في مرحلة التمعقل، هل تتجه الأمور إلى رفع الرايات بدل المنطق التشاركي؟ وهل نسير إلى تعجيل الصراع أم مجرد هزات لتحويل مسار القطار ؟


د. نورالدين لبجيري

تحدثت في منشورات سابقة عن اجتياز الحراك المرحلة الدافعة بتدرجاتها الثلاثة وهي: تدرج المنطلق، وتدرج الصقل وتدرج التمدد، ودخوله إلى مرحلة التمعقل، ووصفتها بأنها المرحلة التي يبدأ فيها أطراف الجسم (جسم الحراك) تقديم التصورات النظرية لكيفية تصحيح الوضع (الوضع هو الواقع غير السوي) وفق ما يحملونه من تصورات نظرية مستمدة من المثل العليا لكل اتجاه، ووصفتها بأنها المرحلة التي يَعْبر عبرها العمل التغييري من المرحلة الدافعة إلى مرحلة البناء، وذكرت أن اتجاهات أطراف الحراك قد اتخذت أسلوب الصمت في التعبير عن تفاصيل التغيير، حيث حاول الجميع إخفاء أو تجاهل ما يتعلق بتوصيف منظوره لهذا التغيير، الأمر الذي سمح للمخيال الفردي والجمعي (نقصد بالمخيال هنا ما يحمله أفراد المجتمع وفئاته من نماذج تطبيقية تتعلق بتجسيد المثل العليا في واقعنا الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي) من أن يظهر تصوراته لهذا التغيير.
وبالنظر إلى الواقع الذي جُرَّ إليه أغلب أفراد الحراك، من دفعهم إلى اعتماد خيار الاصطفاف الأيديولوجي، وابتعادهم عن إنتاج أفكار البديل التغييري، فإن الدخول في هذه المرحلة (مرحلة التمعقل) قد سار بعيدا عن التفكير الاستراتيجي السليم، حيث تم فيه الانكفاف على فكرة السلمية وترك إنتاج أفكار التغيير التي قد تدفع إلى القطيعة مع المنظومة البائدة، قابله استحضار الترسبات السابقة في عالم أفكار النخب التي تشكلت عبر المحطات السابقة، واستحضرت منها إرادة الاقصاء وتنفيذ خطط الثأر القديمة.
وبالتالي سيعرف جسم الحراك تجاذبات تآكلية، قد تسفر عن هزات تساقطية وتغيير للمواقع، واتجاه البعض إلى الانكفاف الذاتي...
بسبب استعجال البعض الصراع الذي كان متوقعا أن يكون في مرحلة البناء ووفق الشكل المتحضر له-أي صراع المشاريع والأفكار- لكنه الآن (الصراع) يسير في اتجاه الأسلوب الثاني وهو التناطح.

ويبدو في المقابل أن منطق الخوف هو السائد الآن، فالصراع على مستوى المؤسستين اللتين تحكمان الجزائر يؤشر إلى حصول تناطح بين طلائع عالم الأشخاص الذين يحوزون القوة المادية والمعنوية، رغم أننا مازلنا لا نعرف ماذا وقع بالضبط بين يوم الأربعاء 27/03/2019إلى السبت 30/03/2019؛ هل كان هناك سيناريو آخر تم التحضير له من طرف الجناح الأكثر خطرا في المنظومة البائدة، ثم أجهض؟ أم أن الأمر هو صراع على منصب قيادة المؤسسة العسكرية؟ 
قد يتكشف الأمر في قابل الأيام، لكن المؤشرات تؤكد أن الخطة التي وضعت من طرف جناح الرئاسة والمتمثلة في مرحلة انتقالية وندوة وطنية ستعوض بخطة الانتقال الدستوري (على الأرجح: استقالة + انتخابات في 90 يوم). 
أما على مستوى النضال والذي تطور الآن إلى نضال بالرايات والذي لم نكن نتمناه الآن في ظل عدم إقرار نقاط التشارك، فإننا نتوقع احتدام الصراع في الجوانب الآتية: 
- جانب استمالة الطاقة الشبابية التي غيّبت في الفعل الاجتماعي السابق.
- جانب استمالة عالم أشخاص المنظومة العسكرية.
- جانب مواصلة التصحيح الشكلي على مستوى أطراف المنظومة التي نشأت في المراحل السابقة، من خلال استخدام أسلوب التعديل الداخلي، انطلاقا من بؤر التوتر الداخلي لكل منظمة أو جمعية... (الأحزاب، النقابات، الجمعيات، المنظمات، القوى الإعلامية..).
- جانب البديل الفكري والمذهبي واليديولوجي.

ما العمل الناجح؟
نأمل في سعي الجميع لتفادي الصراع الآن، وانتظار الوصول إلى وضع نقاط التشارك حتى يكون الصراع تدافعا فكريا حضاريا على غرار ما هو حاصل في الأمم المتقدمة، ولذلك أقترح العمل على المحاور الآتية:
- العمل على استحضار سنن التأييد الرباني( الدعاء...)، أوجه هذا الكلام للمؤمنين (فعل الله في الواقع الاجتماعي).
- نقاء الفكرة وأخلقتها هو صمام الأمان للانتقال إلى مرحلة البناء بدون زلازل.
- نشر الوعي الهادف (الاستراتيجي، البعيد)، فقد أدرك الجميع أن أفكار الانتقام والإقصاء هي قنابل غير ذكية تسقط على الجميع.
- المعادلة السليمة هي: التمركز باتجاه تحقيق الهدف الاستراتيجي، وجعل وظيفة النشاط على الأطراف. 
- لا لكثافة الضغط على المركز (لا لجذب الحراك إلى جهة)، نعم لتوظيف الأطراف.
- لا لتغييب الهدف الاستراتيجي، نعم للتمركز حوله.

بالنسبة للحكومة المشكلة:
أنظر إليها كما أنظر إلى الوسائل، واعتبر أن الرجال الفعليين الآن هم الذين ينبغي أن نتتبعهم ونحاول التعرف عليهم وعلى أفكارهم، وخاصة الذين استطاعوا فرض خطتهم.
وعليه فالمعادلة الآن متصلة بـ:
- النوايا الصادقة للرجال الفعليين المؤثرين في المشهد العام.
- قدرة الجميع على عزل نشاط القوى الخارجية، وجعل القضية جزائرية خالصة.
- قدرة الحراك أو أطرافه (إذا استمر الأمر في رفع الرايات) على مواصلة النضال والتضحية في سبيل التغيير. 
أما بالنسبة لرجال الحكومة فهم لا يعدون أن يكونوا من رجال دورة الاستهلاك، الذين سينتهون بمجرد انتهاء صلاحية المادة المستهلكة.
لكن إذا كانت النوايا سيئة، وأتبعها الأمر بالتراجع والفتور، فسيظهر من هؤلاء الرجال أصنام المرحلة اللاحقة لا قدر الله، رغم أننا نستبعد ذلك.

وعلينا أن نستحضر أن للفكرة (مثل فكرة التغيير الجوهري) وسط حياة تنشأ فيه وتتلاقح لتنشئ أفكارا جديدة، فإذا كان هذا الوسط لم يتهيأ بعد فعلينا اتخاذ القواعد والإجراءات المناسبة لذلك، خاصة وأن ترسبات الأفكار السابقة وارتكاز التمخيل (منظوراتنا للتغيير) حول عالم الأشياء (التحسن المادي فقط) سيؤثر بقوة على الوسط الذي تنبت فيه الفكرة، وعليه فإن استعجال الانتقال إلى مرحلة البناء قد تكون له تبعاته المتعلقة بضعف حصول التغيير.

تعليقات