نصرالدين لعياضي يترجم كتاب "سوسيولوجيا الاتصال والميديا"

نشرت هيئة البحرين للثقافة والآثار، في إطار سلسلة نقل المعارف، كتاب "سوسيولوجيا الاتصال والميديا"، للباحث إريك ميغري، وترجمة الباحث الجزائري نصرالدين لعياضي.
وفي مايلي مقدمة المترجم التي يمكن من خلالها التعرف على أهمية الكتاب، خاصة بالنسبة للمهتمين بعلوم الإعلام والاتصال.

مقدمة المترجم:
إن هذا الكتاب المترع بالأسئلة والتنقيب يُخلخل المكتسبات “المعرفية” في علوم الإعلام والاتِّصَال الراسخة في يقينياتها التي تجتر القول الدائم عن الشيء ذاته بسطحية مفزعة.  إنها الأسئلة التي ألهمها النقاش الثري مع طلبة الإعلام والجدل مع أساتذته في الملتقيات العلمية، وأنضجتها المراجعة النقدية لعشرات المؤلفات النَظَريّة والبحوث الأمبريقية التي جرت  في بلدان عديدة وسياقات ثقافية واجتماعيّة متباينة وأزمنة مختلفة. ومنها انطلق إريك مغري Éric Maigret في تقديم إجابات، بشكل صريح تارة أو ضمني طورا، عن هذه الأسئلة المغيّبة في الدرس الإعلامي العربي، مثل كيف انزاحت البحوث عن وسائل الإعلام عن دراسة التأثير إلى فهم التفاوض بين المنتج و المُتَلَقّي في محاولة استيعاب إستراتيجيات الإنتاج المشترك للمعنى؟ وما هو الفرق بين الدراسات البنيويّة (Structuralisme) والبنائيّة (Constructivisme ) في علوم الإعلام والاتِّصَال؟ وما هي التَّطَوّرات التي شهدتها النظريّات النقدية؟ وأين موطن لقائهما بمدرسة الحتميّة التّقنيّة وافتراقهما؟[1] وما هي نقاط التقاطع التي تجمع نظرية الاستخدامات والإشباعات (Uses and gratifications) الوظيفية بنظريات الاستخدمات ( Les usages) البنائية؟ ولماذا بلغت الدراسات الثَّقَافِيَّة (Cultural Studies ) الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأسيوية  قبل أن تصل إلى فرنسا وإيطاليا ؟ وماهي الإضافات التى قدمها الباحثون الأمريكيون للدراسات الثَّقَافِيَّة البريطانية؟ وأين تقفالحدود المعرفية للآليات التي تنقل بها السّيمياء فهم العلامات من الحالة العفوية إلى المنطق العقلي، وكيف عولج ” حديثها عن الغائب”؛ أي الجمهور/ المُتَلَقّي/ المستخدم في إطار ما أصبح يعرف بــ “الديمقراطيّة السيمائيّة” أو “حرب العصابات السّيميائيّة” على حد قول جون فيسك John Fiske؟ وغيرها من الأسئلة الجدالية التي ما كان لها أن تُحظى بالتفكير دون مقاربة سوسيولوجيا الاتِّصَال ووسائط الاعلام مقاربة تاريخية وفلسفية. تاريخية لأن الكاتب اختار متابعة مسار ظهور نظريّات الاتِّصَال وقراءة تطوّرها في خضم التحوّلات الاجتماعيّة والثَّقَافِيَّة في المجتمعات المختلفة. وفلسفية لأنه ربط هذه النظريّات بالمدارس الفكرية الكبرى. وقد حرص في مقاربته هذه على منح ” ما لقيصر لقيصر وما لله لله “؛ بمعنى أنه لم يتجاهل أي تيار سوسيولوجي في دراسة الاتِّصَال ووسائل الإعلام، ولم ينتقص جهده الفكري ويتحيّفه، ، بل راح ” يحفر” عن جذوره التاريخية والفلسفية ويَسْأله ويُحاوِره انطلاقا من قربه من هذا البراديغم أو ابتعاده عن ذاك بمنطقي التراكم والقطيعة. إنه المنطق الذي يحرّر التفكير من سجن المسلمات والفهم الثبوتي ، ويستقصي عن الموصول والمفصول في العديد من البحوث والدراسات وأصحابها: بحوث إلياهو كاتز مبتدع نظرية الاستخدامات والإشباعات، وبحوث بول لازرسفيلد ( Lazarsfeld Paul )، رائد التفكير في التأثير المحدود الذي تمارسه وسائل الإعلام ضمن الأفق الوظيفي، وبحوث ريتشارد هوغارت (Richard Hoggart ) ، وستيورت هول  (Stuart Hall  (، وديفيد مورلي( David Morley )، على سبيل المثال، روّاد التفكير في التلقّي للمواد التلفزيونية والثَّقَافِيَّة ضمن الأفق التأويلي. وتأثير فلسفة جون ديوي (John Dewey) على تنظير هانز جوآش (Hans Joas )،  للفعل الاجتماعيّ الإبداعي في حقل الاتِّصَال .
 نميل إلى الاعتقاد بأن قُوَّة هذا الكتاب تكمن في الحوار الهادي الذي يقيمه بين التيارات التي أطرت البحث السوسيولوجي في الاتِّصَال والإعلام، وليس في انغلاق صاحبه على أفكاره. وتخاله، وهو يفعل ذلك، يحسم الصراع الوهمي الذي شغل دارسي علوم الإعلام والاتِّصَال في المنطقة العربية ردحا من الزمن، ولا يزال. الصراع بين المدرسة الأوروبية، والفرانكفونية تحديدا، والمدرسة الأنجلوساكسونية لأنه كشف عن التقارب الناجح بين الفكر الفرنسي في “توهجه” الابستمولوجي، والفكر الأمريكي في توجّهه التداولي والأمبريقي. فيذكّرنا بأن الدراسات الثَّقَافِيَّة الأمريكية تغذت بأبحاث الكُتاب والمفكرين الفرنسيين، مثل: لويس ألتوسر (Louis Althusser) ، ورولان بارت (Roland Barthes)، وجون بودريار(Jean Baudrillard )، وغي دوبور ( Guy Debord )، وجيل دولوز( Gilles Deleuze )، وميشال فوكو( Michel Foucault )، وجاك لاكان) Jacques Lacan(، وميشال دو سارتو( Michel de Certeau )، وجون فرانسوا ليوتار (Jean-François Lyotard (، وميشال سير (Michel Serres ( ، وغيرهم.[2] وبالمقابل نجد أن جلّ الباحثات الفرنسيات اللواتي حاولن قراءة المنتجات الإعلامية والثَّقَافِيَّة من منظور الجندر والجنسانية ، مثل جونفياف سيليي( Geneviève Sellier (، وآن ماري داردينا (  ( AnneMarie Dardigna، ودليبرت ماريو  ( Dalibert Marion (، ومارلين كولوب- غالي( ( Marlène Coulomb-Gully، وغيرهن قد استلهمن بحوثهن من أطروحات كاتبات ورائدات الدراسات النسويّة الأميريكية، أمثال جوديث بيتلر( Judith Butler (، و بتي فريدان( Betty Friedan (، وغيرهن. وهل يمكن اليوم فهم تحوّلات الفضاء العمومي الذي نحت مفهومه يورغن هابرماس(  ( Jürgen Habermas وطوره الفيلسوف الألماني أكسال هونيث Axel Honneth دون العودة إلى كتابات حنا أرنت (Hannah Arendt   ( ونانسي فريزر (Nancy Fraser  (اللّتين شككتا في الاكتفاء بالبعد العقلاني في تشكيل الفضاء العمومي، وفي إمكانية الفصل التام بين الفضاءين: الخاص والعمومي؟ ثمّ هل يمكن أن ننكر تأثر الدراسات ما بعد الكولونيالية التي طورها أبناء المستعمرات بأطروحات ميشال فوكو، خاصّة مفهومه للسلطة؟
يمكن أن نتساءل لماذا لا نعثر على أي أثر لنظريات التلقّي في البحوث التي أُنجزت في منطقة الشرق الأوسط عن وسائل الإعلام بحكم حضور اللّغة الإنجليزية القويّ في نظامها التعليمي؟ ولماذا لم تتم الاستعانة بنظريات الاستخدام في بحوث الإعلام والاتِّصَال التي أُنجزت في منطقة المغرب العربي بحكم التبعية إلى اللّغة الفرنسية؟
قد يستهجن البعض مثل هذه الأسئلة ليس لعدم اقتناعهم بفكرة أن التبعية اللّغوية تؤدي، بالضرورة، إلى تبعية ” بحثية”، بل لإيمانهم بعدم جدواها أو خطورتها. إنهم يؤمنون بأنّ البحوث التي أّنجزت في الغرب في مجال علوم الإعلام والاتِّصَال أو العلوم الاجتماعيّة بصفة عامة لا تناسب بيئتنا الاجتماعيّة والثَّقَافِيَّة وخصوصيتنا الحضارية، لكونها مفرطة في ماديتها ، مغالية في عقلنيتها  وسجينة نزعتها الاختزالية.
إنّ هذا الطرح ليس جديدا في المنطقة العربية. فقد طرحه الكثير من الباحثين في العلوم الاجتماعيّة، مثل عالم الاجتماع العراقي علي الوردي[3] الذي ألمّ بمنجزات علم الاجتماع الصادرة باللّغة الإنجليزية في عصره. لكنه لم ينف انجازات العلوم الاجتماعيّة بصرف النظر عن منابتها الجغرافية، ولم يطعن في مقاربتها المنهجية وأدواتها البحثية، بل لاحظ قلة اهتمام الباحثين العرب بقضايا مجتمعاتهم، وعدم التفكير فيها من منطلق خصوصيتها.
نعتقد أن هذا الاستهجان بحاجة إلى نقاش قصد توضيح خطورته. نستهله بالقول أن من يقرأ هذا الكتاب يدرك أن سوسيولوجيا الإعلام، كما مُورِست في الدول المتقدمة، لم تغفل ما يعتقد البعض أنها أغفلته. فأتباع ماكس فيبر المعاصرون لازالوا يعتقدون أن كل فعل ذي معنى بالنسبة إلى الفرد هو فعل ” عقلاني”. وأصحاب نظرية تأثير وسائل الإعلام المحدود والانتقائي، على سبيل المثال، يحشدون مجموعة من المتغيرات التي تتحكم في هذا التأثير الذي تمارسه وسائل الإعلام، بدءًا بالفروقات الاجتماعيّة والتعليميّة التي تميّز جمهورها وصولا إلى تبايناته الثَّقَافِيَّة ومعتقداته الدينيّة واستعداداته النَّفسيَّة، إضافة إلى وجود الوسيط المتموقع بين المرسل :المؤسسة الإعلامية أو المتصل والجمهور؛ أي الطرف الثالث ذي المكانة الاجتماعيّة والاعتبارية أو المعرفية في شبكة الروابط  الاجتماعيّة. بينما نلاحظ أن الكثير من البحوث التي جرت في المنطقة العربية انحازت، مع الأسف، منذ البداية إلى تأثير وسائل الإعلام الموحد والمطلق والقويّ، وتجاهلت  فاعلية الاتِّصَال الشخصي والروابط الاجتماعيّة التي تتدخل في تحديد العلاقة بوسائل الإعلام ، ناهيك عن ارتفاع منسوب الريبة مما تبثه هذه الوسائل. هذا إن غضضنا الطّرْف عن ضعف مصداقية الكثير منها لدى قطاع واسع من الجمهور، وعن قفزها على أشكال مقاومة ما يُعتقد أنه مهيمن في رسائل الإعلام والمواد الثَّقَافِيَّة، والتي أوضحها بشكل مبتكر ميشال دو سارتو في كتابه الموسوم ابتكار الحياة اليومية، فنون الأداء اليومي[4] ( (L’invention du quotidien : Arts de faire  ، الذي أفرد له إريك مغري حيزا كبيرا في هذا الكتاب.  بالطبع هذا القول لا ينطبق على  كل البحوث التي نشرت في المنطقة العربية، لكن الكثير منها استنفذ منطقه قبل الشروع في البحث، واعتقد أنه بلغ الْمُنْتَهَى بينما لم يبرح نقطة الانطلاق، على حد تعبير صاحب هذا الكتاب. ومن باب توضيح هذه الفكرة يمكن أن نورد المثال التَّالِي: انطلقت الكثير من البحوث التي تناولت موضوع مواقع الشبكات الاجتماعيّة في المنطقة العربية من منطلق نظرية الاستخدامات والإشباعات وعرفتها بأنها مواقع للتواصل، وهو تعريف صائب. وعلى أساسه صممت الاستبانة المُوجّهة إلى المبحوثين متضمّنة إجابة عن الدافع من استخدام هذا الموقع أو ذاك من مواقع التواصل الاجتماعيّ، وهو الاتِّصَال. وبعد تفريغ الاستبانة وتحويلها إلى معطيات إحصائية يستنتج الباحث بأن المبحوثين يستخدمون الموقع المدروس لتلبية حاجتهم للاتصال! وهنا يتوقف البحث! بينما المطلب العلمي يستدعى من الباحث الشروع في بحثه انطلاقا من هذه النقطة التي يعتبرها نتيجة. النقطة التي حركت فكر الكثير من رواد السوسيولوجيا منذ مطلع القرن العشرين، مثلما يؤكّد صاحب هذا الكتاب، نذكر منهم  على سبيل المثال كولي (cooley ) ، وديوي (Dewey ) وليبمان   (Lippmann)، و يورغن هابرماس،  وقادتهم إلى معالجة الكثير من القضايا مثل الاتِّصَال وبناء المجتمع، والاتِّصَال وبناء العلاقات الاجتماعيّة وتداعياتها الثَّقَافِيَّة، والاتِّصَال والتكنولوجيا، والاتِّصَال وآليات بناء تصورات عن العالم الخارجي، والاتِّصَال والدولة والمجتمع، والاتِّصَال وحدود الحياة الخاصة والعامة، والاتِّصَال وبناء الذات وسردها… فالاتِّصَال ليس مجرد كلمة أو ممارسة تقنيّة محضة، إنه مفهوم ومبحث شائك تناوله الكثير من الفلاسفة  لمساءلة أبعاده المعرفية واستجلاء تبعات العلاقات ما بين الذاتيات في إطار ما يسميه هابرماس بالعقل التواصلي.
 لقد انزاحت الكثير من بحوث الإعلام في المنطقة العربية عن التفكير العلمي وانزلقت نحو الوعظ باسم البحث عن الأخلاق المفقودة في الممارسة الإعلامية غير مدركة الفرق بين الأخلاق التي تجمع مجموعة بشرية ما والأخلاقيات التي تميّز ممارسي مختلف المهن. وتجاهلت بأن الأخلاقيات يمكن أن تجافي الأخلاق وتعارضها في بعض الأحيان! وتبارت بعض هذه البحوث في الحديث باسم الغائب؛ أي الجمهور، وتناست أن نظريات التلقّي الإعلامي والثقافي واستخدامات العُدّة التكنولوجية والاتِّصَالية تضع مركز ثقلها في الجمهور ككائن ملموس لفهم تأويله للمواد الإعلامية والثَّقَافِيَّة وتستقصي عن أشكال تملكه للعدّة التكنولوجيّة وما تبثه من مضامين وتسْتقْرِئ أشكال مقاومته للهيمنة التي تتحدث عنها المدرسة النقدية. فكيف نطالب بضرب نظريّات التلقّي والاستخدام، على سبيل المثال، عرض الحائط دون أن نوظفها بالقدر الكافي في بحوثنا أو لم نطلع عليها أصلا؟ وكيف نعيب نظريات الاتِّصَال والإعلام ومناهج البحث ” الغربية” في مجال علوم الإعلام والاتِّصَال ونستخدم أدواتها ومفاهيمها في الوقت ذاته؟ فمفاهيم البحث ومناهجه وأدواته ليست منفصلة عن تصور موضوع البحث وطريقة بنائه وإستراتيجة البحث فيه.
إنّ للخصوصية الاجتماعيّة والثَّقَافِيَّة ممارسات علمية أخرى تُروى من منطلق مختلف. فالبحوث السوسيولوجية التي أنجزها بيار بورديو في الجزائر، على سبيل المثال، سواء في العهد الاستعماري أو بعده، سمحت له بتطويع مجموعة من المفاهيم ونحت بعضها الأخر، مثل مفهوم “ التطبع” ) Habitus )، ورأس المال والعنف الرمزيين، والحقل“(Le champ )، والتَفكُّر فأصبحت من متون  الدرس السوسيولوجي،  ورسخت في البحث العلمي، وغيرت العدّة النَظَريّة لدراسة الظواهر الاجتماعيّة والثَّقَافِيَّة والاتِّصَالية. وساهم فرانز فانون  (Frantz Fanon )، من جهته، في تقويض الأسس النَظَريّة  لــ “مدرسة الأمراض العقلية الجزائرية” التي تشكلت على يد الطبيب “أنطوان باروAntoine Porot ) “) وأتباعه، في مطلع ثلاثينات القرن الماضى ، وابتكرت مفهوم” الكآبة القاتلة” لتوصيف سلوك الجزائري الذي يتسم بالعنف و”استعداده” المزعوم للقتل من أجل لاشيء”. لقد ندّد فرانز فانون بهذا المفهوم الاحتقاري والعنصري في جلّ كتاباته وأوضح بأن المستعمَر، أي الجزائري، لا يستطيع أن يكظم الحقد الذي يكتنز والناجم عما يعانيه من تشويه لسمعته واستعباده.[5] لقد أضحت كتابات فرانز فانون مرجعا أساسيا في الدراسات ما بعد الكولونيالية التي راحت تشخص العلاقة بين السلطة والتَمَثُّلات الاجتماعيّة في النُّصُوص الأدبيّة والفنون البصرية المختلفة، ثمّ انتقلت إلى دراسات التابع   ( subaltern studies )- الفئات المهمشة- التي تطرق إليها هذا الكتاب، كاشفا عن محاولة قراءتها للثقافة والإعلام بصوت الفئات المهمشة والتابعة في المجتمع المعاصر.
إنها مفارقة حقا، فأمام تزايد الحديث عن تأثير تكنولوجيات الاتِّصَال المعاصرة وسائل اٌلإعلام  في المجتمعات العربية اختفت مواد “سوسيولوجيا الإعلام” في الخطط الدراسية في أقسام الاتِّصَال الجماهيري وكلياته في المنطقة العربية، وغابت فيها مؤسسات البحث ودراسة جمهور وسائل الإعلام ومستخدمي وسائط الاتِّصَال المعاصرة؟ ففي ظل هذا الاختفاء والغياب يظلّ الخوف من وسائل الإعلام، وحتّى الذعر من تأثيرها ماثلا ، بل يتجدّد بتناوب ميلاد وسائل الإعلام: من الإذاعة إلى القنوات الفضائية وصولا إلى الانترنت ومنصات الاتِّصَال الاجتماعيّ الافتراضي، وربَما تحوّل هذا الذعر إلى محاكمة مستأنفة لوسائل إنتاج الإعلام والثَّقَافَة وحوامل بثها المتعددة إن لم يكن تنديدا بها، حتّى وإن كان الواقع ينبهنا إلى انفصال المحمول عن الحامل لأول مرة في التاريخ. ومن هذا الذعر والتندّيد  يستمد السؤال التالي مشروعية طرحه:  هل أن ما نكتبه عن وسائل الإعلام ووسائط الاتِّصَال في المنطقة العربية يملك شروط الانتماء إلى الجماعة العلمية العالمية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضى الشروع في النقاش المغيب في البلدان العربية: ما هي معايير علمية التفكير في وسائط الإعلام والاتِّصَال في المجتمعات العربية؟
لعل المترجم هو أول من يدرك بساطة ما قاله أبو الفتح عثمان بن جني في وصفه للغة عندما أَكَّد أنها أصوات يعبر بها قوم عن أغراضهم، لأن متاعب هذا المترجم تتكاثر مع مجالدته الكلمات منقبا عن هذه الأغراض. إنّ الاختلاف في ترجمة بعض المفردات والصيغ التعبيرية لا يكشف عن خلاف لساني بقدر ما يخفي خلافا في الفكر والتصور. فوراء ما نعته ابن الجني بأنه أصوات، تقبع ” مؤسسة الحقيقة” التي يعتمد عليها مجتمع ما في فهمه لذاته والسيطرة على العالم من حوله.” 
لقد قيل الكثير عن الترجمة وألحقت بها الكثير من النعوت، منها الخيانة؛ خيانة الكاتب أو النصّ، والغزو؛ غزو النصّ أو اللّغة، إلى درجة أن الكثير من المترجمين يضطرون إلى الاعتذار للقارئ، ومن ورائه الكاتب، على ” ما ارتكبوه  من خيانة أو ما اغتنموه في الغزو” أو لأنهم قالوا أكثر ممّا تسمح به لغتهم أو أقلّ مما سمحت به اللغة المُتَرْجَمة أو العكس. لكن لا أعتقد أن هذا الاعتذار يخفف ما يشعر به المترجم  إلى اللّغة العربية من كبت وضيق لأنه يتصدى إلى نقل تَمَثُّلات ومفاهيم ومصطلحات ” بكر”. فما تشير إليه الكثير من المفاهيم التي اشتغل بها إيرك مغري أو اشتغل عليها في هذا الكتاب لم يطأه التفكير في الممارسة الإعلامية والفعل الاتِّصَالي في المنطقة العربية. فأضطر المترجم إلى البحث عن متصرّف القول. وهذا التدبير لا يرضي  المنافحين عما يسميه  أحمد حسان ” الافراط في الترجمة” بدءًا باستخدام ” عبارة الميديا” (Médias ) في عنوان هذا الكتاب، بدل ” وسائل الإعلام”. والحقيقة إنّنا لم نستعمل هذه العبارة من باب الاختلاف، بل من باب السعة.[6] بمعنى أن اختيار ” الميديا” لم يأت من باب تقريب اللفظ من اللغة الأجنبية ومطابقتها، بل لأننا نرى أن هناك اختلافا بين المفهومين: وسائل الإعلام والميديا. فمفهوم وسائل الإعلام يتضمّن قيمة مركزية وهي البث والإرسال، بينما مفهوم والميديا يروم إقامة علاقة. فالميديا مشتقة من  الوساطة  )  Médiation ) التي تعدّ مفهوما أساسيا في السوسيولوجيا تعيّن شكلا من العلاقات الاجتماعيّة والاشتغال على نظامه، وتتضمّن تصورا للذات والغيريّة. ومع هذا حرص المترجم على الاحتفاظ بعبارة وسائل الإعلام في بعض مقاطع هذا الكاتب بمقتضى الحال. 
 أدرج المترجم في هامش المتن بعض الشروح والتعليقات من أجل إنارة غوامض المفردات التي وردت في سياق حضاري وثقافي ولساني يعتقد أنه بعيد عن القارئ العربي، واستجلاء ما استغلق على الفهم من المفاهيم والمصطلحات.
                                                                                            د. نصر الدين لعياضي
[1] – يمكن للدارس أن يتعمق في الإجابة عن هذا السؤال بالعودة إلى أدبيات ما أصبح يعرف في فرنسا ” بالميديولوجيا (Médiologie) التي يُؤرخ لها بصدور نصّ رجيست دو بري (Régis Debray  ) التأسيسي  والمعنون بـ ” درس  في الميديولوجيا العامة“( Cours de médiologie générale  ) في 1991، وبمساهمات الكُتاًّب الذين شاركوا معه في مجلتي ” كايي دو ميديولوجي“( Cahiers de médiologie ( 1996-2004) و ” الميديوم”  (Medium)، منذ 2005.  ويستلهم أصحاب هذا التيار، إن جازت تسميته بالتيار ، من أفكار  ولتر بنيمين  (Walter Benjamin)، ومرشال مكلوهان (Marshall McLuhan)، وجيلبير سيموندون (Gilbert Simondon)، وبيار ليفي( Pierre Lévy)،  وبيرنار ستيغلر( Bernard Stiegler ) وغيرهم. وقد سعى هذا التيار إلى تجاوز التعارض بين الثقافة  والتّقنيّة  من خلال البحث في : { الترابط النسقي بين النشاطات الرمزية )  الأيديولوجيا، السياسة، الثقافة( وأشكال التنظيم، ومنظومات السلطة التي أدخلها هذا النمط الإنتاجي أو ذاك، أو نمط الأرشفة وانتقال المعلومات.} –أنظر:
Régis Debrayla médiologie, Revue, Solaris, nº 1, Presses Universitaires de Rennes, 1994 
[2]– Christophe Genin, Les études culturelles : une résistance française ? Revue Media et information , no 24-25, mars 2007- P43-55
[3] – على الوردي: الأخلاق: الضائع من الموارد الخلقية، دار الوراق، لندن، 2007، ص 10
-[4]      العنوان من صياغة محمد شوقي الزين الذي ترجمه، ونشره  بالدار العربية للعلوم  ناشرون، ومنشورات الاختلاف، 2013
[5] – Frantz Fanon, Les Damnés de la Terre, Paris, La Découverte,‎ 2002, P 292.
[6] – أنظر معنى السعة لدى  عبد الله الغذامي: الفقيه الفضائي، تحول الخطاب الديني من المنبر إلى الشاشة، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2011، ص 5

محتويات الكتاب

كلمة شكر
مقدمة المترجم
مقدمة:السوسيولوجيا ونظريّات التواصل
الاتِّصَال موضوع ثلاثي الأبعاد        
الاتِّصَال الجماهيري في قلب التساؤلات.
                                                            إستهلال
                                                        إنشاء الموضوع
الفصل الأول: صعوبة التفكير في الاتِّصَال
 الشيء الأعدل قسمة في العالم؟
عدم الشرعية الثَّقَافِيَّة والسِّياسيَّة والاقتصاديّة لوسائل الإعلام الكبرى
أشكال النقد المتطرفة
أشكال التبرير المتطرفة
التوتّر بين العقل والتّقنيّة في قلب مسألة الاتِّصَال
كلمتا الاتِّصَال والميديا
الخطاب السوسيولوجي
المراجع
الفصل الثاني: منعطف سوسيولوجيا الاتِّصَال المفقود
المفاهيم الأساسية للعلوم الاجتماعيّة والاتِّصَال
الآباء الأوربيون المؤسسون ووسائل الإعلام
غياب الاستئناف والتشاؤم من الحداثة
البرغماتية الأمريكية
مدرسة شيكاغو
 المراجع
                                                                      القسم الأول:
                                   نزع الطبيعانية عن الاتِّصَال…مشكل التأثير أو كيف نتخلص منه؟
الفصل الثالث: فخ نظريات الآثار المباشرة
الخوف من آثار وسائل الإعلام وأصوله
مفهوم الدعاية
آثار المثير و”الإبرة تحت الجلد”
هل الإشهار حُجّة على وجود الاتِّصَال الاقناعي؟
الخلاصة
المراجع
الفصل الرابعمدرسة فرانكفورت ونظرية الثَّقافة الجماهيرية
من الثَّقافة الجماهيرية إلى الصناعة الثَّقَافِيَّة
ثقل مرجعية الحرب والنخبويّة الثَّقَافِيَّة
مشاكل المنهج
ورثة مدرسة فرانكفورت
المراجع
الفصل الخامس النَظَريّة اللازرسفلدية للآثار المحدودة
 قطيعة… ذات آثار محدودة
مصادر الأمبريقية الأمريكية
“اكتشاف النّاس”
انتقال المعلومات عبر مرحلتين
نظرية انتشار المبتكرات وتيار الاستخدامات والإشباعات
الإفراط في الاتجاه الوضعي ونسيان الأيديولوجيا
المراجع
الفصل السادس: من الأنموذج الرياضي إلى أنثروبولوجيا الاتِّصَال
شانون ونظرية الإعلام الرياضية
مشروع  روبرت وينر السيبرنيطيقى 
الاتِّصَال، والأخلاق، ونظرية الكل الفيزيائي
خداع القياس على الإنسان
الالتقاء بالوظيفية
مدرسة “بالو ألتو” والأنموذج الأوركستري للاتصال
الخلاصة
المراجع
الفصل السابع : مكلوهان والحتميّة التكنولوجية
“الرسالة هي الوسيلة”
حجج، وأمثلة، وأمثلة مضادة
أين تتوقّف التّقنيّة؟
حيلة التاريخ: المكلوهانية بوصفها هرمونيطيقيا
المراجع
                                                                   القسم الثاني
                                                   تثقيف الاتِّصَال: لعبة الإنتاج/ التلقّي
الفصل الثامن: من السيمياء إلى التداوليّة
“المنعطف اللغوي”
اللِّسانيَّات البنيويّة والحلم بعلم شامل للاتصال
سيمولوجيا وسيمياء الاتِّصَالات الجماهيريّة:  بارت وإيكو
إدراج الخطاب الاجتماعيّ
التحوّل التداوليّ
في ما أبعد من الحدّ : الاجتماعيّ       
المراجع:
الفصل التاسع: سوسيولوجيّا الممارسات الثَّقَافِيَّة
الاستهلاك: تراتيبية الممارسات الثَّقَافِيَّة  من منظور بيار بورديو
مشكل المركزية الإثنية الثَّقَافِيَّة
التحوّلات المعاصرة في الثَّقافة
“من الإقصاء إلى الانتقائّية”
من الاستهلاك إلى التلقّي
تقاليد البحث عن التلقّي                               
ميشال دو سارتو ومسألة التلقّي
الخلاصة
المراجع
الفصل العاشر: الدراسات الثَّقَافِيَّة  Cultural Studies
ثقافة الفقير: نحو اثنوغرافيا الأوساط   الشَّعبيّة.
ماركسية “ستيورات هول” الجديدة
أنموذج  التشفير/ فكُّ التشفير  
الانزياح الأمريكي
مواقف نظرية جديدة، النقد الجذري للنخبويّة
تعدّد المعاني والتفاوض المعمم حول المعنى
صعوبات الديمقراطيّة السيميائيّة و النزعة ما “بعد الحداثية” 
بعيدا في البنائية: منعطفات المثلية الجنسيّة ودراسات ما بعد الكولونيالية
المراجع
الفصل الحادي عشر: سوسيولوجيا مهن الاتِّصَال
علم اجتماع الصحافة الوظيفي: دراسة ” صُنْع الأخبار”
عودة النقد: الصحافيون ومحيطهم
 مشكل تعدّديّة الأهداف
الخلاصة : مشهد دون جمهور؟
المراجع:
الفصل الثاني عشر: مهن الإنتاج بمنطق متعدد
إدغار موران: التوتّر بين التنميط  المعياري والابتكار
الاقتصاد السياسي: من الصناعات الثَّقَافِيَّة إلى الصناعات الإبداعية
هوارد بيكر: الإنتاج كتعاون
تحدى الهويّة الفنيّة في زمن وسائل الإعلام
هل توجد ديكاتورية جمهور وسائل الإعلام؟
الخلاصة
المراجع
                                                                         القسم الثالث
                                                                لنجعل الاتِّصَال متعدّدا
                                                          الديمقراطيّة، الإبداع، والتفكّر

الفصل الثالث عشر: النظريّات  السِّياسيَّة والرأي العام
آثار الأجندة ولولب الصمت
هل جقا تصنع وسائل الإعلام الانتخابات ؟
هل يوجد رأي عام؟
الاتِّصَال السياسيّ  بوصقه تفاعلا
نحو مفهوم الفضاء العمومي
المراجع
الفصل الرابع عشر:   نظريات الفضاء العمومي
نظرية الفضاء العمومي  لدى يورغن هابرماس
الفعل التواصلي
المجال العمومي وفق نانسي فريزر
البرامج الحوارية : انحطاط أم إثراء؟
أشكال التجربة العمومية
الذهاب إلى نهاية مسار العملية التَّعدُّديَّة.
المراجع
الفصل  الخامس عشر: السوسيولوجيا الجديدة للميديا 
الأزمنة  الثلاثة لسوسيولوجيا الاتِّصَال
انسداد ما بعد الحداثة
العودة إلى الآباء المؤسسين: منعطف التفكير الانعكاسيّ
من السوسيولوجيا إلى الدراسات الثَّقَافِيَّة … والعودة
منهجية السوسيولوجيا الجديدة لوسائل الإعلام:
 سلسلة المعارف
التلقّي
الإنتاج
الفضاء العمومي
“منتجات ثقافية” بوصفها حركات اجتماعيّة
المراجع
الفصل السادس عشر: الانترنت و” التكنولوجيات الجديدة للإعلام
الانترنت: وعود وتخيّلات ميديا فائق
ماوراء الطوباويّة: ميديا غير متجانس وحامل تقني وحيد
استخدامات الانترنت
مباراة الشاشات: نهاية التلفزيون؟
تحولات الصحافة وقطاع الموسيقى
مسألة الفردانيّة والجماعات
” الديمقراطيّة الإلكترونيّة”
كاشف إعادة تشكيل سياسيّ
الخلاصة

تعليقات