محمد شوقي الزين يكتب: زمانية الحداثة ومكانية ما بعد الحداثة

محمد شوقي الزين

اكتست ثنائية الحداثة وما بعد الحداثة نوعاً من التوتُّر وأحياناً التَّضاد، مع الراجح أن التكامُل هو الواجب أخذه بعين الاعتبار. تساعدنا في ذلك ثنائية الزمان والمكان، حيث لا يمكن الفصل بينهما فيزيائياً ولا فلسفياً. إذا اتَّفقنا على ربط الحداثة بالزمان وما بعد الحداثة بالمكان، ما هي المشكلات النظرية الممكن الوقوف عندها وما هي الدلالات الممكن استخلاصها؟ هل ما بعد الحداثة هي امتداد للحداثة أم قطيعة في التصوُّر والإدراك والسلوك؟ 

1

ترتبط الحداثة بالزمن، تاريخياً وفلسفياً، 1. تاريخياً، لأنها المرحلة التي تتحدَّد في الفترة بين النهضة وعصر الأنوار بالانقطاع عن نمط التفكير والسلوك القديم، أي بمجاوزة التقاليد الموروثة؛ 2. فلسفياً، لأنها المرحلة التي تتميَّز بالتحوُّل على مستوى الوعي بتبنّي رؤية جديدة في العالم. يمكن القول، بناءً على الجذر اللغوي وعلى المستوى الفكري، أن «الحداثة» هي «الحديث» الذي ينفصل عن «القديم». هذا أبسط تعريف يمكن تقديمه للحداثة. الحديث الذي ينبري من الحداثة هو «الجديد» الذي يتميَّز بالفرادة (فريد في نوعه) والاستثناء (يختلف عمَّا سبقه). الحداثة هي المختلف عن السابق تاريخياً، وهي عُنصر الاختلاف فلسفياً. في كل مرَّة نتكلَّم فيها عن الحداثة، فإننا في صُلب الاختلاف؛ وفي كل مرَّة نتكلَّم فيها عن الاختلاف، فإننا في عُمق الحداثة. لأن الحداثة تُدشّن عصراً جديداً ومختلفاً عن التقاليد التي ميَّزت العصور السابقة. إنها المتحرّك الذي يهزُّ الثابت، إذا اتَّفقنا على القول بأن كل جديد هو بالضرورة متحرّك ومتحرّر من أنظمة التصوُّر والسلوك العريقة، وبأن هذه الأنظمة العريقة هي ثابتة أو راسخة بالموازنة مع أنظمة الحداثة الجديدة والمتجدّدة.
أين يتجلَّى انفصال الحداثة عن القدامة؟ أو بتعبير آخر، ما هي السمات التي تجعل الحداثة زمناً جديداً ومتجدّداً، يختلف في شكله وفي مضمونه عن الأزمنة القديمة التي يسعى لمجاوزتها؟ يمكن الوقوف عند ثلاثة مبادئ خاصة بالحداثة، إحداها تاريخية والأخرى فلسفية. أما المبدأ التاريخي الذي يُميّز الحداثة فهو التقدُّم، لأن من شأن هذا الأخير أن يدفع بعجلة البشرية نحو الأمام، نحو غائية هي في مستوى طموحات هذه البشرية. هذا على الأقل ما كان يؤمن به روَّاد الحداثة في القرن الثامن عشر، عندما كان التقدُّم عنوان التفاؤل، بأن تسير البشرية من الشروط السيّئة للمعيش إلى الشروط الحسنة عبر اختراع أدوات تساعد الإنسان في أداء مهام شاقَّة، وعبر اكتشاف أدوية تقضي على الأمراض الفتَّاكة. أن ينحو البشر صوب عالمٍ أفضل، كان هذا رهان فلسفات التاريخ والحضارة مع إيمانويل كانط وفيكو مثلاً. الغرض هو أن يكتمل الإنسان في قواه وملكاته المعرفية ليكتمل في وظائفه العملية وفي وجوده بالذات. 

2

المبدأ الثاني هو فلسفي ويخص الحريَّة. كان هذا الشرط غائباً في الأزمنة العريقة التي تقوم على التقاليد الثابتة والراسخة وتستحكم فيها صورة الأب والراعي. الحريَّة هي بالتعريف حركة، والحركة تنمو في أزمنة تؤمن بالحديث، لأنها في اختبار دائم لطرائق جديدة ولأنظمة متجدّدة في التصوُّر والسلوك. قامت الحداثة على التحرُّر من سلطة التقاليد الموروثة. هذا ما نستشفُّه في الفقرات الأولى من رسالة «ما هي الأنوار؟» لإيمانويل كانط، حيث أن الشرط الأساس للاستعمال الوجيه للعقل هو أن يتحرَّر من الوصاية الموروثة في شكل سُلطات تقليدية تمنعه من التقدُّم ومن التساؤل باللجوء إلى النقد ومراجعة البديهيات التي تقوم عليها هذه السلطات التقليدية. تحرُّر العقل من هذه التقاليد هو مزدوج: 1. تحرُّر من العوائق البرَّانية في شكل وصايات وتقاليد موروثة؛ و2. تحرُّر من المعوّقات الداخلية، كامنة في العقل نفسه، ويذكر كانط الكسل والجُبن والتقليد. التحرُّر من القيود الخارجية والداخلية هو شرط أساس لبلوغ ما يسمّيه كانط الرشد العقلي، أي استعمال العقل بوجاهة وسداد، ومغادرة حالة القصور التي تجعلها التقاليد الموروثة ممكنة، بحكم الأبوية والوصاية.
المبدأ الفلسفي الثالث هو إذن العقل، الذي يرتبط بالمبدأين الآخرين، من حيث أن التقدُّم مرهون باستعمال العقل في استخلاص قوانين الطبيعة وتنظيم التجربة الحسيَّة، ومن حيث أن الحريَّة هي الاستعمال السديد للعقل لمجاوزة الإكراهات المتنوّعة، تلك الكامنة في العقل، وتلك النابعة من التقاليد الموروثة والتي لا تزال راسخة في الأذهان والسلوكيات. يُنظّم العقل التجربة ويُنتج المعرفة. فهو ليس مجرَّد ملكة في الحساب والتخطيط كما تنمُّ عنه الكلمة اللاتينية (ratio) التي انحدرت عنها كلمة «العقل» (reason)، بل أيضاً القُدرة على التقدير والتقييم، أي «الحُكم» (judgment) بالتمييز بين الصحة والخطأ معرفياً وبين الحق والباطل قيمياً وبين الخير والشر أخلاقياً، إلخ. عندما وضع ديكارت عنواناً فرعياً على كتابه الشهير «مقالة في المنهج»، فهو كان يُدرك أهميَّة الحُكم في التمييز، والتمييز هو سمة الحداثة الناشئة في عصره والمكتملة في عصر الأنوار: «أحكام قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم». يكمن الغرض في البحث عن الحقيقة (truth) في العلوم الرياضية والطبيعية. كان هذا الإعلان كافياً لأن يأخذ العقل بزمام تقدُّمه وتحرُّره، ليصبح في عصر الحداثة والأنوار المعيار والمحك (criterium)، أي أبو الحُكم والنقد. 

3

لا تكتفي الحداثة بأن تجعل من العقل الدليل أو المرشد نحو التقدُّم وإرساء معالم الحرية، لكن أن تجعل منه معياراً في السؤال المعرفي والمساءلة الأخلاقية؛ ليس فقط بالموازنة مع أشياء العالم الخارجي أو ما يُسمَّى «الموضوع»، بل أيضاً بالموازنة مع العقل نفسه أو ما يُسمَّى «الذات»، في امتحان قدراته والوعي بحدوده. يكون ذلك بغربلة الموضوعات التي يُدركها حسيًّا، وغربلة الأحكام التي يُشكّلها عن هذه الموضوعات، بعزل ما لا يلائم التجربة ولا يتوافق مع الحسّ السليم (common sense). إذا كانت كل هذه الأحلام السَّعيدة (التقدُّم، الحريَّة، العقل) قد حادت عن جادَّة الصَّواب، بأن ازدادت تعاسة البشرية مع الحروب العالمية، وانحسر نطاق الحريَّة، وتراجع العقل بانفجار العواطف والانفعالات، هل ما بعد الحداثة هي تصحيح وعلاج لهذه الحداثة المعطوبة؟ إذا كانت الحداثة في أسّها وأساسها «زمانية» التركيبة، كيف أن ما بعد الحداثة هي «مكانية» البنية والصيغة؟ هل هي قطيعة مع الحداثة أم إعادة الاشتغال عليها، كالذي يُنظّم الأثاث القديم في البناية الجديدة؟ 
يقول أنطوني غيدنز (Anthony Giddens) في كتابة العُمدة «نتائج الحداثة»: «إلى ماذا تحيل ما بعد الحداثة؟ تدل هذه المفردة من بين ما تعنيه على وعينا بألا شيء يمكن معرفته بيقين، لأن كل "الأسس" الابستمولوجية الموجودة سلفاً قد برهنت على هشاشتها، وأن التاريخ يخلو من غائية ولا يمكن من ثمَّ الدفاع عن "التقدُّم" بشكل مقبول، وأن نظاماً جديداً في الاجتماع والسياسة قد برز مع التنامي الهام للمخاوف الإيكولوجية وربما على العموم حركات اجتماعية جديدة». يُقدّم هذا التعريف لعالم الاجتماع البريطاني الشهير عُصارة ما يُقصد بما بعد الحداثة، التي هي مجاوزة للأسس التي قامت عليها الحداثة وعلى رأسها فكرة التقدُّم بخلوّ التاريخ من غائية يصل إليها. ثم ماذا بعد ذلك؟ ما هي الخصائص التي تتميَّز بها ما بعد الحداثة؟ وإن كان يذهب البريطاني غيدنز عكس الألماني هابرماس الذي يُؤمن في الطابع غير المكتمل للحداثة، فإن من الأولى الحديث عن «تصحيح» في مسار الحداثة، وليس عن قطيعة جذرية. 

4

إذا كانت فكرة التقدُّم قد فقدت من بريقها، لأن التفاؤل الذي غذَّى عصر الأنوار السياسي والأخلاقي (القرن الثامن عشر)، وعصر التصنيع والنمو الاقتصادي (القرن التاسع عشر)، أعقبه التشاؤم الذي حل بالقرن العشرين من جرَّاء حربين عالميتين مدمّرتين، فإن العقل والحرية واصلا مقاومتهما الشرسة ضدَّ كل أشكال السقوط والانهيار. واصل العقل تصحيح مبادئه مع مدرسة فرانكفورت، وواصلت الحريَّة العناية بكينونتها مع الوجودية، إبَّان الفترات الحالكة للأنظمة الاستبدادية (الفاشية، النازية، الستالينية) أو بعدها. ظهرت ما بعد الحداثة بوصفها عصر الارتياب وعصر ما بعد السرديات الكبرى أو عصر ما بعد الأيديولوجيات. إنها إعادة تحريك وزعزعة ما ترسَّخ في الحداثة أو مال نحو التصلُّب والجمود. ما بعد الحداثة هي «حداثة بعدية»، حتى عند أولئك الذين يرفضون قطيعة جذرية بين الحداثة وما بعد الحداثة على غرار إيهاب حسن. مفاد ذلك أن الإزاحة التي حصلت هي الانتقال من التصوُّر الزماني إلى التصوُّر المكاني، بأن ننتقل من فكرة التقدُّم إلى فكرة البيئة أو الأيكولوجيا (ecology).
ننتقل كذلك من مركزية الإنسان التي هيمنت في خطاب الحداثة منذ القرن الثامن عشر إلى هامشيته، بأن الخطاب هو الذي يتكلَّم في الإنسان (رولان بارت، ميشال فوكو) وأن بنيات لاشعورية تُنظّم مساحة واسعة من مشاريعه وتصوُّراته وتعيُّناته الاجتماعية (فرويد، ماركس، نيتشه). ننتقل أيضاً من الجدران العازلة بين الحقول المعرفية والتخصُّصات إلى إمكانية التلاقي والتلاقح، بإعادة إدماج الأدبي في الفلسفي والبلاغي في البرهاني والفنّي في المنطقي. إنه عصر إعادة تنظيم المساحات والمواقع، أي عصر «الفضاء الهندسي». نستشفُّ ذلك في الأولوية التي تعطيها ما بعد الحداثة للتبعثر والتشظّي (الفن مثلاً) بإعادة تركيبه في صيغ أخرى تنمُّ عن إبداع أصيل (innovation)، وليس مجرَّد محاكاة كما كان شائعاً في نظريات الفن إلى غاية القرن العشرين.

5

كذلك جاءت موجات ما بعد البنيوية والتفكيكية والبراغماتية الجديدة لأن تعيد النظر في مفاهيم الذات والأنا والعقل الخاصة بالحداثة بنقلها من المنغلق النفساني إلى المنفتح الأنطولوجي، من الدائرة المغلقة للنفس إلى الفضاء المتعيّن للجسد. نحن بالفعل في بارادايم (paradigm) المكان: موقع الإنسان بالموازنة مع أشياء العالم، وليس بُعده الجوَّاني أو الباطني؛ رؤيته الواقعية للعالم وطريقة تنظيمه لهذا العالم وليس حدسه المباشر. توكيد الفلاسفة المعاصرين على المكان في تنظيم التجربة البشرية هو خير دليل على دخول الحداثة البعدية في منطق جديد. يتراءى ذلك عند جيل دولوز مثلاً (مواقعية أو طوبولوجيا المفهوم، خرائط المحايثة، الجغرافيا الفلسفية، إلخ) أو أيضاً عند بول فيريليو (Paul Virilio) الذي جعل من السُّرعة بارادايم القرن الواحد والعشرين ومن التَّسارع السمة الجديدة للبشرية: سُرعة تناول المعلومات والمبادلات المالية، السرعة الأثيرية عبر الأنترنت والتكنولوجيات الحديثة، السرعة في التنقُّل عبر وسائل النقل المتطوّرة، إلخ.

نُشر المقال في  في العدد  77، أبريل 2019، من مجلة "الإمارات الثقافية". 

تعليقات