في النقد الذاتي: من أجل المتابعة والتقويم للمسار التغييري

د. نورالدين لبجيري

مقدمة

عانينا الويلات من غياب الحرية، إذ لم يعد الصمت ''فعل'' أمام الحالة الاجتماعية الراهنة، وفي هذا السياق يأتي تقديم هذه الرؤية.
فقد استجدت قضايا مهمة داخل الحراك وداخل جسم الأمة استرعت الوقوف عندها وتدارسها على مستوى الأفكار ، في جو من التعالي عن النوازع الذاتية، والتغاضي عن المخاوف السالكة خلف البهرج، بغرض تقديم رؤية اجتهادية تستند لتجارب سابقة، وتستفيد من الخبرة العلمية النظرية. 
ولقد انصبت زوايا رؤيتي في ميدان الأفكار، من منطق قناعات وتخصصي، فلا أريد أن أصفق بيدي، بل بأفكاري من خلال مناقشة ما يتصل بالمرحلة التي تشهد تجاذبات ناعمة تعمل على تقويم المسار .

أولا: في عمق الأزمة- الانفصال بين العالم الثقافي والعالم السياسي في الأمة إلى متى؟:

لم تتولد حركة التدافع من فراغ، كما أنها حلقة في سلسلة مضت، وستكون حلقة في هذه السلسلة الممتدة زمانيا إلى المستقبل، شئنا أم أبينا، فالتدافع قائم إلى قيام الساعة، ولكل جولة من جولات التدافع فوائد وهنات. 
يحاول البعض ربط خيوط الحراك الجزائري فيمدون جذوره إلى: بداية العهدة الرابعة، أو بداية العهدة الأولى، أو إلى إلغاء المسار الانتخابي والانقلاب العسكري، أو إلى وفاة هواري بومدين، أو إلى الانقلاب على بن بله، أو إلى مؤتمر طرابلس أو الصومام ...وتبقى السلسلة تمتد....، وفي الحقيقة عندما نتبصر الأحداث التاريخية المتصلة بالوقائع الاجتماعية والسياسية في العالم الإسلامي والمجتمعات الاسلامية المنبثة بين حواضره، نجد أن التدافع حركة سننية لها شروطها ودوافع حصولها، لكنها سلسلة ممتدة، تربطها حلقات غير متجانسة في التصور النظري، لكن في أحايين كثيرة نجدها متواصلة، وتحمل الأبعاد الروحية نفسها، المتصلة طبعا بتفاعل العوالم المشكلة للفعل الاجتماعي (الافكار، الأشخاص، الأشياء) وفي هذا التصور يمكن رؤية الحراك الشعبي الحاصل الآن في الجزائر، طبعا تَشكُّله كجسم متميز له كيانه الاجتماعي ومنطقه الفاعل، كان له لحظة ميلاد حقيقية، وجذوره ممتدة ومتصلة بحركات التدافع السابقة، وهي كلها حركات تسعى للتغيير على سلم قيم معينة، ارتفعت قواها في محطات وانخفضت في أخرى، استخدمت وسائل عنيفة في محطات وأخرى سلمية، تلونت في محطات باتجاهات سياسية أو مذهبية، فيما تركت التلون في محطات أخرى كهذه المحطة، ساد فيها المنطق الفئوي والتجزيئي في محطات وارتفع إلى مستويات أعلى منه في محطات...الخ.
ولذلك علينا أن لا نخلط بين حركة تدافع تم بناء جسمها بشكل جديد وحركات أخرى تختلف عنها في هذا التشكل وهذا البناء، سواء اتفقت مع الجسم الجديد في تبني الطروحات نفسها، أو اختلفت، ومن هذا المنطلق يمكن القول أن لحظة ميلاد الحراك التغييري الجديد كانت عندما أخرج أفراد من المجتمع الفكرة الأولى '' لا للعهدة الخامسة'' ولقد كان لهذه الفكرة، التي تحمل منظورا بسيطا على المستوى النظري، بعدها الفاعل في الحركة التغييرية، لأنها تجسدت بثقل وهاج في مخيلة الشعب، إذ أن حضور هذه الفكرة في الواقع الجزائري في تلك المرحلة قد أعطاها بعدها الحقيقي في مخيلة الأفراد، التي استحضرت فيها أبعادا عقدية وسياسية وأخلاقية واجتماعية شاحنة لكل ما هو سلبي ومعوق لتحضر الشعب الجزائري، فقد شكلت هذه الفكرة دلالات متعددة، منها: لا لتأليه البشر، لا للطغيان، لا للفساد، لا للطبقية، لا للاستحواذ على مقدرات البلاد، لا لإلحاق الجزائر بالخارج، لا للرداءة وسوء التسيير....الخ، لقد اختزلت الفكرة الأولى ''لا للعهدة الخامسة'' محاربة منظومة عاتية تحوز إمكانات ضخمة في عالم الأشياء وعالم الأشخاص وعالم الفعل الاجتماعي (مؤسسات وهيئات) ..........، ولذلك تلاحقت الشعارات الأخرى المندمجة في الفكرة الأولى : ترحلوا قاع، تغيير المنظومة، يرحل المفسدون جميعا....الخ.
ويمكن القول أن فئات عديدة كانت تنتظر لحظة الميلاد، لكن الارتفاع إلى إدراك مستوى حضور اللحظة في الواقع الاجتماعي كان محل اختلاف، ولذلك اتخذ منظور أفراد المجتمع الذين يحوزون القابلية للتناغم مع فكرة الحراك ثلاثة مواقف:
- موقف المؤمن بالقدرة الداخلية وبوصول الجسم إلى لحظة نقر البيضة ليخرج، وهو ما تجسد في انخراط هاته الفئة مع الحراك منذ اللحظة الأولى. 
- موقف المشكك في قدرة أفراد المجتمع على السير في حركة التغيير الآن(نقص في إدراك الواقع الاجتماعي).
- موقف الخائف (الجبن المتأصّل) والمُعَظِّم لإمكانات المنظومة البائدة المتجذرة عالميا. إذ إن فئات هذا الاتجاه ما زالت تتوجس لحد الآن من عودة المنظومة البائدة، ولذلك ترى تعليقاتها على الأحداث في اتجاه التحذير من الآخر ، وسيستمرون في هذا المسار حتى يرون الجثة، وقد لحقها الشخير الأبدي، فتسكن أنفسهم.

أما الذين عارضوا الفكرة الأولى فهم فريقان:
- فريق المنظومة البائدة.
- فِرَق القراءة الحرفية.
فأما فريق المنظومة البائدة فقد كان يدافع عن منظومته. 
وأما الفِرق الأخرى فقد احتاجت: 
1- لوقت وزمن ''زمن القدرة على استيعاب الوضع'' لاستيعاب الفكرة وتبنيها على دخن في عالم أشخاص هذه الفئة.
2- لوقت مراجعة الأطر المذهبية بالنسبة للفئات المتشكلة مذهبيا وأيديولوجيا وفئويا وعرقيا ....
ولذلك تأخر العديد من عالم الأشخاص في استيعاب مكانة الحراك كآلية دولابية تستصحب المجتمع نحو وضع جديد، وقد تنشء منه وضعا مغايرا تماما على قدر حضور فكرة التغيير في عالمه الجديد.
وهذا هو الذي بات يفرق بين المؤرخ/العالم/المفكر/الباحث...، الذي كان ينتقد غيره في الحادث الاجتماعي ويحسن الصفع على أفكار ومواقف الآخرين مستحضرا وضعا اجتماعيا وثقافيا مغايرا، لكنه حين يتجدد الموقف في واقعه يفقد البوصلة الدالة.
وعليه يمكن القول أن لحظة الميلاد هي لحظة تحطم الوثن (المنظومة) في عالم أفكار نخبة التغيير ورجاله 
هذا الوثن الذي هو منظومة تحكمت في العوالم الثلاثة للمجتمع الجزائري: عالم الأفكار التي شكلت الروابط الاجتماعية لأفراد المجتمع الجزائري، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء، التي يزخر بها البلد.
ولقد تجسد هذا الوثن في رموزه الكبار: وهم الحاكم وحاشيته ووزرائه وفروعهم وجذوعهم، والقاعدة التنفيذية لقراراتهم وأوامرهم ونوازعهم وشهواتهم ونواياهم، ونحن إذ نستشعر تجذر هذا الوثن، نتذكر فعلا كيف أن منظومة الفعل الاجتماعي قد بنيت على مقتضيات هذا الوثن؛ سواء في الحضور الاجتماعي أو المهني أو النفسي (تقديم الأشخاص في الفعل الاجتماعي كان بناءً على تزكية هذه المنظومة، تقديم الأفكار في العالم الثقافي كان بناءً على تزكية هذه المنظومة، الاستفادة من الإمكان العام الذي هو في الأصل ملك للشعب لم يكن مسموحا إلا للفئة التي تحوز رضى المنظومة )، ولاستكمال تجسيد المنظومة في الحيز المشاهد، فقد تم بناء تجسيدات شهودية لهذه المنظومة، وبنيت لها طقوسها المرضية، بطريقة نكاد نجزم بحضور إبليس نفسه في رصدها، (إحضار الكادر وممارسة الطقوس الوثنية)، والوصول إلى استثارة الأشواق الإيمانية وتفريع الشحنات الروحية في عالم الروحانيات المبهم الأصم، فقد غاب فيها العقل، وطمست البصيرة، ونزلت النفس إلى الدنس.
ولقد استغربت صمت الطوائف التي نشأت على محاربة الطقوس الوثنية، ويبدو أن إدراك الفعل الوثني خارج ما ذكره الأسلاف لم يكن له محل من الشعور أو الاستبصار، لذلك فقد بقيت أشكال الوثنية لدى هذه الفئة فيما ذُكِر في الوضع التاريخي، رغم أن الشكل الحديث لا يبتعد كثيرا عن الطقوس الوثنية الأخرى إلا في اختلاف المعبود ومنطق تجسيده، ولوكنا في القراءة متبصرين لاستحضرنا الشكل من الأقوام التي سبقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم، مثل فرعون، ونمرود. 
التصور النظري للأزمة قراءة في عمقها المتجذر
أزمة انفصال بين العالم السياسي والعالم الثقافي
وقد استعملت مصطلح الثقافي والثقافة بمفهومه الواسع، وقد تعمدت عدم توظيف مصطلحات أخرى، مثل: العلم (السياسي / العلمي) والفقه (الساسة/ الفقهاء) و (أولو الأمر/ العلماء)الشرعي .... لدلالة السابق عليها ولإخراجها إلى الحيز الواقعي، حتى تنبت الفكرة بدون عوائق. 
يشكل الانفصال الحاصل بين القطاعين الأساسيين السابقين في تسيير الشأن العام الجزائري وتنظيم الواقع الاجتماعي بالخطير، وفي نظري أنه أحد الأسباب الرئيسية لوصول الجزائر إلى وضع الاختلال، بسبب:
1- تمظهره في مفصل أساسي من مفاصل تسيير الشأن العام، فقد تم فصل الوسط الأكاديمي عن الإدارة الجزائرية: بدءً من رؤساء الدوائر إلى الولاة إلى الهيئة الوزارية، ولقد لاحظ العديد من الباحثين هذا الانفصال مجسدا على سبيل المثال في الغياب الكلي لتوظيف نتائج بحوث الطلبة والباحثين في إصلاح المرفق العام وتسييره ووضع المخططات في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقانون...
2- استئثار وزارة الداخلية بتكوين الهيئات المسيرة للدوائر والولايات وغيرها من الهيئات الادارية، حتى بات منصب الوزير الأول حكرا على إطارات المدرسة العليا للإدارة، والنقد ليس مبنيا على قوة حضور هذه الفئة في دواليب الحكم، وإنما في طبيعة التكوين الذي تخضع له هذه الفئة، وهو تكوين شبه خالي من البعد القيمي والخلقي، مما مكن هذه الفئة من الارتكاز على تقاليد الغش والتزوير والمحسوبية والموالاة كأدوات تسيير أساسية، بدل المسؤولية والمصلحة العامة والعدالة والكفاءة، وقد رأينا كيف وظفت و لازالت منظومة الحكم البائد هذه الآلة في التزوير وخلق العوائق الإدارية لكل مشاركة نوعية تهدف للإصلاح الوضع وترقيته.
3- تحوُّل السياسة والحكم من مسؤولية ثقيلة وواجب ذو طبيعة قانونية وخلقية (عقد اجتماعي) إلى مهنة ومنظومة توزيع للثروة، نتيجة الانفصال بين العالم الثقافي والعالم السياسي، هذا الأخير الذي غيب الأفكار الأصيلة في تسيير الواقع الاجتماعي، وفتح المجال للأفكار القاتلة والميتة من بلورة سلوكنا الاجتماعي وتفاعلاتنا معه.
4- استنجاد الطبقة السياسية بالطبقة المترفة المنغمسة في الفسق الاجتماعي للاستثمار في ملء الفراغ القاتل الناتج عن غياب الطبقة المثقفة، والاستقواء بها على ربط الشعب بالطبقة السياسية.
يقول مالك بن نبي: "هناك علاقة جدلية بين الأفكار والأحداث الاجتماعية والسياسية في كافة مراحل التاريخ" مالك بن نبي (من أجل التغيير، دار الفكر دمشق، ط4، 2005، ص 13.)

الحراك وضرورة تجاوز الانفصال بين السياسي والثقافي

نبدي تخوفنا من عدم قدرة الحراك على تجاوز معادلة الانفصال هاته، وندعو إلى التفكير في تصحيحها، بدءً بالتحضير لهذا التصحيح عبر رفع شعارات قوية ضد هذا الانفصال وتبعاته، سواء بالإشارة إلى الولاة ورؤساء الدوائر وعلاقتهم الوطيدة بترسيخ منظومة الحكم البائد، أو بالإشارة إلى الحلول التي ينبغي اقتراحها لتغيير الوضعية، سواء في اختيار الولاة أو الوزراء.
ضرورة حل مشكلة ارتباط الهيئات التنفيذية بخريجي الإدارة (الذين مكنوا المنظومة البائدة من بسط الاستبداد عبر آليات التزوير والموالاة، والذين لم ينجحوا في تسطير السياسات الرشيدة.
يمكن تقديم اقتراحات في هذا الإطار: 
• مجالس ولائية متخصصة/ بين التعيين والانتخاب .
• تحرير تكوين الإداريين من سيطرة وزارة الداخلية وإلحاقها بوزارة التعليم العالي.
• ضرورة إيجاد آليات الترابط العضوي بين الوسط الأكاديمي وتسيير الشأن العام (والانتقال من معادلة ربط التخصصات العملية بعالم الشغل إلى معادلة ربط الوسط الأكاديمي بتسيير الشأن العام).

يتبع

تعليقات