يورغن هابرماس.. فيلسوف النقد والتواصل

حمزة المجيدي

 الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني المعاصر يورغن هابرماس واحد من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية[*] وأكثرهم شهرة وأغزرهم  إنتاجا، فقد بلغ مجموع مؤلفاته قرابة خمسين كتابا تدور حول مواضيع شتى في الفلسفة السياسية والعلوم الاجتماعية، وترجع أهمية دور هابرماس إلى ارتباط مشروعه الفلسفي الوثيق بالواقع، فقد كانت اهتماماته الفلسفية كما مواقفه المبدئية مرتبطة بمصير ألمانيا وملتزمة بهموم المجتمع والدولة الألمانية بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى وصفه وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر بأنه "فيلسوف الجمهورية الألمانية الجديدة"، وذلك منذ أكثر من خمسين عاماً [2].

تدور نصوص هابرماس حول إشكال مركزي، إشكال الحداثة وعلاقة الذات بالآخر، وقد تبلور هذا الإشكال عند هابرماس إبان حقبة الحكم النازي في ألمانيا الذي تأسس على مبدأ تفوق الذات الألمانية والعرق الآري، مرتكبا -والحديث هنا عن الحكم النازي- فظاعات بحق الأجناس والأعراق الأخرى المختلفة عنه، وقد تحدث هابرماس عن هذا قائلاً "أنتسب إلى جيل المثقفين الألمان الذين كبروا خلال المرحلة النازية، ونضجوا ثقافيا عند نهاية الحرب العالمية الثانية، وعاشوا في إطار جمهورية ألمانيا الفدرالية، وأصبحوا أساتذة لما بدأ طلبة فترة الستينيات يتمرّدون ويثورون"[3].
إن هدف فلسفة هابرماس هو التأسيس لأخلاق تواصلية تقوم على أساس الاعتراف بالآخر والتحاور معه دون ادعاء أي من الطرفين بامتلاك الحقيقة داخل فضاء عمومي مشترك، وقد اتسم مشروعه بنقد النتائج المدمرة التي أفضت إليها صيرورة العقلانية المستمرة لكل أشكال الحياة المعيشة من جهة، ومن جهة أخرى يؤكد تمسكه بالمشروع التنويري ووعوده التحررية مناهضاً بذلك الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت نفسها الذين أبدوا يأسا من المشروع الحداثي.[4] 
محطات من حياة هابرماس
ولد يورغن هابرماس عام 1929 في غومرسباخ، وهي مدينة صغيرة تقع قرب مدينة كولون الواقعة غرب ألمانيا، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية 1939، لم يكن هابرماس قد تجاوز سن العاشرة، وفي عام 1944، أي قبيل انتهاء الحرب العالمية بعام واحد، جُند في معسكرات "شباب هتلر" التي كانت منتشرة في عموم ألمانيا، وبعدها بفترة وجيزة أرسل للقتال في الجبهة الغربية[5].

تركت هذه الأحداث أثرا كبيرا في تكوين هابرماس الفكري واهتماماته السياسية والاجتماعية، وهو ما أقر به في أحد لقاءاته قائلاً "لقد أثّرت فيّ أحداث الحرب الثانية بشكل خفي"[6].
بدأ اهتمام هابرماس بالقضايا العامة بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، إذ سرعان ما عرف الفظائع النازية من البث الإذاعي لمحاكمات نورمبرغ التي طالت قادة الحزب النازي، فشرع بالاطلاع على أسس ومكونات الحداثة الغربية وتاريخها، وقد كان في تلك الفترة معجبا بشخصية الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر الذي ذاع صيته في أوروبا كلها عقب الحرب العالمية الثانية، وذلك لتمسكه بالحرية واستماتته في الدفاع عنها[7].
بعد انتهائه من الدراسات العليا عام 1955، عمل هابرماس صحفيا لمدة عام واحد، وفي تلك الفترة اقترح عليه أحد أصدقائه في الصحيفة أن يلتقي أحد أهم رموز مدرسة فرانكفورت النقدية، وهو الفيلسوف تيودور أدورنو في فرانكفورت، وكان أدورنو قد قرأ نصاً لهابرماس بعنوان "جدلية العقلنة" بدا فيه متأثراً بأدورنو نفسه خاصة في كتابه الذي أنجزه مع هوركايمر "جدلية العقل"، لذ لم يتردد أدورنو بأن يعرض على هابرماس أن يعينه أستاذا مساعداً له، وهو ما حدث عام 1956. وفي حديثه عن عمله بجوار أدورنو، قال هابرماس "إن أدورنو هو العبقرية التي لم يسبق لي التعرّف على مثيل لها"[8].
ورث هابرماس عن مدرسة فرانكفورت النقدية تقاليدها في نقد الحداثة التي كشفت عن الجوانب المدمرة للعقلانية وآليات السيطرة والضبط التي قدمتها المعرفة التقنية للسلطة، إلا أن هابرماس نحا منحى مختلفا عن أسلافه في مدرسة فرانكفورت، بما في ذلك أستاذه أدورنو نفسه، حيث لم يقف عند آفات العقلانية الأداتية[**] كما فعلت مدرسة فرانكفورت، بل تجاوزها ليؤسس لعقلانية تواصلية تستند على مبادئ قيمية وأخلاقية تتلافى علات العقلانية الأداتية.
في عام 1971، تسلم هابرماس منصب مدير مركز ماكس بلانك وعمل فيه حتى عام 1983، بعد ذلك عاد إلى عمله في فرانكفورت مديرا لمعهد البحث الاجتماعي واستمر فيه حتى تقديمه استقالته عام 1993، متفرغا بعدها للكتابة والنشر على نطاق واسع، ومن أبرز مؤلفاته "الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي" (1983) و"العقلانية والدين" (1998) و"جدل العلمانية" (2007).[10]

في مسيرته الفكرية، نال هابرماس العديد من الجوائز التقديرية لمساهماته الفكرية، منها "جائزة أمير إسبانيا للعلوم الاجتماعية"، و"جائزة ثيودر أدورنو" في عام 19800، و"جائزة السلام" من جمعية الناشرين الألمان، إلا أن أهم الجوائز هي جائزة جون دبليو كلوج في واشنطن التي نالها في عام 20155،  وتُعد هذه الجائزة أرفع تكريم يناله فيلسوف على أعماله مدى حياته حيث تبلغ قيمتها 1,5 مليون دولار أمريكي[11]. 
أهم الملامح الفكرية في مشروع هابرماس
واحدة من أبرز سمات المشروع الفلسفي لهابرماس أنه ربط مشروعه الفلسفي بمصير ألمانيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فعُرف بانخراطه الدائم في المناقشات العمومية التي شهدتها ألمانيا وأوروبا بعد الحرب الثانية، وقد ورث هابرماس ذلك الهم والقلق الألماني الذي ولدته النازية، لذلك ألـح كثيرا في نظرية "الفاعلية التواصلية" على أنسنة عمليات العقلنة من خلال إضفاء أبعاد قيمية تواصلية مع الآخر [12].

ينطلق مشروع هابرماس من اعتبار أن "الحداثة مشروع لم يكتمل"، وهو بذلك لا يعلن القطيعة معها كما يفعل فلاسفة ما بعد الحداثة[***]، ذلك أن مسعاه النقدي يتمثل في تقويم الحداثة والعقلانية من خلال تأسيس معايير أخلاقية تقوم بضبط عمليات العقلنة وتحركاتها، وتتأسس  هذه المعايير على اعتبارات التواصل والاعتراف بالآخر.
ومن أجل صياغة مفهومه للفاعلية التواصلية وللمجال العمومي الحديث، اضطر هابرماس إلى إعادة النظر في مسألة الحقيقة، إذ لم تعد الحقيقة معطى جوهريا سابقا على الوجود الانساني، إنما هي نتاج لعملية تبادل البراهين والحجج، وهي بذلك تتويج لاتفاق ذي طبيعة اجتماعية، وهذا ما يسميه هابرماس بـ"النظرية الإجماعية للحقيقة"، حيث تغدو الحقيقة نتاجا للتداول العمومي والنقاش العام، والإجماع الذي ينتج عن هذا التداول[14]، ومن هنا يدعو هابرماس إلى التواضع في الإعلان عن الموقف، لأن ذلك من شروط الحوار، والاعتراف بإمكان الوقوع في الخطأ مبدأ من مبادئ النقاش العمومي، فلا شيء معفي من السؤال والنقد والمناقشة، وكل الموضوعات إنما تكتسب شرعيتها من خلال المناقشات العمومية التي تتيح الوصول إلى الحقيقة الإجماعية[15].
وإذا لم تكن مرجعية لسلطة سوى سلطة العقلنة والبرهنة يتعين على الجميع المشاركة في الحوار وفي خلق المعاني والرموز، "فالمشروعية لا تتأتى إلا من خلال التفاهم والإجماع المتحرر من أي ضغط أو مساومة أو سيطرة، على اعتبار أن الإجماع الناتج من التفاهم البرهاني لا يستمد صدقيته إلا داخل مجال عمومي حر يستجيب لمقاييس الفاعلية التواصلية"[16].
يتعلق الأمر إذن بضرورة تقويم الحداثة من خلال خلق صيغ تواصل مع الآخر تستهدف إتاحة المجال العام لتداول ومناقشة حرة تصل بالمجتمع إلى بناء إجماع حر بلا إكراهات أو ضغوط، بمعنى أن المشروعية السياسية تفترض أخلاقاً ومعايير، وأن الحداثة السياسية يمكن إصلاحها إذا استجابت لمعايير التواصل التي اقترحها هابرماس[17].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
* مدرسة فرانكفورت النقدية حركة فلسفية نشأت بمدينة فرانكفورت سنة 1923. بدأت الحركة في معهد الأبحاث الاجتماعية بالمدينة. وجمعت فلاسفة مثل ماكس هوركهايمر، ووالتر بنيامين، وثيودر أدورنو، وعُرف عنها نقدها للحداثة وتقنيات السلطة والهيمنة. 

** العقلانية الأداتية هي العقلانية التي تهتم بالوسائل والإجراءات بلا تساؤل عن شرعية هذه الوسائل وغاياتها الأخلاقية، وما إذا كانت مفيدة للإنسان أم مدمرة له. 

*** ما بعد الحداثة قصد بها النظريات والتيارات الفلسفية والأدبية التي قامت بنقد أسس الحضارة الغربية القائمة على مقولات العقلانية والوعي والذات.

المصادر: