هالوسين.. أو رواية الجرأة

باديس لونيس

فاجأ الفيلسوف الجزائري المثير للجدل إسماعيل مهنانة الجميع مؤخرًا، بولوجه إلى عالم الكتابة الرّوائية وإصداره لروايته الأولى الموسومة بـ”هالوسين”، عن دار الجزائر تقرأ.
الرّواية التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة التي أطلقتها دار النّشر ذاتها، يبدو أنها ستسيل الكثير من الحبر في أوساط المهتّمين، ليس فقط المهتمين منهم بالأدب والإبداع وعالم الروايات، ولكن أيضا ستكون هدية على طبق من حُجّة لأولئك الذين نصبوا أنفسهم حماة وسدنة المعبد، والذين نظموا منذ مدة ليست بالبعيدة حملة تكفيرية شنيعة على فيلسوفنا الجريء. هذا طبعًا إذا افترضنا أنه قد يتناهى إلى مسامعهم خبرها وخبر الفيروس الذي تتحدّث عنه.

الجرأة، هل تكفي؟
لا شك أن مهنانة، كان يدرك جيدًا ما يعنيه أن يتّخذ قرار كتابة رواية، وما يتطلبه من جرأة قد تفوق جرأة الموضوع الذي اختاره تيمة لعمله الإبداعي الأول. فالقرار مغامرة غير مضمونة العواقب لاسم له وزنه في السّاحة الفكرية والثقافية والأكاديمية الجزائرية. هذا الاسم الذي لا يفتأ يحرك المياه الرّاكدة أينما حلّ وحيثما اتجه. فالأكيد أن سقف التوقعات سيكون مرتفعا، ما يجعل المسؤولية عليه أكبر وأكثر إرهاقا، حتى لا تكون الخيبة.
إسماعيل مهنانة كان جريئا، ولكنه أيضا كان واثقًا من نفسه ومن قدرته على جلب انتباه القارئ من أول جملة: “تدلّت شمس الظّهيرة الصيفية تكنس الشوارع من المارّة في باريس”. يا له من مشهد يدخلك إلى الحكاية بدون مقدمات فلسفية ولا مناورات فكرية، إنه يُراهن على الحدث وعلى سلاسة السرد ودهشة العبارة. رواية “هالوسين” من الروايات التي تقرأ على نفس واحد، بأسلوبها الانسيابي وبفصولها القصيرة السّريعة وبقدرة مميّزة على وصف الفكرة والحدث، بالاضافة إلى شخصية البطل التي كثيرا ما تلتبس مع الراوي الخارجي (مهنانة: فيلسوفا وإنسانا)، ما يدخل القارئ العارف للروائي، في رحلة موازية لتقصي أثر أفكار مهنانة التي يبدو أنها لا تحتاج إلى كثير من الجهد للتعرّف عليها بوضوح.
البطل؛ إسماعيل مهنانة
كتب إسماعيل مهنانة قبل أربع سنوات حول ما يراه اختفاء للشخصيات  الاستثنائية في الروايات العربية، يقول: “هل يكون اختفاء البطل امتدادا لانهيار السرديات الكبرى؟ هل تخلّت الرواية ما بعد الحداثية عن هاجس البدائل اليوتوبية الجذرية؟ ففي عالمنا المعولم لم يعد ممكنا ظهور البطل واقعيا كان أم سرديّا. لقدّ سلمت الآلهةُ مقاليد التّاريخ للتّقنيين والخبراء والفنيين في تسيير شؤون البشر، وأحالت كل الأبطال والمصلحين والمتفرّدين نسيا منسيّا. الشخصية البطلة هي عماد العمل الروائي، وحين ينجح الروائي في إبداع شخصية استقطابية، تصبح كل الرواية (تقاطع رجلٍ وقَدَر)، كما يقول المثل الفرنسي. إن جوهر الشخصية الروائية هو نقض الشخصية العمومية المشاعة في عصرها، لكنها تحمِلُ كل أسئلة عصرها وتختزلها في مواقفها وسلوكياتها”.
أما في هذه الرواية، فإن إسماعيل مهنانة، اختار أن يكون هو بطل روايته، رغم بعض التحايل الذي مارسه، وبعض الروتوشات التي أضافها إلا أن ملامحه لا يمكن لمبتدئ أن يخطئها، وكأنه قرر أن يطل من نافذة الرواية إلى محطات من سيرته الشخصية. يقول إسماعيل في فقرة تختزل نظرته إلى نفسه: “على منحدرات المتعة أتعلّم الذّهاب في الأشياء بدرب مقطوع العودة، أتعثّر في أدغال قارة الحواس المغفلة لأعيد اكتشاف إمكانية أخرى للبقاء السّخيف، أتدحرج في المدن المجهولة كقطّ ضائع وراء كبّة الصّوف عسى أن يقودني الخيط إلى حانة الميناء قبل أن ينطفئ آخر أنوار الغياب الفلكي الذي يجدر بي أن أحترفه، ففي الغياب فقط كل لحظة بمثابة معجزة”.
ورغم محاولة مهنانة إعطاء شخصيته المركزية اهتماما خاصًا منذ أن اختار له اسما دالا: (الحوّاس)، لأنه كما برر في الصفحة (53) من الرواية “منذور للحسّ والتّرحال”؛ ترحال البحث عن حقيقة الفيروس الذي أصاب الإنسان والبلد. رغم ذلك إلا أننا نحسّ ونحن نقلب صفحات الرواية وكأن البطل لم يأخذ حقّه من الحضور، لم يتوغّل إلى أعماقه النفسية بالقدر الكافي، نحس وأن فيروس الهالوسين قد أخذ جلّ اهتمام صاحب الرواية، وبالتالي جذب اهتمام القارئ أكثر.
رواية بنفس ملحميّة
لم يترك شيئا لم يتطرّق إليه إسماعيل مهنانة في روايته التي لا تتعدى 193 صفحة من الحجم المتوسط، تحدث عن الثورة، وعن الخيار الاشتراكي، وعن اليهود وعن العشرية السوداء، ومظاهرات 14 جوان 2001، وعن أحداث 11 سبتمبر، وعن زلزال بومرداس، وعن محاكم التفتيش، وعن الجنس وعن الخيانة وعن العاهرات، وعن الإلحاد، وعن التّطرف، وعن الإسلام..
رواية بنفس ملحميّة، حاول من خلالها الروائي الإشارة إلى أحداث معلمية مرّت بها الجزائر. يُعيد سردها وبناءها من زاوية جديدة، زاوية علاقة تلك الأحداث بفيروس الهالوسين. وربما هنا تكمن مجازفة إسماعيل مهنانة، لأنه اضطر في طريقة سرده إلى تقديم مشاهد سريعة على أحداث كبيرة محاولا ربطها بخيط يبدو واهنا، ولم يقنع أحيانا.. ثم وكأن الرواية انتهت بسرعة، انتهت قبل أوانها.
الهالوسين، هل هو التطرّف الدّيني أم هو الإسلام؟
يصف إسماعيل مهنانة أعراض الفيروس الذي اختار له اسما دالا وهو “الهالوسين” من خلال رسالة إلكترونية أرسلها الحواس إلى غوتفريد إيرفن، الصّحافي الذي صادفه في قطار الذهاب إلى كوبنهاغن، قائلا “.. لكن تحول الفيروس آنذاك إلى وجهة نظر سياسية تحظى بالاحترام، سرعان ما أجهض السؤال عنه وحرّمه، ويبدو أن نقص التذهين كما تقول، نتيجة للفيروس وليس سببا له، فكل من شاهدته يسقط تحت طائلته، كان يفقد شيئا فشيئا تلك القدرة على الربط بين الأحداث المتفرّقة في سلسلة منطقية تشكل له معنى..”، كما أعطى قبل ذلك أحد أهم خصائصه: “بل ربما تكون فرضية حميد صائبة في أن فيروس الهالوسين قد طوّر بعدا تاريخيا في القدرة على الدّخول في سبات عميق يعود بعد ذلك إلى الظهور أكثر شراسة وفتكا”.
من الواضح هنا أن مهنانة يتحدث عن هلوسة لها جذورها التّاريخية، أعطاها حضورا جسديا عندما وصف الشّكل الرّسمي للمصابين بها، والذي اختزله في اللباس (السلفي/الوهابي) المعروف، إذن فهو يتحدّث عما يعتبره تطرفًا في الدين، هذه الحقيقة التي قد تعتقد أنك اقتنصتها بذكاء مع توالي الصفحات سرعان ما تلتبس، مع تزايد جرأة إسماعيل مهنانة التي وصلت إلى أقصاها في الصفحة 147 من الرواية من خلال هذا الحوار الذي جرى بين البطل ورفيقته التي قررت الدّخول في الإسلام:
“- لماذا هربت من الإسلام؟
– لأنه أصيب بفيروس لا براء منه
– الفيروس لا يمثل الإسلام
– لكنه جبّه وحلّ محلّه
– يمكننا العودة إلى الإسلام الأول، الإسلام الأصلي، الطازج تماما كما تلقاه ماهومي.
– هذا ما يقوله الجميع وفي كل مرّة يسقطون في الأسوأ، الفيروس يتغذى على هذه المزايدة في العودة إلى الأصل..”
أخيرًا
نهاية الرواية كانت ساحرة مثل بدايتها، حيث يجلس الحوّاس داخل الطائرة العائدة من باريس إلى آلجي وهو يتصفح كتاب “شهداء الكلام المجذوم” لصاحبه خيسوس دي ترينادا، أين يصف فيه محاكم التّفتيش التي جعلت الكثير من المسلمين يمارسون التقية، والتي سرعان ما انقلبت إلى أعراض شبيهة بأعراض فيروس الهالوسين.
لا يمكننا في الأخير إلا الاعتراف بجرأة اسماعيل مهنانة، والاعتراف كذلك بأن الساحة الثقافية والفكرية الجزائرية محظوظة بوجد فيلسوف مثله، وربما أيضا الساحة الروائية رغم أن إسماعيل مهنانة نفسه قدم اعترافا شبيها بالفشل بعد صدور روايته عبر صفحته في الفايسبوك ضمن ما أسماها بدروس من كتابة الرواية الأولى، حيث كان أول درس استفاد منه: أن الرواية الأولى خطأ إيجابي نتعلّم منه فنّ الرواية فقط.

نشر المقال في مجلة نفحة