مراجعة لكتاب البروفيسور نصر الدين لعياضي؛ الميديا : مسرات وخيبات

 

د. مريم ضربان:

فنيا

الكتاب من تصنيفات حجم كتب الجيب  pocket books  ، صادر عن دار الوطن الجزائرية ، أكتوبر 2018 ، مكون من 186 صفحة 

الانطباع كقارئة :

يتعاضد هذا الكتاب "الميديا : مسرات وخيبات " على أسلوب الأنسقة الفكرية للتخصصات في حقل الإعلام، فيبعث انطباعا أن باعا واسعا لمؤلفه في الشعر مرة وأخرى في اللسانيات، بعض من  التاريخ على شيء من الفلسفة / مجايل ، ترجمي ، ومتجاسر، يشبه كتب باومان زيجمونت التي يتشبع فيها الرجل بأورويل جورج،  وفيريليو الذي يعشق "هندساته الفلسفية"، ومقالات أومبرتو إيكو في جريدة الاتحاد، وهي النصوص التي يجد المرء فيها نفسه أمام نصوص مترابطة أشبه بنصوص ويكيبيديا ومحيلاتها الزرقاء "الممنهلة" الباعثة على شهية النقرة،  من مشارب متعددة ، تشي بعلاقة مؤلفيها بالنهم الموسوعي، بمقايسة الحاضر الاتصالي وما أفرزته التقانة من جديد في الحقل على الواقع المعيش ، كل ذلك بنكهة فكرية يشاغب فيها البروفيسور النفحات التي وصفها بما يحبه مهووس المكتبات والكتب ألبرتو منغويل" بـ"حديث النفس"، الذي يقفز عند قراءة فكرة ما تارة  نكتبها، وأخرى نهمشها على جوانب الصفحات ، نسطرها ونلونها لأنها هي أكثر ما اختطف العقل والبصر ، فالكتاب محسوب على فئة الكتب الفلسفية ، التأملية ، إعادة التوطين لحقل السياسية والتاريخ واللسانيات والكلانيات بقاعدة اتصالية.

عن الكتاب :

يحتوي الكتاب على 44 عنوانا شذريا، يستدعي فيها المؤلف فيلسوفا أو منظرا في الحقل ليبني فكرته على ما لاحظه علميا، فيقدم رأي التيار الذي يقف مع الفكرة وضدها، في مساحة وسطية تبتعد عن الغلو المحسوب على تيار "الانسنة الذي يحب التقانة وما أسهمت فيه من امتيازات على كل الصعد ،  كما لا يقف مع التيار الرافض لها بما قوضته من حياتنا ومعيشنا،  سنقدمها في شكل فكرة لكل عنوان

1-     أبو حيان التوحيدي والفيسبوك: يشتمل على العلاقة الغريبة لصداقاتنا التي كانت تتسم بالعشرة وطول الصبر إلى شكل من التجميع لمسمى صديق بغير دلالة، يحسب علينا ولا نحسب عليه، يصف فينا الواحد متبجحا أنه يحوز في قائمته 5000 "كائن افتراضي" لحظة الحاجة لا يجد واحدا، في وقت يقدم المؤلف أنصار التيار الآخر الذي يرى أن الفيسبوك قرب البعيد، وجعلنا نخوض مع هذه الفئة الافتراضية مواضيع عميقة من حياتنا.

2-     إنهم يحبون على الطريقة الفايسبوكية : في هذا النص يطارح المؤلف اختزال ألسنتا إلى ايموجي I like ، نشحن مشاعرنا في زر أو رمز،  نعجب في وقت أننا نحزن ونثمّن ونهوى ونحب ونتعاطف ونقدر فقط بنقرة مكررة  I like، وكأنه سوق لتسويق مشاعرنا دونما التزام.

3-     الأشياء الذكية التي تعطل التفكير و 4 إننا السباقون : نصان يتقاربان في فكرة الغباء المورث للكسل، في انترنت الأشياء، إذ صيرتنا التقانة إلى آلات أو تم تأليلنا وأتمتتنا في أكلنا ورياضتنا ومراقتبنا السائلة ، إلى عقلنة من الرعب التقاني تحت إكراهات الوقت والزمان بعدما كنا نحسب أننا تحررنا منها ، فلا مكان للسر ونحن نعيش استبداد الشفافية.

5- لا تصدقهم يا عم بيل : "نص رائع " يصف حالة غراهام بيل الذي اخترع الهاتف لإنسانية ودية، مقدمة كعربون حب لوالدته التي فقدت سمعها وزوجته الصماء، إلى زمن الهاتف الذي قبر الحب، وحلت السبابة فيه محل الشفاه، والوحدة محل الجمعية فنحن نتحدث كل صباح مع التطبيقات والانترنت ونفقد "إنسانيتنا" عبرها.

6- نرجسية أو احتفاء بالحياة: الشخصورة أو السيلفي، عضال نرجسي أدخل ذواتنا في حالة من العدمية، في توصيف لخوائنا الذاتي الذي نحاول تعويضه في جامات معدودات على صورنا المتاحة للكل ما تلبث " أن تنسى كأنك لم تكن" على قولة محمود دوريش.

7- تكنولوجيا الاتصال بين الصدمة والذعر الأخلاقي: يقدم فيه المؤلف توصيف الذعر التكنولوجي كحالة تصيب المجتمعات بموجب ظهور اختراع تكنولوجي جديد، حيث يخضع الذعر لتحول علاقتنا بالزمن، الفضاء أو المكان والآخرين، على أن هذا الذعر يمس الصفوة المفكرة من المجتمع أما تراتبية "العامة" فمرتاحة من امتيازات التقانة، غير أن الذعر التكنولوجي توصيف للقوى السياسية التي تقاوم كل تغيير سرعان ما تعالق بالأخلاق، وهي المفارقة فالذعر حالة ظرفية جماعية والأخلاق قواعد عقلانية راسخة، وقد صيرت الفردانية هذا الذعر إلى نمط للراحة، فالأم اليوم تسكت أطفالها بالهاتف ولعبه.

8-هل نترك الحق في النسيان للنسيان؟: لا شيء غير أن حياتنا المهنية وطموحات واقعنا قد يفسدها غوغل الذي يتعامل معنا كمستند إحصائي لزلاتنا، والفايسبوك ببعض منشوراتنا، فمن حقنا أن ننسى من الدماغ السيبراني كحق عفو لضمان سلامتنا مع وبعيدا عن هذا الفضاء أن نتجرد من التخزين.


تعليقات