تقديمها للآخرين كما أسلفنا، فقد قدم غوفمان نموذجه ليس كاستعارة مفيدة فحسب ولكن كمنظور منهجي ذو أهمية مركزية. مستعملا بعض الأدوات مثل: الأداء (performance)، الممثل، الجمهور، على الخشبة (onstage)، خلف الخشبة (backstage)، القناع، المخطوط (script)، الأثاث، الديكور، والإحالات المسرحية الأخرى، وذلك في دراسة حقيقة الفعل الاجتماعي.

ويبدو أن هذا ما حدث مع بطلي الرواية؛ حيث لعبت اللغة مع ما تحمله من أفكار دورا محوريا في إدارة انطباع كل منهما عن الآخر.

وكانت البداية مع أول نكزة، وطلب صداقة، وأول حوار حين تسأله: أرجو التعريف بنفسك؟ (ص28) لتبدأ بعدها رحلة تقديم الذات الافتراضية المتصارعة مع الذات الواقعية، وتبدأ إدارة الانطباعات؛ كلمة كلمة، جملة جملة، وفقرة فقرة.. وما يتخلل ذلك من توجس وتيه وقرارات مرتجفة، واكتشافات، وانكشافات، وفوضى احاسيس، وغيرة، وهوية متشظية، بين الكاتبة وشخصية ريمة صادق؛ البطلة الافتراضية التي اختارت لها اسما أخذ حروفه من حروف اسم الروائية وأضافت إليه لقبا يحيل إلى الصدق، ما يجعلنا أما مفارقة عجيبة: صدق الاحاسيس وكذبة الوجود.

تقول الكاتبة: "الأمل.. الذي يحتاج إلى الكثير من الصدق والوفاء ليمحو وجها ويضع آخر، الأمل الذي يكون أقوى من أي شيء آخر يخرج من المشاهد التمثيلية إلى الواقع المجنون بالقصص الغرامية، كم أشبه سندريلا وأنا أفكر في الذهاب إلى معرضه ونثر بعض كلمات ريمة أمامه وأهرب لأجده يبحث عني ليقيس كلماتها على ملامحي ويكتشف أنني سندريلا الافتراض التي عرفها يوما.." (134).

إنها لعبة أخرى غريبة؛ حيث وفي خضم عملية إدارة الانطباع وبقدر ممارسة حضورهما الطاغي في حيثيات الرواية، إلا أن البطلين يسجلان في نفس الوقت غيابا مستفزا بصفتهما كائنان اجتماعيان لا تتضح هويتهما إلا بعلاقتهما مع محيطهما الاجتماعي وسياقهما الثقافي من خلال حركاتهما وسلوكاتهما في تفاصيل الروتين اليومي. إنه حضور بطعم الغياب كما عبرت عنه الروائية حين تقول "لستُ متيقنة إلى اليوم إن كان هذا العالم الافتراضي يملؤنا صمتا أو يشبعنا ثرثرة" (ص15). حيث التباس ضجيج الحضور وصمت الغياب.

ربما السبب في ذلك هو عدم اعتماد الكاتبة على السرد التقليدي كأسلوب محوري تبني من خلالها تفاصيل الحكاية وتعويضه في كثير من الفقرات والصفحات بلغة جميلة –كما اشرت سابقا- تغترف من الفلسفة نظرتها التحليلية للحياة.



أخيرا؛

يمكن تصنيف الرواية ضمن الروايات الجديدة التي تساير الراهن ومستجداته، والتي تتمثل هذه المرة في الثورة التقنية التي أدت إلى هجرة جماعية نحو شبكات التواصل الاجتماعي بصفة عامة والفايسبوك بصفة خاصة. هذه المسايرة التي قد تبدو لوهلة مخاطرة غير محمودة العواقب، من جهة أن الروايات تقتضي هدوءا لا استعجالا في الاقتراب من مختلف المواضيع، وهي تستند الى نضج الفكرة التي تتأتى من طول المعاشرة واتساع الخبرة وعمق التأمل لبناء حياة منطقية متكاملة الأركان على ضفاف الحكي. وهو ما يصعب تحقيقه مع موضوع سريع التغير شكلا ومضمونا مثل الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وما يكتنفها من ثقافة الاستخدام وانعكاساته المختلفة.

لكن يبدو أن الروائية نجحت هنا في الرهان، وقدمت لوحة فنية جميلة وعميقة في نفس الوقت، وهي على ذلك، تستحق أكثر من (مقال سريع) لنقدها والحديث عنها، إنها مغرية لدرجة القيام بدراسة علمية كاملة حولها وحول ما طرحته من أفكار وتصورات.

 

تعليقات