التأويل الصُّوفي وتجربة "الحقيقة"

سعيد بنكراد

إنَّ قصد اللغة كان دائماً أوسع من قصد الذات التي تتكلم أو تكتب. فهي لا تسمِّي وتعيّن وتفصل بين الكائنات والأشياء فحسب، إنَّها بالإضافة إلى ذلك توسع من ذاكرة الكون، أي تخلق عوالم جديدة لا قبل للطبيعة بها. فأيّ قول إنَّما هو في الأصل استحضار لذاتيَّة الذي يتكلم واستثارة لذاكرة الكلمات في الوقت ذاته. وهذا معناه أنَّ الكلمات لا تدلُّ ولا تعني، بل تشير إلى شخص يفكّر في شيء ما (فاليري). لذلك عُدَّ التأويل في أكثر تعريفاته شيوعاً محاولة لاستعادة تجربة صيغت في المعاني المضافة بعيداً عن المحددات التعيينية المباشرة، أو هو الكشف عن "مناطق" في الإنسان لم تستوعبها حالات التمثيل التقريري. يتعلق الأمر بالبحث في ذاكرة الوقائع ذاتها عن قصد آخر غير ما يقوله المنطوق أو الممثل فيها؛ ما يشكل استحضاراً لما استوطن الاستعارات والرموزَ ومجمل الصيغ المجازيَّة.

إنَّ التأويل في الحالتين معاً «نقل لظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما تُرِك ظاهر اللفظ» (لسان العرب)، أو هو «العدول باللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر لا دليل عليه» (المعجم الكبير). إنَّ المؤوّل في هذه السياقات مجتمعة لا يبحث عن معنى جاهز في النص، بل يلهث وراء ما يمكن أن يقود إلى استنفار لمخزون دلالي، لا يشكّل الظاهر في الألفاظ والوقائع سوى طبقة من طبقاته. هناك تشكيك في قدرة الكلمات على قول شيء ما يصدق على حقيقة الكائنات والأشياء وحدها.
إنَّه يتضمن، من هذه الزاوية، التفسير الباطني للنصوص الدينيَّة (نظرية المعاني الأربعة في الكتاب المقدَّس)، كما يتضمَّن تأمُّلات القباليين اليهود وغيرهم، وتُصنَّف ضمنه أيضاً شطحات الغنوصيَّة والهرمَسيَّة القديمة وكلّ التأويلات التي تبناها أصحاب المذاهب والفرق الدينيَّة، بغاية الانزياح عن تفسير مشترك يستقرُّ على معنى واحد يمكن أن يؤلف بين الضمائر والعقول. وهو المبدأ ذاته الذي تبنَّته كلُّ التيارات الصوفيَّة على اختلاف مشاربها، واتخذته سبيلاً وحيداً نحو الاستغراق في ملكوت الله. وذاك هو معنى التأويل في اللغة ذاتها، فهو دالٌّ على الرجوع والعودة، ومنه اشتُق الأوَل والمآل الذي يشير إلى مصير نهائي، أي ما يصير عليه "الحال". هناك رغبة عند الذات تدفعها إلى الاستقرار على "معنى كلي" هو القصد النهائي من الواقعة، ما يوازي حالات انصهار المؤوّل في موضوع تأويله: التطهُّر في الماء، أو ذوبان العاشق في جسد المعشوق، أو تشبُّث الوليد بجسد أمّه. وتلك هي الحالات التي يجسّدها "مقام الغيبة" حيث يغيب الصوفي عن كلّ شيء عدا حضرة الخالق في قلبه، أو تتحقق في "مقام السُّكر"، حيث يتلاشى الكون وتتخلص الذات المتصوّفة من محيطها لتذوب في ذات الله.
وهو ما يعني أنَّ التأويل في الطقس الصوفي لا يقود إلى معنى قابل للتجلي داخل سياق مخصوص، بل يدعو إلى الانحلال في "عادة" سلوكيَّة تفتح الذات على باريها ضمن حالات انفعال مطلق: قد تكون تلك هي الحالات التي يشير إليها التطابق الكلي بين العلامة وموضوعها: إلغاء للتوسط المفهومي والإمساك بالمعيَّن من خلال جوهر مفترض وفق ما يؤدي إلى انتفاء مطلق لكلّ تأويل، فالعلامة تموت لحظة انكفائها على ذاتها، إنَّها تختفي لتسمي، أو «تجنح إلى تشكيل عادات هي الفعل العملي» (بورس). يتعلق الأمر بمحاولة لتقليص «الفجوة الفاصلة بين المعرفة والحس» (كريماص): تجليات انفجار الواحد الكلي في شظايا هي الظاهر أمام الذات، أو انجذابها نحو الوحدة المنشودة، هي الوعد بالعودة إلى الأصل الأوَّل، في الرحم أو في تراب الأرض. فـ«الحلول هو أن يكون الشيء حاصلاً في الشيء، وتكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر تحقيقاً، أو تقديراً» (الكليَّات لأبي البقاء الكفوي).
وإلى ذلك استند تصوُّر المتصوّفة للألوهة: فهي «كنز مخبوء قرَّر أن يُعرف»[2]، «كنت كنزاً لا أعرف، فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً فعرفتهم بي فعرفوني»، وذاك سرُّ "إيجاد الوجود" وغايتُه. واستناداً إلى هذه المعرفة أيضاً يَصِل المرءُ ذاتَه بذات خالقه، «فمن عرف نفسه فقد عرف ربَّه». ففي «العماء كان ربّنا قبل أن يخلق العالم»، أي كان يستوطن حالة "متصل" يضع مضمونه في "الكلي" فيه لا في أجزائه، والكلي ليس بؤرة لمعنى عارض، بل هو المادة التي تتشكل منها كلُّ المعاني الممكنة. إنَّه الجوهر غير القابل للتصنيف لأنَّه هو أصل كلّ المعاني، إنّه دالٌّ على كلّ الحالات المفترضة التي تفيض عنها التقابلات: يتعلق الأمر بحالة "وحدة الشهود"، حيث لا يرى المرء سوى الله، أو هي حالة "وحدة الوجود" حيث يرى المرء الله في كلّ ما يراه.
وبذلك عُدَّ التأويل عند الصوفي أداة لتحرير المعنى من قيود السياقات المألوفة، إنَّه تخليص للكلمات من طاقات التسمية والتعيين داخلها. ما يقود إلى انتشال الذات المتصوّفة ممَّا تراه العين عياناً، أو ممَّا يتشكل في الذهن باعتباره معادلات لعالم مصدره الإحالة على التجربة المشتركة وحدها. لذلك انزاح الصوفي عن المعجم المتداول بين المتخصّصين لكي يصنع معجماً خاصاً به وحده. فما يعيشه الصوفي في اللغة وفي الطقوس وفي تفاصيل حياته لا يمكن أن يكون سوى سبيل نحو الانغماس في "حالات استيهام" تستوعب كلَّ "حالاته"، بما يؤدي به إلى مطلق ينتهي عنده كلُّ شيء ضمن "مقام" هو الدال على "الفرق": «فناء عن الخلق بقاء للحق»، «فلا وجود للأعيان الثابتة خارج الذات الإلهيَّة»، فتلك ليست سوى ما يأتي من فيض هاته: ما يشدُّ إلى «الأفق المبين وهو نهاية مقام القلب»، أو ما يقود إلى «الأفق الأعلى، وهو نهاية مقام الروح». وفي المقامين انفصال الذات عمَّا يربطها بوجود عَرَضي في حياة ليس سوى ظاهر لجوهر هو الفناء، أي عودة إلى حالات استهواء قصوى ليست سوى الانصهار في الذات الإلهيَّة.
إنَّها عودة الذات إلى الواحد الكلي القادر على استيعاب كلّ التناقضات، أي استثارة حالة إيجاب مطلق تُصفي الكون من شروره (نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا). فإذا كان العقل يدرك التعدُّد وحده، ففي المتصل انتفاء للمعنى، فإنَّ الوجدان الروحي يُمسك بالهلامي والملتبس وما استعصى على التقاطبات الضديَّة، أي ما ليس مدرجاً ضمن آليات التأمُّل المنطقي. يتعلق الأمر بالانتشاء بما يمكن أن يوجد خارج الزمنيَّة وضدّها، ذلك أنَّ «الزمن محاكاة مشوّهة للخلود»، كما أعلنت الغنوصيَّة عن ذلك منذ قرون خلت، وهي تذمُّ الجسد/ القبر وتتبرأ منه. إنَّ الله يوجد خارج التقاطب، فهو «ليس محصوراً ولا محمولاً ولا محدثاً»، كما يقول المتصوّفة، «فهو ليس في شيء أو من شيء أو على شيء»، ومن قال بذلك فقد أشرك.
وبذلك تكون الصوفيَّة أقرب التجارب إلى التأويل الهرموسي (herméneutique) وأشدّها ارتباطاً بممكناته في تناسل السياقات رغبة في الوصول إلى ما يشكّل "جوهر" المعنى، ما كان يشكّل عند البنيويين الأوائل النقطة النهائيَّة التي ينتهي عندها كلُّ إمكان لوجود معنى، ما يوازي سدرة المنتهى أو "جوهر" الذات الإلهيَّة التي يفيض عنها الكون كله، «فالكلُّ لها، بل هي الكلُّ عينه» (ابن عربي)، ما يوازي بين "فيض" أوَّل هو من عند الله، وبين "شوق" إليه هو من عند الذات العاشقة. وهذا أمر تتضمَّنه الطبيعة التي يكون عليها "الحال" ذاته؛ فهو انفعال خالص، أي استهواء كلي لا يعرف التجزيء أو التفصيل، لذلك ستكون الاستكانة إلى محدّداته إلغاءً للوسيط المفهومي الذي يمنع الذات من الاستغراق في حسيتها الأصليَّة. فـ«بقدر ما يعرف العبد من ربه يكون إنكاره لنفسه، وتمام المعرفة بالله تمام إنكار الذات» (ذو النون المصري).
وتلك هي "حال الشهود" حيث لا يرى الصوفي سوى الله، ما يشبه الذوبان، أي مغادرة القمقم الجسدي والانصهار في ذات أخرى هي مصدر الوجود فيه، ما يُسمَّى في لغة الأهواء العودة إلى الحسّي الأدنى حيث لا شيء هناك سوى الانفعالات الخالصة، ما يوجد سابقاً على ممكنات الدلالة، وما يُعدُّ سبيلاً إليها في الوقت ذاته، كما يمكن أن تنبثق عن المتناقض والمختلف والمتشابه، فالواحد في ذاته لا متناهٍ، والثاني فيه حدٌّ للسلسلة، أمَّا الثالث فرابط بين الاثنين: تسبيح بحمد الممتد منه وإليه إلى ما لا نهاية. وتلك أيضاً "حال الوجود"، حيث ينهض الكون بكلّ موجوداته شاهداً على وجود الله وحده (وسع ملكوته السماوات والأرض)، فنحن لا نتوفر على لغة قادرة على الكشف عن ملكوت الله، لذلك يضعنا التأمُّل أمام عالم هو الدليل على وجوده، فنحن لا نستطيع تحمُّل شعاع النور كما هو في ذاته، لذلك لا نقوم سوى بالاستمتاع بالأشياء المنيرة. إنَّ النور الأصل هو الله ذاته.
لذلك يُدرج المتصوّف "الحالات" و"المقامات" مجتمعة ضمن الحنين إلى الواحد المطلق، الحقيقي في العقيدة أو المفترض في المتخيّل الإنساني. ففي هذا الواحد تنصهر كلُّ التناقضات ضمن "منتهى" في الزمان وفي المكان لا شيء قبله ولا شيء بعده. يتعلق الأمر بإحساس جديد يتجاوز حقيقة الانفعال، كما تصفه اللغة، لكي يطلق الطاقة الحسيَّة في الذات ويدفعها نحو الالتحام بالحسي في الوجود، تماماً كما هي التجربة الفنيَّة محاولة للإمساك «بالعيان العيني في ذاته فهو من يحتضن الذات المطلقة باعتبارها المثل الأعلى» (هيجل). إنَّ التأويل عند المتصوّفة كشف عن حقيقة، وليس إعداداً للسُبُل التي تقود إليها، كما هو الشأن في السميائيات. إنَّ السميائي معني بالسيرورة وحدها فتشكُّل المعنى جزءٌ منها، أمَّا الصوفي فلا يستهويه سوى الجوهر فيه.
وذاك أيضاً ما تشير إليه الأنوثة عند المتصوّف، فجزء كبير من مفاهيم تجربته العرفانيَّة مستوحى، بشكل صريح أو ضمني، من عوالم تحيل على فكرة التزاوج، حقيقة ومجازاً، فهو المنبع الذي يفيض عنه كلُّ شيء في الوجود: في الألوهة باعتبارها مصدراً لوجود أصلي، (الفيض الذي نشأ عنه الكون)، وفي المرأة باعتبارها تُحاكي من خلال جسدها فعل الخلق ذاته (الإنجاب). لذلك ليس هناك من شيء أقرب إلى سرّ الخلق ممَّا يمكن أن يصدر عن أنثى "تحيض" و"تستوعب" و"تأخذ" و"تعطي"، ففي جسدها إيقاع الطبيعة وتحوُّلاتُها، وهي مصدر الحياة وعودة إلى الأصل في الوقت ذاته. فمن الرحم نخرج وإليه نعود حين تبلعنا الأرض، وفي هذه وتلك كلُّ معاني العطاء. وقد يكون ذاك هو ما حاول غوستاف كوربات (Gustave Courbet) التعبير عنه في لوحته الشهيرة التي سمَّاها "أصل العالم"، حيث لم يلتقط من جسد المرأة سوى عضوها التناسلي وما يحيط به، فهو الأصل والنهاية والبوَّابة التي تشير إلى سبيل المجيء وسبيل العودة في الوقت ذاته.
إنَّ الخصوبة في الطبيعة عفويَّة، وهي عند المرأة مُستثارة، إنَّها حاصل تلاقح بين ذكر وأنثى. ومع ذلك، هناك تناظر دلالي قوي بين رحم الأم وبطن الأرض، وهو مصدر الدلالات الاستعاريَّة التي تجعل الفرد مشدوداً إلى حضنه الأوَّل. إنَّ الفعل الجنسي ذاته، بحسيته الصريحة، ليس سوى رغبة دفينة في العودة إلى جنَّة منها خرج الإنسان قسراً، ما يسميه أوتو رانك "صدمة الولادة"، حين أُجْبِر على مغادرة جنَّته والانغماس في معيش أرضي تحكمه المكائد والشرور. يتخلص المرء حين يعود إلى حضن الأم، أي إلى الأنوثة في مفهومها المطلق، ممَّا علق به من موبقات الممارسة النفعيَّة في حياته، إنَّ «وصل الحبيب هو الصفاء» (ابن حزم). إنَّنا نتطهر بالجنس من شرور الدنيا، ففي اللذة تنتفي الفواصل بين الجسد وبين العقل الذي يفكر فيه.
إنَّ إحالة الفعل الجنسي على الانصهار والفناء في جسد الآخر هو الظاهر في رحلة تتمُّ في الروح وحدها: هناك تناظر قوي بين احتكاك ذكر بأنثى (الاتحاد الآني)، وبين التحام الذات الفرديَّة بالخالق للكون (الانصهار الأبدي). لذلك "لم يكن الفعل الجنسي في المتخيّل الأسطوري وفي التمثلات الجماعيَّة «متعة فردية ونشاطاً شخصياً معزولاً، بل طقس يربط الإنسان المتناهي بالملكوت اللامتناهي. يتعلق الأمر بعبادة يكرّر فيها الفرد على المستوى الأصغر ما قامت به القدرة الخالقة على المستوى الأكبر»"[3].
وهو ما تشير إليه أسطورة عشتار التي جسَّدت ألوهة أنثويَّة تعلق الناس بها طويلاً، فقد « ولدت ابنها، شقها الذكري الكامن فيها منذ الأزل، ثم تزوَّجته لتُخصب نفسها به فتستعيد قوتها الإخصابيَّة الذاتيَّة التي أطلقتها نحو الخارج»[4]. لا يبحث الرجل، وهو الراشد العاقل، عن متعة وهو يُقبّل حلمتي نهدي زوجته، بل يرغب في استعادة الأمومة التي ضاعت منه.
لذلك لا يتجلى "الانتصاب الصوفي" في الجسد، بل في قدرة الانفعال على التخلص من العابر فيه، لكي يصبح "حالاً"، أي وَجْداً يقتات من عشق دائم. وعلى عكس كتب الإباحة التي روَّج لها الكثير من الفقهاء، فإنَّ المرأة في نظر الصوفي كيان استعاض عن الحسيَّة فيه بالروح الاستعاريَّة المنبثقة منه. إنَّ تفاصيل الشبق والإيروسيَّة ليست سوى ظاهر لغابر هو التعبير عن "إيقاع" خاص لحركة الذات داخل العشق الصوفي. وبذلك تتحوَّل الأنوثة، في وعي الصوفي، إلى رحم كوني منه تنبثق الحياة وإليه تعود. وهي الصيغة الاستعاريَّة الكبرى التي يشير إليها المثل العامّي عندما يربط بين الدار والمرأة والقبر (قبر الدنيا)، أو بين حاجة هذا إلى ذلك: الولوجي والاستيعابي، السيف الباحث عن غمده، أو الخيط الذي يتحسَّس طريقه إلى سم الإبرة.
استناداً إلى هذا الترابط بين ظاهر عياني وبين ملكوت تختصره اللغة الصوفيَّة في الكثير من الحالات في النور، يبني الخطاب الصوفي تصوُّره للحقيقة. فلا شيء في الوجود قادر على تجسيد جزئيَّة منها إلا بالإحالة على واحد أحد هو الحقيقة ذاتها. "فالنور" و"البهاء" و"الضياء" و"الإشراق" و"التجلي" و"الكشف" كلها مفاهيم تحتفي بجوهر الحقيقة باعتبارها كلّ ما يتغنى بالذات الإلهيَّة القادرة على النفخ من روحها جزءاً من الحقيقة في مخلوقاتها. إنَّ الحقيقة، بعبارة أخرى، ليست في ما تقوله النصوص في منطوقها، فلا يمكن للعبد المنغمس في الملذات أن يدرك سرَّها، إنَّها في نصٍّ آخر يُبنى في التأويل، أي ما يمكن أن يُلغي الفواصل بين الذات وبين الموضوع الذي تتأمله.
لقد كان على الصوفي أن يؤوّل النص لكي يصل إلى "الخالص" في كلّ شيء، في "الحق" و"الخير" و"الصدق" و"الجمال"، أي التوق إلى إيجاب مطلق ضمن دائرة تخلو من زمنيَّة شريرة في النفس وفي المحيط. لذلك واجه المتصوّفة الشرَّ في الطبيعة فتغنَّوا بالنور الذي هو، في مجمل السياقات، مصدر للحقيقة والوضوح والصفاء والطهارة والرؤية الصاحية. ولكنَّه نور لا يُسلم نفسه إلا من خلال إجلاء طبقات النصوص الظاهرة، للوصول إلى ما يشكّل جوهره، أي حقيقة لا يملكها أحد، فهي عند الخالق وحده، ونحن لا نقوم سوى بالبحث عنها.
بعبارة أخرى، إنَّ التأويل عند الصوفي ضرورة، لا بحكم ما يتسرَّب إلى الذات من بقايا معانٍ لا معادل لها في حقيقة الوجود، بل لأنَّ التمثيل المفهومي ذاته ناقص، فالعاجز عن الإحاطة المباشرة بالعالم لا يمكنه ادعاء امتلاكه. فنحن، مثلنا في ذلك مثل الصوفيَّة، منتجات لغة ليست وفيَّة دائماً لما تقوم بتسميته. لقد كان الصوفي يبحث عن تجدُّد الظاهر وتنوّعه في الكلّي، ففي «الألوهة سرٌّ إن انكشف سقطت الألوهة ذاتها».

[1]- نشر هذا المقال في مجلة يتفكرون الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 10، 2017
[2]ـ حديث يُنسب إلى الرسول، يقول: "كنت كنزاً لا أعرف، فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً فعرفتهم بي فعرفوني".
[3]ـ فراس السواح: لغز عشتار، أصل الألوهة والدين والأسطورة، دار علاء الدين، الطبعة السابعة 2000، ص 178.
[4]ـ نفسه ص 175.