محمد شوقي الزين يكتب: "الصورة بين المديح والهجاء"

محمد شوقي الزين

الكل يعرف ما هي الصورة. إنها هذه التصويرة الفوتوغرافية في كتاب الذكريات (سفر أو عرس أو حفلة)، أو تلك اللوحة الزيتية المعلَّقة في الجدران. لكن هل بالفعل هذه المواد المركَّبة من ورق وخشب هي الصورة؟ يجيب ويليم ميتشل (W. Mitchell) صاحب «المنعطف الأيقوني» (iconic turn) بالنفي. ليست الصورة ما نراه من أشياء مركَّبة من مواد (ورق أو خشب) ومرتَّبة في إطار (تصويرة أو لوحة زيتية). هذه «أيقونات» وليست صوراً. إنها السند المادي للصورة، لكنها ليست الصورة عينها، سوى على سبيل التجوُّز. نستعمل الصورة تجوُّزًا للدلالة على هذه التجليَّات المادية في أوراق أو رسوم أو منحوتات، أو للدلالة على الأحداث المصوَّرة في الفيديوهات ووسائل الإعلام. لكن ما هي الصورة إذاً؟ وأين هي إن لم تكن مجموع الأشياء المصوَّرة أو المنحوتة أو حتى الأثيرية في الفضاء السبراني؟ 

1
سؤال الصورة مشوّق. سنتحدَّث عنه بوصفه «قصَّة» (story)، لا بوصفه «تاريخاً» (history). لا شك أن تاريخ الصورة ترك إرثاً ثريًّا يتكوَّن من مجمل الجدالات الدينية حول تحريم الصورة من عدمه، لكن وإن كان هذا التاريخ سيتخلَّل بعض عباراتنا، فإن قصَّة الصورة في شكل أوديسَّا هو المطلوب من هذه الإشارة. ما هي الصورة إن لم تكن مجمل تجليَّاتها المادية؟ أين هي الصورة إن لم تكن في هذا الألبوم أو معلَّقة في تلك الجدران؟ تقول السيّدة ماري جوزي موندزان (M.-J. Mondzain)، وهي متخصّصة في علم المرئيات (Iconology)، أن الصورة ليست موضوع الإدراك، بقدر ما هي كائن الإدراك نفسه. بتعبير آخر، لا نرى الصورة، وإنما نرى بالصورة. من شأن هذا المبدأ أن يُعلّمنا أننا كائنات «أيقونية»، جُعلت بالصورة لأجل الصورة. كانت المرجعية الدينية في آية سِفْر التكوين الإنجيلية واضحة: «خَلَقَ اللهُ الإنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ». الإنسان كائن مصوَّر وهو كائن التصوير، عرف الصورة قبل أن يُعبّر باللغة، كما تشهد على ذلك رسوم الإنسان البدائي في كهوف الطاسيلي بالجزائر أو مغارات لاسكو بفرنسا.
يعتقد الإنسان أن الصورة هي الانطباعات التي انتقشت في ذهنه لتضحى تمثُّلات أو مظاهر الأشياء التي يراها في العالم الخارجي. الصورة هي بالأولى الأمر الذي يرى به ولا يراه فحسب. والأمر الذي يرى به يبقى خفيًّا عنه، لأنه يُدبِّره من وراء حجاب.
لا يمكن اكتناه جوهره أو الوقوف على حقيقته. إذا اصطلحت موندزان على الصورة اسم «العلاقة» (كان يُقال في المسيحية في العصر الوسيط «التدبير أو أكُونُومْيَا أو اقتصاد» (œconomia))، فلأن العلاقات خفيَّة بين الحدود التي تربط بينها. نرى الأفراد، لكن من الذي يمكنه أن يقنعنا بأنه يرى الحب أو الضغينة أو الحسد أو الإعجاب بين هؤلاء الأفراد؟ الصورة «بَيْنيَة» الماهية والطبيعة، تتوسَّط بين المُدرِك والأشياء التي يُدركها، على غرار «المرآة» (اسم المبالغة للرؤية) التي تختفي في عَيْن انعكاس الأشياء فيها. نرى الأشياء ولا نرى المرآة التي تعكسها. هكذا هي الصورة إذاً. نعرف دور المرآة في العصر الوسيط في بلورة معرفة لاهوتية، وكيف شكَّلت استعارة لكل السجالات الكلامية حول العلاقة بين الألوهية والبشرية مثل مشكلات التشبيه والتنزيه، قبل أن تأخذ هندسة العدسات النيابة في النهضة وندخل على أثرها في عصر التمثُّل (representation) والمناسبة الصورية بين الأشياء والأكوان
2
غير أن العلاقة بالصورة تتأرجح في المخيّلة البشرية بين نزوعين: هوى الصورة وجعلها المنهج وبيت القصيد، وهجاء الصورة واعتبارها منبع الشرور لما تمتاز به من سحر ومغنطة وخداع. سُمي النزوع الأول «أيْقُونُوفيلي» (iconophile) أو محب الصورة، وسُمي النزوع الثاني «أيْقُنُكْلَسْتي» (iconoclaste) أو مبغض الصورة. من يتأمَّل في هذين النزوعين، يُدرك أنهما عبارة عن «حَدَث» (event) في النوع البشري وليس مجرَّد «تاريخ» طبع المسيحية في فترةٍ من جدالاتها اللاهوتية بمختلف المجمَّعات الدينية المتشاورة حول فقه الصورة. من يتأمَّل جيِّداً في هذين النزوعين، يجد أن البشر متطبِّعون على إحدى النزوعين. إمَّا لدينا ميل نحو التصوير، ونميل عن شعور أو لاشعور نحو الزخرفة والتنميق والاعتداد بالأساليب البيانية والمجاز والاستعارة؛ وإمَّا نتقزَّز من التصوير، ونميل عن دراية أم عن غير دراية، نحو محاربة التجميل والتمسُّك بحرفية النص
من يتأمَّل جيِّداً في تاريخ الاعتقادات مثلاً، يجد أن تيَّاراته ومذاهبه انتظمت تبعاً لهذين النزوعين: في المسيحية، تهوى الكاثوليكية الصور، وتجلَّى ذلك في الكنائس والكاتدرائيات العامرة بتماثيل السيّدة العذراء والسيّد المسيح والقدّيسين واللوحات الزيتية التي تُصوّر مشاهد إنجيلية حول ميلاد اليسوع أو مشاهد قيامية؛ وعلى العكس من ذلك، تبغض البروتستانتية الصور، لذا تأتي كنائسها شبه فارغة، سوى الصليب المعلَّق في جدران القاعة، لأن البروتستانتية تحالفت مع «الفعل» (action) ضدَّ «التأمُّل» (contemplation)، ضدَّ الأيقونة إذاً. ليس غريباً أن تكون البروتستانتية منطلق المشروع الرأسمالي الذي يحتفي بالفعل في مظاهره الاقتصادية: المالية، المصاريف البنكية، التجارة، إلخ. (الدول سليلة البروتستانتية هي الأكثر ديناميةً على المستوى الاقتصادي والتجاري: ألمانيا، أميركا، إلخ). 
في الإسلام، نجد صيغة مماثلة لما حصل في المسيحية. يميل النزوع الشيعي نحو الاحتفاء بالتصوير وعلى غرار شخص القدّيس في الكاثوليكية، هناك شخص الإمام. أما النزوع السُنّي فهو يبغض التصوير، ويميل إلى تطهير المعالم والنصوص من كل زخرفة وتنميق. وحتى داخل النزوع السُنّي، يمكن أن نجد توجُّهين، أحدهما «أيقونوفيلي» وهو التصوُّف الذي يحتفي بصورة الولي ويُعمِّر الأمكنة الحسيَّة بالمعالم الرمزية كالزيارات والحفلات ومجالس الذكر، والنص الصوفي زاخر بالمجازات والصور البيانية والمشاهد الرمزية؛ والآخر «أيقنكلستي» وهو النزوع السلفي الذي يشمئزُّ من هذه المظاهر الحُبلى بالصور، ويُحبّذ القراءة الحرفية للنص، بتطهيره من الزوائد المجازية. ينتمي ابن عربي مثلاً إلى الفريق الأول، وابن تيمية إلى الفريق الثاني
3
كذلك على مستوى تاريخ الفكر، يمكن الوقوف على الإوالية الأيقونية عينها. نجد مثلاً فيلسوفاً من طراز فتغنشتاين، وهو فيلسوف نمساوي، يميل إلى محو الصورة وتعويضها بالشكل، أو الصورة بالنسبة إليه مجرَّد خطوط وألوان، ينزع عنها القداسة والإيحاء. هكذا جاءت تأليفاته، خصوصاً «رسالة منطقية فلسفية»، عبارة عن هندسة شكلية مركَّبة من قضايا يُفنِّدها ومتتابعة في ترقيم معقَّد. يبغض هذا الفيلسوف «الأيقنكلستي» كل الزوائد المجازية والبلاغية التي يراها بلا معنى. لم يكتب كثيراً، والكتابة عنده شكل أو تخطيط هندسي يكتفي بما قل ودل، وليس إطناباً واسترسالاً. على العكس من ذلك، جاك دريدا فيلسوف «أيقونوفيلي»، يهوى المجاز والبلاغة والمراوغة بالكلمات والانعطاف على الجُمل؛ يُحب التيهان في النصوص والتجوُّل عبر أقاليمها؛ يُسافر عبر الكتابة وهو نفسه كاتب غزير الإنتاج، ألَّف كثيراً وأثَّث نصوصه بألوان مزركشة من التعبير والسرد.
الشأن نفسه مع الفن، حيث يميل البعض إلى الألوان والتعاريج على سبيل السلوك «الأيقونوفيلي»، ناظراً إلى الفنِّ مسحةً مقدَّسةً، تزخر بأساليب الإيحاء والاستهواء. نفهم لماذا لجأت الطائفة الكاثوليكية المسمَّاة «اليسوعية»، في مناهضتها للإصلاح البروتستانتي (Counter-Reformation)، بأن تتبنَّى الفن في تدعيم الدين؛ فتبنَّت الفن الباروكي (baroque) القائم على الانكسار والالتواء والعواطف العنيفة والمرايا المتعدِّدة واللانهائية، بعد أن هيمن الفن القوطي (gothique) ردحاً من الزمن، وهو أيضاً سياسة فنيَّة في تدعيم العقيدة المسيحية عبر الكاتدرائيات المنمَّقة ذات الأسلوب المتموِّج. بينما يميل البعض الآخر إلى الخطوط والأشكال على سبيل السلوك «الأيقنكلستي»، عبر رسومٍ زاهدة في التجميل، وزهيدة من حيث الإيحاء. يُبرِّر كل نزوعٍ عن ذوقه بما يعرضه من مظاهر الأشياء في مختلف التعابير الفنيَّة، بما في ذلك في المسرح والموسيقى والغناء. فهو إمَّا يهوى الصورة بأن يُبرز مجلاها في هذه التجليَّات الثقافية، وإمَّا يتنكَّر للصورة بأن يُبرز فقط الأشكال والتصميمات
4
في الحقيقة، يمكن الحديث عن ثلاثة حدود في العلاقة بالصورة: 1. مدح الصورة؛ 2. تصنيم الصورة؛ 3. القدح في الصورة. رأينا النزوعين الأول (مديح الصورة) والثالث (هجاء الصورة). لكن ما شأن النزوع الثاني؟ يمكن القول بأن هذا النزوع الثاني هو سبب سوء الفهم أو سوء التفاهم بين النزوعين الأول والثاني. يقول النزوع الأول بأن الصورة كلها خير، وأن الخالق يتجلَّى للمخلوقات من وراء حُجُب الصورة (الوحي، الإلهام، الرؤيا في المنام، إلخ)، وإن انتفاء الصورة هو انتشار الخراب والشر في العالم. يذهب النزوع الثالث عكس ذلك، بأن الصورة هي حَجْب للحقيقة، مثلما الاستعارة هي حجاب عن المعنى الحرفي للنص، وأنها خداع وإيهام، وأعطت لهذا التدجيل اسم «سيمولاكر أو أيدولة» (eidolon). كان أفلاطون من بين المناهضين الشَّرسين لهذه الأيدولة التي تتمظهر في الفنَّان والشَّاعر والسفسطائي، أصحاب المظهر ولحن القول وزخرف الكلام.
النزوع الثاني هو إذاً سبب البلايا والمحن، أي «تصنيم الصورة» أو ما سمَّيناه «النزوع الأيْدُولي». يمكن لكل صورة بريئة، تعكس الحقيقة وتُدلِّل على الحق، أن ترتدَّ إلى أيدولة. مثلاً، يمكن للدين في عفويته الإيمانية أن يضحى مصدر تضليل بسبب الاستعمالات السياسية أو الأيديولوجية لمضامينه. يمكن الحديث عن أشكال متعدِّدة للأيدولة، من أبسط تجليَّاتها في أنظمة فكرية كالأيديولوجيا أو ما يُسمَّى السَّرديات الكبرى، إلى أعنف تمظهرها وهو الإرهاب. الإرهاب أكبر «أيدولة» يتكبَّد البشر اليوم مفاعيله، وهو سيرورة ثابتة ومنتظمة نحو «تصنيم» الفكرة الدينية إلى غاية الموت من أجلها وزرع الدمَّار باسمها. الأيقونة هي إحالة إلى الصورة بأن تستحضرها وترجئها، وتعتبر نفسها جزءاً منها وتعبيراً عنها وتأويلاً لها؛ أمَّا الأيدولة فهي استقطاب الصورة في ذاتها باحتكارها والحلول محلها، أي بالانقلاب عليها.
نُدرك بلا مرية أن الإرهاب اليوم، أو «الأيدولة الكبرى» التي تتحدَّث باسم حقيقة موضوعة في نصٍّ مقدَّس أو أتى بها نبيٌّ أو رسول، إنما هي خيانة لهذه الرسالة، لأنها ليست ترجمة لها ولا تأويلاً واحداً (من بين تأويلات متعدِّدة) لمضامينها، بل انقلاب عليها وحلول محلَّها وتجارة بها، في أبشع المظاهر السلوكية من عنف وترهيب. لأن هذه الأيدولة الكبرى هي منتهى ما يصل إليه المرء من تصنيم الأفكار، بتثبيتها وإيقاف التاريخ المتحوِّل في ثناياها، أي بقطعها عن ينابيع الحياة، بعزلها عن التجدُّد والمراجعة، بجعلها وثناً منتصباً؛ ليس فقط في المظاهر البرَّانية من تديُّن ميكانيكي يخلو من الروح والقيمة، وإنما أيضاً في التمثُّلات الذهنية والطريقة التي يتمُّ بها الرؤية إلى العالم.

نشر المقال  في العدد الجديد من مجلة "الإمارات الثقافية" (عدد 75، فبراير 2019).






تعليقات