سيناريوهات السقوط والنهوض: رحلة الجزائريين مع التزوير


د. عمر مناصرية

جامعة المسيلة

لا شك أن ما يحدث الآن من حراك قوي ومنظم، وعلى درجة عالية من التناسق والسلمية، يمثل نتيجة منطقية لتراكمات اعتملت طوال 20 سنة، بل قبل ذلك بكثير، منذ وقف المسار الانتخابي وقبله، كما يمثل نتيجة للوعي والنمو والتحضر الذي اصبح عليه الجزائريون، والذي ساهمت فيه العديد من العوامل والتأثيرات التي توجب الوقوف عندها ولو قليلا، بالرغم من أن البعض سيسمي ذلك عقلانية او تعقل، وذلك بمفهومهما السلبي وليس الإيجابي، لأن هذه المتابعة، توازي أيضا التظاهر على مستويات أخرى، وهي الكفيلة للحفاظ على نقاوة هذه المظاهرات، وصفائها وتخليصها من مشاعر الانتقام والانتهازية. ورغم أن الجميع تقريبا يعرف بهذه الممارسات الطويلة إلا أن فهمها في سياق منظم، ووضعها في إطار أكثر دينامية وحركية، هو الذي يتيح الفعل على نحو أفضل، بالرغم من أنني أعرف ان القلة فقط هم من يقرأون في مثل هذه اللحظات..فهي لحظات ليست للقراءة والكتابة، بل لحظات للشعور والرفض.

إن أهم عامل راكم هذه الاعتمالات جميعا، وأدى إلى الحراك الحالي، هو التزوير الذي طال كل شيء تقريبا طوال فترة الاستقلال الوطني، والتزييف عملية تأسيسية وسياسية واجتماعية، قامت في الحالة الجزائرية بتحويل الإرادات والموارد والهويات والتاريخ، إلى غير الوجهات التي أقرها العرف والشرع والقانون، نحو مطامع وأغراض آنية وشخصية غاية في الأنانية بغرض الاستئثار بالسلطة والموارد والمزايا، أدي إلى خلق الفئة الممتازة التي استأثرت بكل شيء تقريبا، وتريد أن تستأثر بالتاريخ أيضا... وقد تشكلت عملية التزييف هذه وفق مسارات ومراحل محددة، أدت ممارستها على المدى الطويل وبشكل مستشر ودون الالتفات إلى نتائجها على المدى البعيد إلى نتائج وخيمة.

تزييف الإرادة ومحورية الانتخاب:

تمثل الانتخابات، في مختلف المستويات ، آلية لتوليد الإرادة الشعبية كطاقة عذراء ونقية، يتم استثمارها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، فعبر آلية المشاركة والاختيار الحر النزيه، تتشكل الرغبة ثم الإرادة الجماعية في وضع الأشخاص والهياكل المحددة للقيام بوظائفها المنوطة بها، كما تتم عملية الانتقاء الاجتماعي والسياسي على أسس المنافسة الشريفة ، للوصول إلى هذه المناصب والهياكل، حيث يستطيع الأفضل فقط الوصول إلى أعلى المراتب والمسؤوليات، عبر آلية الانتقاء والاختيار، إنها تشبه عملية الولادة الطبيعية التي تقوم بها جميع الكائنات، والتي تمثل أساس الحياة السياسية والاجتماعية للمجتمع والدولة، وعندما يتم تزييف هذه الآلية، وتحويل الإرادة نحو مصائر مجهولة، يكون المجتمع قد دخل فعلا في مرحلة التزييف.
وفق هذه الفكرة ، فإن النظام ومنذ مجيء بوتفليقة، وقبله أيضا، قام بممارسات تزييفية لهذه الإرادة، حيث تم تحويل اتجاهاتها مرار وتكرارا، لصالح الرئيس أولا، ولعديد المرات، ولصالح خلق أشخاص محيطين به، من كافة المستويات، يقومون بالحافظ على قوة مبدأ التزوير وسلطته، والتزوير الذي يحدث هنا، هو تزوير المحتوى الذي هو الإرادة، مع بقاء آلية الانتخاب على حالها، حيث تبدو في ظاهرها عملية شرعية، بينما هي في حقيقتها باطلة، وهو المعنى المهم لعملية التزوير، حيث تمر الإرادة الشعبية، عبر مسارات وقنوات تبدو شرعية، بينما المحتوى في حقيقته موبوء وغير شرعي، وهذا الذي حدث مع أول انتخابات للرئيس بوتفليقة وقبله، راح يتكرر مرارا، وعبر مختلف المواعيد الانتخابية، حيث استشرى في جميع مفاصل النظام والمجتمع، من أدنى المستويات إلى أعلاها، فيأتي من لا قيمة له في عرف الناس، ويصبح هو السيد، الآمر الناهي، المتحكم في المال العام والشأن العام.
إن العملية الأخرى المهمة تتمثل في أشكال توليد هذه الإرادة، حيث طالها التزوير هي أيضا، فعبر التخويف من الإرهاب وباستخدام الخبز، والمصلحة الوطنية العليا، والمخاطر الخارجية المحدقة، يتم توليد إرادة شعبية قوية، يتم إدخالها في آليات الانتخاب هذه، وتحويلها عبر المسارات السابقة نحو الوجهات المحددة. لقد كان الشعب دائما بين خيارين ، خيار المشاركة التي لها ما لها من نتائج على صعيد الخبز، وخيار المقاطعة الذي يؤدي إلى متاهات غير محمودة، يمليها علينا المستفيدون لا المتضررون .
إن النظام بعد أن يحصل على هذه الطاقة، ويعود الشعب إلى بيوته مغبونا، كان يقوم بعمليات تزوير ثانية، وهي تزييف المعارضة والمعارضات، والتي تعني في أحد أشكالها البناءات الاجتماعية التنظيمية القريبة، التي تحصل على هذه الإرادة الشعبية عن قرب، أو الوريث الأقرب لهذه الإرادة، حيث تستطيع لوحدها مزج ما هو اجتماعي بما هو سياسي، بما لها من أعضاء ومنخرطين ومتعاطفين، فتكون لها القدرة على امتلاك هذه الطاقة بصورة شرعية في كثير من الأحيان ، ، وبالتالي فإن تدمير هذه الهياكل القريبة، أو المجاورة للطاقة الشعبية، يمثل هدفا أسمى للنظام، ليصبح هو المستأثر الوحيد بهذه الطاقة، هنا نتذكر جميعا، التصحييات وتصحيحيات التصحيحيات ، للأحزاب والمنظمات، والتي أدت إلى استفراغ كل حزب وجمعية ومنظمة من مضمونه، وتحويله إلى هيكل أجوف، يردد صدى ما يجهر النظام به.... وما لا يجهر به .

تزوير المورد:

إن السيناريو الثالث، أو المرحلة التي تلت التزوير السابق، تمثل في تزوير المورد الوحيد للمجتمع الجزائري، ففي فترة صعود البترول والبحبوحة المالية، التي تحولت بسرعة إلى غصة مالية، حدثت نفس الآلية، وهي الاستئثار بالمورد المادي للمجتمع، حيث تم تحويل نتائجه الكبيرة نحو وجهات غير معروفة، ووجد الشعب نفسه، غير مصدق للأموال الهائلة التي تملصت من بين يديه وذهبت هباء ، وهذا التزوير الذي تم بنفس الطريقة الأولى وبنفس الآليات، بسبب أن الأشخاص الذين استأثروا بالإرادة الشعبية، هم أنفسهم الذين كانوا أيضا قادرين من الناحية القانونية على الاستئثار بالموارد. هنا رأى الشعب آن إرادته التي كانت تذهب لصالح أشخاص غير مؤهلين، يقومون بالإفساد بدل الإصلاح، تذهب معها أيضا موارده الهائلة التي كانت ستبني له مستقبله.

تزوير الهوية:

فبعد الحصول على كل من الإرادة والمورد، يمكن القيام بأي تزوير آخر، حيث تم البدء بسرعة في تزوير الهوية، وهنا ، نتذكر كل التزوير الذي يحدث للمنظومة التربوية ومن خلالها لكل مكونات الهوية الدينية والثقافية للمجتمع، وذلك بتحويل وتزوير، وتغيير وتبديل الأسس والمبادئ بصور ممنهجة ودقيقة، أدت إلى تصاعد الاحتقان والغضب الشعبي، لأن الشعب بعد أ ن يرى إرادته وموارده تتحطم يرى أيضا أن هويته يطالها التزوير والتحريف أمام عينيه ودون أن يستطيع فعل شيء ، في عقول وأذهان أطفال صغار لا ناقة لهم في الأمر ولا جمل، ، هنا يجب أن نتذكر كل ما قامت به وزيرة التربية الوطنية على هذا الصعيد، فقد كانت تضرب بعرض الحائط بمبادئ المجتمع ومسلماته، متجاوزة حدود المعقول، مشكلة صورة غير مقبولة للجزائري ، حيث يظهر من خلالها، وكأنه لا يعرف (صْلاحه)، أو معتوه.

تزوير التاريخ :

إن تزايد التحدي من طرف الممارسات النظامية، أو للعصبة المتنفذة فيه، واتجاهها نحو تحريف الهوية الدينية والثقافية للمجتمع، أدى إلى شيء مهم جدا، وهو استدعاء صورة الكولون والمستعمر في المخيال الجماعي للمجتمع الجزائري، ذلك الذي يستفيد من الموارد، ويحطم الهوية ( ياكل في الغلة ويسب في الملة) كما يقال، وهو ما وسع من إدراك طبيعة المشروع الذي لم يصبح متعلقا فقط بالعهدة الخامسة بل بالمشروع الحضاري الذي ينوي النظام تأسيسه، إنه مشروع لا يمثل فقط صورة بوتفليقة ، بل صورا أخرى كثيرة، أكثر أهمية تقف خلفه، ومن أهمها الصور التاريخية المحفورة جيدا في الذاكرة.
إن الصورة الهزيلة التي يقدم بها بوتفليقة، والتي يتم الاستهزاء بها يوميا على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، هي صورة مهمة جدا، قامت بعكس مشروع آخر، يقف خلفه ، إنه مشروع يحمله كل الذي يقفون وراء ترشيحه، كما أنه من جهة أخرى قام باستفزاز مثير لصورة الجزائري التي قدمها أمام الآخر، والتي عكسها بوتفليقة بصورة مزرية ومشوهة.
إن حجم التناقض الذي وقف بوتفليقة بين طرفيه لكبير جدا، فهو قد وقف إطارا ضعيفا للمشروع الذي كان وراءه، ولم يستطع التغطية عليه بشكل كامل، مما أبان عورة ذلك المشروع بشكل فاضح، حتى ليمكن القول أيضا بأن من هم وراء هذا المشروع، يستغلون ضعفه لتمرير مشروعهم. من جهة أخرى، لم يستطع بوتفليقة أن يقدم بذلك الإطار أيضا صورة الجزائري الممثلة في مخياله الاجتماعي، حيث أصبحت صورة مهزوزة وضعيفة وتبعث على الشفقة أمام الآخر، وهذا التناقض الكبير بين الصورة التي يوحي بها بوتفليقة من ورائه والتي تطل علينا أحيانا قليلة ، بقرونها وملامحها المظلمة التي نتذكرها تاريخيا، وتلك التي يقدمها من أمامه عن الجزائر مستقبلا، والتي تتسم بالضعف والاهتراء، هي الصورة الحقة لمفهوم التزوير ومآلاته الحتمية، حيث يعجز في النهاية عن التوفيق بين الماضي والمستقبل، بين المضمون والشكل، بين الهوية والإطار، بين الآلية والمحتوى. .. بين أولئك الذين يقفون خلفه،و أولئك الذين يقفون أمامه.
لقد أدرك المجتمع أن أساس كل هذا التشويه الذي وصل مداه، إنما هي إرادته التي يتم تزييفها في كل مرة، وأن أساس ذلك هو العملية الانتخابية، التي يقوم فيها بمنح إرادته للنظام، والذي يقوم بدوره بتزييفها والتحول بها نحو مشاريع على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي، بما يسميه بالضوء الأخضر لمواصلة الإصلاحات، والتي تبتعد شيئا فشيئا عن تاريخه كما يتصور. ولأن الانتخابات تمثل دائما موعدا مفصليا ، يقوم فيه كل من النظام والشعب بالتأسيس والموافقة على كل التزييف التالي ، فإن مجيئ بوتفليقة ومن وراءه في الموعد المحدد، وللمرة الخامسة، كان بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس.
ولذلك فإن استدعاء الذاكرة التاريخية من طرف الشعب هذه المرة كما في مرات سابقة، ما هو إلا استجابة طبيعية لهدف التزوير ، حيث وصل في مداه إلى تشويه صورة الشعب التاريخية المكونة في مخياله الجماعي، وقد أدت الممارسات التزييفية الطويلة من طرف النظام واتجاهها لتجسيد صور المستعمر والكولون في الذهنية الجماعية ، وتجسد ذلك في صورة بوتفليقة الضعيفة، إلى تحفيز هذه الذاكرة ، وإلى كل هذا التحول، نحو الرفض والتحرر.

تعليقات