حوار مع المختص في الدراسات الامازيغية مارتن كوسمان حول التاريخ الثقافي للأمازيغية

حكمت درباس

يشغل مارتن كوسمان (Maarten Kossmann) كرسي الدراسات الأمازيغية في جامعة لايدن، هولندا. ويعد من المختصين القلائل عالميا في هذا الميدان، وله مؤلفات عدة بالإنكليزية والفرنسية والهولندية حول الجوانب اللغوية والأدبية للأمازيغيات (عشرة كتب، وثلاثة مجلدات من إعداده، فضلا عن عشرات المقالات) يمكن العثور عليها على صفحته على موقع أكاديميا.[1]
لقد حالفني الحظ في دراسة اللغات السامية والعمل مع كوسمان مشرفا مساعدا. لكن للأسف، لم يسمح لي ضيق الوقت بدراسة الأمازيغيات أو الاطلاع عليها عن كثب. وقد ازدادت رغبتي في اكتشاف بعض خصائصها بعد تعرفي إلى  أصدقاء مغاربة من الناطقين بها في جامعة لايدن، وعملي مع كوسمان طبعا. لذا فكرت في إجراء هذا الحوار الموجز معه لإضاءة ملامحها اللغوية والثقافية للقرّاء في العالم العربي.
* لنبدأ بالتوزع السكاني للناطقين باللغات/اللهجات الأمازيغية، هل يمكن أن توجز لنا حول هذا الموضوع؟
يبلغ عدد الناطقين باللغات/اللهجات الأمازيغية بين 25 و 30 مليون نسمة، ينتشرون في مناطق شمال أفريقيا بين مصر شرقا والمملكة المغربية غربا وبين البحر المتوسط شمالا والصحراء الكبرى جنوبا (بالإضافة إلى المقيمين في المهجر طبعا). في المغرب حوالي ثلث السكان، وتقريبا الربع في الجزائر، ويوجد الطوارق في النيجر ومالي وجنوب الجزائر، ومجموعات أصغر في موريتانية وتونس، وأكبر في ليبيا (الجبل الأخضر)، علاوة على واحة سيوة في مصر.
* فيما يخص التعريف، نجد في الغرب مصطلحي "الدراسات البربرية" و "الدراسات الأمازيغية"، فما سبب هذا التناقض؟
أصل مصطلح "بربر" من اليونانية القديمة أو اللاتينية، وهو يحمل دلالة سلبية، مثل "عجم" في القرآن. أما في العربية الفصحى، فهو مستخدم بالمعنى العرقي لا السلبي (ابن خلدون على سبيل المثال) مثل أسماء الشعوب الأخرى: الروم والصقالبة والقبط، فهي ليست سلبية بالضرورة. وفي عصر النهضة دخل المصطلح معناه التناقضي، ثم أخذ يتغير. واعتاد الناطقون بهذه اللغات تسمية أنفسهم "أمازيغ"، ولا نعلم أصل الكلمة (التأثيل)، لكن ثمة قبيلة عرفت بهذا الاسم في العصر الروماني.
ولدت الدراسات الأمازيغية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حوالي عام 1840، مع بداية الحقبة الاستعمارية، تحديدا في فرنسا، حيث تم تبني المصطلح الروماني الشائع، لكن البعض ظل يستخدم مصطلح "الدراسات الأمازيغية". وبقي هذا الفرع منتعشا حتى ستينات القرن العشرين مع الاستقلال، حيث بدأ يضمحل تدريجيا.   
اللغات الأمازيغية موجودة منذ القدم طبعا، أما الهوية -بالمعنى القومي السياسي-  كمظلة لجميع الناطقين بها فحديثة كما هو حال الهويات الأخرى في العالم المعاصر. على سبيل المثال، لم تكن الرابطة القومية بين أبناء الشمال (الريف) والجنوب في المملكة المغربية موجودة في السابق، وهذا ينطبق أيضا على القبائل العربية في الحجاز ونجد، فما يجمعها هو اللغة والدين بالمعنى العام لا القومي المعاصر.
* يراودني فضول دائم حول علاقة الأمازيغية باللغات السامية، فما هي الراوبط بينهما؟
كما تعلم، تنتمي اللغات السامية والأمازيغية إلى أرومة لغوية كبرى تعرف باسم "اللغات الأفرو-آسيوية" (Afro-asiatic languages)، وهي تضم، بالإضافة إليهما، أربعة فروع لغوية أخرى: المصرية القديمة والكوشية والتشادية والأموتية. ومصطلح أفرو-آسيوية شبيه بـ "هندو-أوربية" من حيث اتساع الدلالة والتصنيف. لكن الروابط اللغوية بين الساميات والأمازيغية ضمن هذه المظلة اللغوية ضعيفة، تقتصر على بعض المظاهر النحوية والقليل من المفردات المشتركة  (ماء = أمان)،  ولا سيما أسماء الحيوان. ويبدو أن الإنكليزية والهندية ضمن الأرومة الهندو-أوربية أقرب إلى بعضهما البعض من الساميات والأمازيغية ضمن الأرومة الأفرو-آسيوية.  
أما علاقة الأمازيغية بالعربية (وهي لغة سامية) فحديثة نسبيا، إذ بدأ الاحتكاك بينهما مع الفتوح الإسلامية. العربية المحكية أخذت بعض المظاهر الصرفية والصوتية والمعجمية (الكلمات) من الدارجة (مثلا، ساروت = مفتاح)، فيما أخذت الأمازيغية الكلمات.
* يبدو التاريخ القديم للأمازيغية غامضا قياسا بلغات أخرى، فما هي النصوص الأقدم وكيف تطورت الكتابة وتقاليدها؟ 
يعرف الحرف الأقدم باسم ليبيكو بربر (Libyco-Berber)، وهو حرف أصلي محلي انتشر في تونس وجزر الكناري والجزائر والمغرب، وتأثر نسبيا بالأبجدية الفينيقية الأقدم منه، لكنه ليس مشتقا منها. ويعود استخدامه إلى القرن الثاني قبل الميلاد (مملكة نوميديا)، ولا نعلم بالضبط متى توقف انتشاره في العصور القديمة (على الأرجح القرن الثامن). وقد ظل مستخدما بواسطة الطوارق، مع بعض التطورات، لأهداف يومية بسيطة (كترميز الحيوانات وأرقام الهواتف). يوجد آلاف النقوش بهذا الحرف، معظمها تذكارية (مسلات وشواهد قبور) يتخللها أسماء أشخاص وصيغ مبهمة. ولدينا أيضا من العصر ما قبل الروماني نصوص أطول ثنائية اللغة لا يمكن الحسم في مسألة تصنيفها اللغوي. لكن يبدو أنها مرتبطة بالعالم الأمازيغي. والأسماء التي تتضمنها صعبة للغاية ولم تدرس بعد، ولا تقدم دليلا كافيا لفهم اللغة. وكما أسلفت القول، استمر استخدام الحرف القديم لدى الطوارق، وفي ستينات القرن العشرين استورده منهم بعض أمازيغ الجزائر باسم "خط تيفيناغ"، وأعادوا تقديمه مع بعض التعديلات، ثم جرى تبنيه في العقدين الأخيرين في المغرب والجزائر بوصفه الحرف الرسمي.
* هل يوجد نصوص أمازيغية بحروف أخرى؟
نعم، يوجد نصوص أمازيغية بالحرف العربي من القرن الثاني/الثالث هجري، مثل "قرآن برغواطة"، وهو ليس القرآن العربي، بل موازي محلي له مرتبط بحركة دينية محلية نسبة إلى إمارة برغواطة (بلاد تامسنا في المغرب) التي ظهرت في العصر الأموي وانتهت مع المرابطين. لقد سمعنا عن هذا النص في المصادر الإسلامية (الإدريسي مثلا) لكنه غير موجود، باستثناء مقتطفات موجزة للغاية أوردها البكري، الجغرافي الأندلسي المعروف. ولا تشير المصادر إلى اختلاف الخط، ما يوحي بأنه كتب بالعربية. ويوجد أيضا نصوص إسلامية بحثية بالأمازيغية والحرف العربي من الفترات اللاحقة، ولا سيما القرن الحادي عشر ميلادي، مرتبطة بالمذهب الإباضي في تونس، وأخرى من جنوب المغرب من الفترة ذاتها، فضلا عن مئات النصوص من القرن الثامن عشر. والأمازيغية المعاصرة لا تربطها علاقة مباشرة بهذه النصوص التي هي مجهولة لدى الكثيرين في أيامنا.
* لننتقل إلى الأدب، هل يوجد نصوص تاريخية تضيء هذا الجانب؟
تاريخيا، الأدب الأمازيغي شفاهي وغني. الشعر غنائي بشكل عام، ويقوم على أوزان معقدة تختلف عن الأوزان العربية، ويتضح ذلك في التراث الشعري لسكان جنوب المغرب والطوارق، حيث الموضوعات قريبة من الأشعار البدوية عموما (الحب والهجران والأطلال والربوع، إلخ). لكن لا يوجد تقاليد ملحمية (epic traditions). أما الأدب الحديث فليس بغنى الأدب التراثي (قياسا بالعربية وآداب لغات أخرى)، ومعظمه شعري وباللهجات المحلية. ويوجد بعض الأعمال الروائية والقصصية، إلا أنها أقل من الشعر. ومن أهم الشعراء في اعتقادي أحمد الزياني.