مهانة "التشيؤ".. هل تحولت المرأة إلى سلعة؟



"لا يسع المرء إلا أن يقابل بضحك فلسفي كل من لا يزال يريد أن يتكلم عن الإنسان وعن ملكوته وعن تحرره؛ فسيضمحل الإنسان مثل نقش على رمال الشاطئ تمحوه أمواج البحر، بدأ العالم من دون الإنسان وسينتهي من دونه، ولا نتأكد في أيامنا هذه من مثل نهاية الإنسان". (ميشيل فوكو)


التشيؤ مصطلحًا
إنَّ القضية المحورية الأولى التي يجاهد الإنسان في سبيلها بهذا العصر هي إنسانيته وموقعه الوجودي في ظلال الحداثة التي تسلبه الجوهر وتعيد تصنيعه بما يتلاءم معها هي لا ما يناسبه هو.
وترى الدكتورة هبة رؤوف عزت أن القيمة المركزية للإنسان جعلت المسيري يعد الإنسان معيارًا لقياس التقدم الذي تدعيه الحضارة الحديثة؛ وذلك منذ عصر النهضة الذي ساهمت فيه بقوة الحركة الإنسانية وإلى عصر الحداثة وما بعدها؛ فقد جعل مفكرو عصر النهضة من الإنسان معيار المعرفة الحقيقية ومركز الفكر وغاية الفعل، ثم لم يلبث أن خرجت الحركة الإنسانية عن مسارها نتيجة فهمها المغلوط للإنسان.
 هكذا بدأت الحداثة على النمط الغربي بادعاء الإعلاء من شأن الإنسان؛ إذ وضعت الإنسان في مركز الكون وتبنَّت منظوماتٍ أخلاقيةً مطلقةً تنبع من الإنسان باعتباره كائنًا متميزًا ومختلفًا عن (الطبيعة/المادة)، سابقًا عليها وله معياريته ومرجعيته وغائيته الإنسانية المستقلة عنها.
لكن هذه الرؤية الإنسانية تطوَّرت من خلال النسق المادي الذي يساوي بين الإنسان والطبيعة ومن خلال تصاعد معدَّلات العلمنة والترشيد الإجرائي حسب مفهوم "ماكس فيبر" وانفصال العلم والتكنولوجيا عن القيمة، وانفصال كثير من مجالات النشاط الإنساني -الاقتصاد، السياسة، الفلسفة، العلم- عن المعيارية والغائية الإنسانية إلى أن فَقَدَ الإنسان مركزيته وأسبقيته على (الطبيعة/المادة) وتحوَّل إلى جزء لا يتجزَّأ منها وأصبح هو الآخر مادة من دون مرجعية ولا غائية ولا إنسانية[1].
إذن فنحن نعيش في عالم يحوِّلنا إلى أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمس، وحسب المسيري فإن أدقّ وصف لهذه التحوُّلات هو مصطلح "تشيّؤ"؛ أي: أن يتحول الإنسان إلى شيء، حيث تُطَبَّقُ الصيغ الكمية والإجراءات العقلانية الأداتية على الإنسان إلى أن يتساوى الإنسان وعالم الأشياء والسلع؛ فتسقط المرجعية الإنسانية وتصبح (الطبيعة/المادة) أو (السوق/المصنع) هي المرجعية الوحيدة النهائية؛ فتنتفي إنسانية الإنسان وتعمل فيه آليات التشييئ والتنميط والتفكيك[2].
وبعيدًا عن نسق السردية المظلومية التي بات يُصنّف أيُّ حديث عن المرأة في سياقها؛ فإنّ هذا التشيّؤ العام للإنسان ألقى بظلالٍ ثقيلةٍ عليها يستوي في ذلك تشييؤها نفسه واتخاذها أداة له، ولا سيما في وطن يشهد انتقالاتٍ فكريةً واستيراد نظرياتٍ دخيلة لا تلائم بنيته الاجتماعية العميقة، وحضارته العريقة، وتختلج بين جنباته هزاتٌ ثورية تسعى -فيما تسعى له- إلى مخاطبة المرأة على أنها مواطن مسؤول ملتزم بالعقد الاجتماعي في إطار ثقافة لا تتنقاض مع مجتمعها وقيمه الصحيحة الأصيلة، في سعي إلى اجتراح طريقٍ ما بين التغييب الكلي والوجود المختزل الممسوخ.
تشيؤ الجسد
الجسدُ معبرُنا إلينا وإلى الآخر، به ندرك هويتنا ونعقد علاقتنا، ولم تكن الروح المغيبة عنّا والباعثة للحياة فينا إشكاليةً حيّرت الفلاسفة بل إنَّ الجسد المحسوس والمُعَاين كان محطَّ إشكاليَّةٍ بين الفلاسفة؛ ابتداءً ممَّن رآه متعفِّنًا أمامَ الروح الطاهرة التي تحفظ للجسد طهارته إلى نيتشه الذي أراد أن يُعيد للجسد هيبته المعتبرة بوصفه وسيلة الانخراط في الحياة الأرضية.
ونيتشه في إعادة تقييمه للجسد أكد أهمية الجسد، وانتقد في  "جينالوجيا الأخلاق" القيم التي أعطت الأولوية للعقل على الجسد مما سببَّ  في نظره للجنس البشري الإحساسَ بالذنب والمعاناة التي ولَّدت شعورًا بالضغينة، وبناء على هذا فإنَّه يرى أنَّ العقل ليس من مادةٍ مختلفة عن الجسد [3]، وأنّ الجسد أداة عظمى للتفكير[4].
وما بين الابتذال والتقديس يبقى الجسد علامة الوجود الإنساني المحسوسة رغم النظرة إليه الخاضعة إلى تحولات فلسفية، واختلافات اجتماعية تحكمها ثقافة البيئة المجتمعية.
وعندنا كثيرًا ما كان الجسد مُسَوَّرًا بالحيطة في التكشف والحذر في التعاطي، إضافة إلى الخصوصية التي أضفتها عليه القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية بالنهاية، بيد أنَّ هذا كله لم يمنع من انحدار جسد المرأة عربيًّا في وادي التشيؤ وبالتالي اتخاذه سلعة للترويج الإعلاني والجذب التلفزيوني تمثيلًا وغناءًا، مما صدَّر جسد المرأة واجهةً للكسب المادي والاستقطاب، وهذا التصدير ساهم عميقًا بالتأثير على وشائج المجتمع وبناء الأسرة فيه، وتطاول فجعل نظرة التشيؤ التي تظهر بها المرأة في الواجهات الإعلانية تطال أي امرأة عادية؛ بعد تأثيره سلبًا على إدراك أبناء هذا المجتمع.
وكان المسيري قد تحدث في مقاله "الفيديو كليب والجسد والعولمة" عن مسيرة الغناء العربي وتنقّله ما بين السامي معنى ولحنًا المحفوف بالقداسة والروحانية والإيحاءات المتناسبة مع حياء الإنسان وقدسيّة علاقاته مع المرأة ومع مكونات المجتمع، وما بين المبتذل معنى ولحنًا المشفوع بفيديو كليب يضجُّ بالإيحاءات الجنسية والرقص بالحركات الأفقية الأكثر وَقْعًا وتأثيرًا، مما يجعل الرائي مستسلمًا لإغواء الصورة.
وختم المسيري مقاله بسؤال "هل من سبيل لوقف هذا التدهور المستمر؟[5]، ومع الأسف فالواضح أن هذا التدهور يهوي في قاعٍ لا يلوحُ منتهاه ولا يُتنبَّأ له بقعر، وما كان يراه المسيري مبتذلًا أمسى الآن محتِشمًا أمام ما نراه وما نعاينه من تطور في محتوى الفيديو كليب والإعلانات والمسلسلات والأفلام الذي بات فيها التسليع الجنسي للمرأة وتحويل جوهرها من إنسان إلى شيءٍ للنظر والاسمتاع بات بواحًا وقحًا، تستخدم فيه  المرأة -فيما تُستخدم له- أداة لتغيير رؤية المجتمع لها وتحوير موضعها فيها وربطها ذهنيًا بما يُرى لا بما يجب.
فكر وسياسة
كنّا قد بيَّنا أنَّ مجتمعنا يخضع لارتجاجات فكرية تحاول المرأة من خلالها أن تعيد وضع نفسها في المكان المجتمعي المناسب والمتوافق مع القيم الأصيلة والتحولات اللازمة، ساعيةً إلى فرض نفسها بوصفها (إنسانًا/جزءًا) من المجتمع متكاملًا معه غير متمايز عنه، ومسؤولًا ملتزمًا بعقدٍ اجتماعي، ونائيًا بنفسه عن المطالبة بحقوقٍ ممسوخة، أو سرد بكائيات المظلومية والاستعباد من الجنس الآخر، وقد يغدو الطريق طويلًا وشاقًّا أمام المطرقة التي تهوي على الصورة المنطبعة قبل الثورة والانفتاح الفكري غير الحقيقي بغية هدمها.
لا سيما أنَّ تلك الصورة تُعومل معها من قبل مؤيديها والساعين إلى هدمها بطريقة غير سليمة على حد سواء، طريقة تعزز كون المرأة شيئًا أو سلعةً أو ورقة جوكر وديكور سياسي يُؤتى به لدفع التهمة.. تهمة هضم حقوق المرأة والانغلاق وجَبِّ الغيبة، سيّان بين من يطالب بحقوقٍ ترسّخ التسليع على كل الأصعدة، ومن يمنّ بحقوق خلّبية.
ممّا يعني أنَّ المرأة قد تُشيّؤ سياسيًّا؛ حيثُ يرُوّج من خلالها لفكرة الانفتاح وإعطاء الحقوق، ولعل فكرة الكوتة النسائية المفروضة سياسيًّا مثالٌ واضح، ونتيجة ظاهرة للاوعيٍ مبطّن.
ووفق مشاهدات لشبابٍ منخرطين في العمل مع المؤسسات الإسلامية فإنه أثناء التحضير للمحافل الفكرية والسياسية، تلك التي تُصَدُّر فيها شخصيات للكلام أو الانضمام للوفود يوجّهُ فيها السؤال الدائم للقائمين على التحضير لهذه المحافل: اقترحوا علينا امرأة للمشاركة! لا: أعطونا كفئًا؛ ذلك أنه لا ينبغي أن تخلو المؤتمرات الصحفية والمحافل الفكرية والمهرجانات من امرأة محجبة عند الإسلاميين أو غير محجبة عند غيرهم، لتكون صورتهم لامعة تستقطب الرضا، وتعطي انطباعًا عامًّا وعالميًّا إيجابيًّا.
وهذا تصرّف لا يعدو كونه تسليعًا ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله المهانة الخفية، فمع محاربتهم للتسليع الإعلاني والتلفزيوني للمرأة زلّوا في مأزق تسليع لا يقل وطأة عن الأول، وقد يزلُّ الفتى خوفًا من الزلل، وربما يغدو هذا نتيجة طبيعية للتعامل مع القضية برد فعلٍ يسعى فقط إلى أن يثبت للآخر أنه المانح للحقوق والمكانة، فراحوا يقدمون المرأة لا للكفاءة والعلم وإنما لضرورة وجود امرأة أمام الكاميرات والشاشات وفي الوزارات وفي صفوف القيادات الأولى، فيأتي وصف المرأة أولًا ووصف الكفاءة ثانيا وهذا بحد ذاته تسليع جليّ.
وفي إغراق في هذا المستنقع الجدلي أكثر بتنا نشهد في الآونة الأخيرة نشاطات يقوم عليها إسلاميون، تتقدم فيها امرأة غير محجبة عريفةً لمهرجان ومديرة لندوة أو حوار؛ في محاولة إثبات حالة تقبل المخالف وإدماجه، وإرسال رسالة للآخر أننا بتنا أكثر انفتاحًا وانطلاقًا.  
ومن تحت ركام هذا كله تسير المرأة إلى جانب "ديوجين" في وضح النهار تفتّش عن الإنسان فيها وعن طريق يضعها موضعها، وعن نخب تحترمها لكفاءاتها وتقدمها لفكرها وتبحث عنها لأنها هي المحور المبتغى، لا لتلميع صورة أو دفع تهمة أو ترويج يلبس ثوب الفكر وقد تعرّى في داخله من كل إرادة احترام الإنسان لإنسانيته.

المصادر