في حوار خاص مع مدونة عن كثب، الباحث الجزائري فيصل صاحبي يتحدث عن علاقته بأمبرتو إيكو والسيمياء وأشياء أخرى

في سلسلة الحوارات التي تجريها مدونة عن كثب، مع مفكرين ومنظرين وباحثين متميزين من مختلف التخصصات، يسعدني أن أجري هذا الحوار الحميمي والممتع مع الباحث والكاتب فيصل صاحبي، أستاذ بقسم علوم الإعلام والاتصال بجامعة وهران وأستاذ مُشارك بقسم الدراسات السمعية والبصرية بجامعة السوربون الجديدة باريس 3، أين يحضر شهادة دكتوراه في الدّراسات السينمائية. عضو بالجمعية الدولية للسيميائيات و أحد أفلام موقع هوفينغتون بوست مغرب عربي الإعلامي.
في هذا الحوار سنتطفل على  باحثنا المتميز  من خلال مكان تواجده؛ وللأمكنة سيمياؤها الخاصة، لنعرج إلى علاقته بالفيلسوف وعالم السيمياء الإيطالي أمبرتو إيكو، ومن خلاله سنتطرق إلى بدايات ودواعي اهتمام فيصل صاحبي بالسيمياء، ثم محاولة التعرف على وجهة نظره حول واقع البحث الإعلامي في الجزائري انطلاقا من احتكاكه بالساحة الأكاديمية الفرنسية والأوروبية.

أتمنى لكم قراءة ممتعة ومفيدة.

أجرى الحوار: باديس لونيس

مدونة عن كثب: أستاذ فيصل صاحبي، أين أنت الآن؟

الباحث فيصل صاحبي:

أنا الآن بمقهى القط الأسود بباريس، بين مسجد عمر ابن الخطاب و ساحة الجمهورية  Place de la République  و على بضع مئات أمتار من قاعة كتبت أجزاء من أطروحتي للدكتوراه. إذا جئت إليه في الصبيحة أو الظهيرة وجدت فيه صمت شبه مقدس، لا يختلف كثيرا عن صمت المكتبات، حيث الكلّ منهمك في قراءة كتابه أو كتابة نص على كمبيوتره المحمول. أمّا إن أتيته مساءا فهو أحد الأماكن القليلة في باريس أين يُمكنك الاستماع إلى فيروز أو عبد الحليم حافظ بين وصلتي موسيقى  جاز. فالحيّ هو أحد أكثر الأحياء الباريسية امتزاجا و تفتّحا على الآخر.  أعود إليه كلّما سنحت الفرصة بعد أن قضّيت به أشهر عديدة ملاحظا ما يجري به و ما يجري بعالمنا المعاصر بعد الاعتداءات الارهابية التي شهدتها العاصمة الفرنسية في السنين الأخيرة و التي اكتشف من خلالها الفرنسيون ما خبرناه طيلة عقدين : الإرهاب. الحي هو كذلك فضاء تعبير و ديمقراطية من خلال ساحة الجمهورية، التي بعد أن إستغلّها الخطاب الرسمي في توحيد صفوف الفرنسيين بعد إعتداءات الباتكلان، أصبح فضاءا عموميا بديلا و جديدا يُعبّر فيه الشباب الفرنسي (في شقّه اليساري، المناهض للعولمة و المساند لقضايا العالم الثالث) عن امتعاضه و رفضه لسياسات الحكومة الفرنسية عن طريق حركة Nuit Debout  أين تصبح الساحة  كلّ مساء، و إلى ساعات متأخّرة من اللّيل فضاءا للنقاش، للتوعية السياسية و الاحتجاجات السلمية، و حدث كثيرا أن ينضم إلى هؤلاء الشباب  في نقاشاتهم مفكرون فرنسيون و أجانب كبار بشكل عفوي و من دون سابق تحضير, أذكر على سبيل المثال إدغار موران Edgar Morin و ريجيس دوبيره Régis Debray

مدونة عن كثب: تربطك علاقة مميزة بأمبرتو إيكو، هل يمكنك أن تحدثنا عن شخصية وأفكار هذا الفيلسوف؟ وعلاقتك به؟

الباحث فيصل صاحبي:

علاقتي بأمبرتو إيكو بدأت مع نحضيري لمذكرة الماجستير أين اكتشفت كتاباته وأفكاره. الغريب في الأمر أنّي لم أكن أعرف عنه الشيء الكثير أثناء دراستي في مرحلة الليسانس، رغم وجود مقياس السيميولوجيا و الذي اختصر الحديث فيه  حول شخصي دي سوسير و بيرس. بعد ذلك بدأت كانت أولى لقاءاتي بالسيميائي الإيطالي عن طريق كتاب بعيد عن السيميولوجبا هو كتاب N’espérez pas vous débarasser des livres، و هو كتاب محاورات بين إيكو و الكاتب الفرنسي جون كلود كاريار. إكتشفت فيه حينها مفكّرا حرّا، موسوعيا، و عالما. من هنا بدأت رحلتي مع هذا الكاتب الذي إعتمدت عليه كثيرا في مذكّرة الماجستير و من بعد ذلك في بناء نموذج لتحليل تلقّي الفيلم السينمائي بمناسبة رسالة الكتوراه.
في سنة 2013، انتقلت إلى مدينة بولونيا الإيطالية و مكثت مدّة أسبوعين بجامعتها أين درّس إيكو سنين طويلة و أين كان يٌقدّم محاضرة شهرية يحضرها المئات من الشغوفين. كان أملي باللّقاء به كبيرا، لكّنه كان يسكن مدينة ميلان منذ تقاعده الرسمي و لا يعود إلى بولونيا إلاّ بمناسبة المحاضرة و لا يستقبل الكثير من الناس بسبب مرضه. بعد إلحاح يومي من طرفي و خصوصا عطف سكريترته الخاصّة (التي كان يعمل والدها طبيبا في الجزائر) أمكن لي ملاقاته بمكتبته، بمعية اشخاض آخرين جاؤا لنفس الغرض. سألني أثناء المقابلة التي لم تدم أكثر من أربعين دقيقة، أكثر ممّا سألته. (والحقيقة أنّي لم أجرأ على سؤاله).  كان،  رغم سنّه و ضعف سمعه،  فضوليا و يرغب في معرفة التفاصيل الحيّة و شهادتي كشاب أوّلا عمّا يحدث في المنطقة العربية، و كنّا يومها غداة ما كان يُعرف بالربيع العربي.  أتذكّر أنّه حتّى لو أظهر بعض الإعجاب بمقدرة الشباب على الابداع و على خلق عالم جديد غير أنّه في ثنايا حديثه كان هناك بعض الحذر من نوايا و تلاعب وسائل الاعلام الكبيرة و التقليدية  أو Mainstream كمّا سماها.
بعيدا عن شخصه، أتذكّر أنّي قرأت في كتابه "العلامة" أحد أكثر تعريفات السيميولوجيا بلاغة حين يقول أنّها دراسة الظواهر الثقافية على أنّها عمليات اتّصالية. فهمت من خلال هذا التعريف أمورا كثيرة و أدركت مدى شساعة و أهمية هذا العلم، الذي يُحاول البعض حصره في فكّ شفرات لوحات دا فنسي.

مدونة عن كثب: لديك اهتمام خاص بالسيميائيات، ما الذي دعاك إلى ذلك؟ حدثنا عن حضورك للمؤتمر العالمي الأخير حول السيائيات والحضور العربي والجزائري فيه.

الباحث فيصل صاحبي:

أوّل ما قرات من السيميولوجيا هو كتاب أساطير لرولان بارث في سنتي الأولى جامعي، و لم أكن أعي حينها جيّدا أنّه محاولة تحليل سيميولوجي. و ما أعجبني فيه سلاسته، تحليله لظواهر من الحياة اليومية تبدو في ظاهرها تافهة أو دون أهمّية. و في الحقيقة هكذا أرى الأشياء حينما يتعلّق بالسيميولوجيا. و المشكل أنّه في الجامعة الجزائرية أو على الأقّل في الجامعات التي أعرفها، تُدرّس السيميولوجيا جامدة نظرية أو كما لو كانت علم ألغاز و أحاجي لا توجد منه جدوى في فهم ما ما يدور حولنا. و لو ترّوينا قليلا لا فهمنا أنّ العالم المُحيط بن، من أبسط ظواهره إلى أعقدها هو مجال تطبيقي للمقاربات السيميولوجيا. فأنت إن تمّعنت في المحاولات السيميائية في الجزائر، لوجدت أغلبها يتعلّق بنفس المواضيع التي يُمكن رصدها على يد واحدة. في حين أنّ هناك الكثير من المواضيع التي تتطلّب منّا جهدا سيميائيا. ففهمنا للمجتمع الجزائري، انشاغالاته، ارهاصاته، مخيالاته سيكون قاصرا إن لم نعتمد على مقاربة سيميائية لفهمها. أنا شبه متأكّد، و قد كتبت مقالا في هذا الاتّجاه، أنّ الأزمات التي مرّ بها المجتمع الجزائري، و على رأسها العشرية السوداء، كان يُمكن التنبؤ بها لو أحسنا الإنصات إلى بعض إشاراتها في البُنى الرمزية للمجتمع و افرازاته (و منها الفنّية) عن طريق العلوم الانسانية و السيميولوجا خصوصا. لكن للأسف الجامعة الجزائرية لا تقوم بدورها كاملا. ضف إلى ذلك مشكلة أخرى هي اللّغة، فالكتابات القليلة في السيميولوجيا، إن لم تكن ترجمات صريحة أو غير مباشرة تُكتب باللّغة العربية و لجمهور الطلبة لا غير. بحيث أنّ عائق اللّغة يحول دون وصولها إلى المؤسسات الاقتصادية و الاعلامية (التي تستخدم أساسا اللّغة الفرنسية و الانجليزية). أتذكّر أن وكالة اشهارية كبيرة اتّصلت بي لحاجتها إلى استشارة سيميائية و كانت تجهل وجود سيميائيين بالجزائر. قبلها كانت تعتمد على خبرة علماء اجتماع مفرنسين أو زملاء من المغرب و تونس رغم جهلهم بحيثيات  المجتمع الجزائري. و لمّا حاولت تعريفهم بتلك الكتابات  الأكاديمية الجزائرية، اعترف لي مسؤولو الوكالة، بنبرة من الحرج و التأسّف، بعدم جدواها لوجود هوة ما بين ما يُنتج في الجامعة الجزائرية و مُتطّلباتهم كمؤسسات اشهارية و اقتصادية.
نفس الملاحظة تقريبا حول المؤتمر الدولي للسيميائيات بالعاصمة البلغارية صوفيا أين غاب عنه الجامعيون الجزائرييون، وسط حضور تونسي و مغربي بارز. رغم أنّ المؤتمر يعتمد على أربع لٌغات عمل  : الانجليزية، الفرنسية، الاسبانية و البرتغالية (هناك موجة جيدية في الأبحاث السيميائية قادمة من البرازيل و الصين)، إلاّ أنّه لم يتقدّم إلى المؤتمر سوى اقتراح مُداخلة واحد رُفض بسبب عموميته و غياب طرح امبريقي . بالمقابل الأعمال التي قدّمت طيلة أربعة أيّام، رغم اختلاف رؤاها إلاّ أنّها تتميز بالجدوى و دراستها لمواضيع و ظواهر آنية و ذات انعكاسات مُباشرة و فعلية على نشاطات اقتصادية، سياسية و ثقافية....

مدونة عن كثب: كيف تنظر إلى واقع البحث في علوم الإعلام والاتصال مقارنة بفرنسا والغرب عموما؟

الباحث فيصل صاحبي:

مشكلة البحث في علوم الاعلام و الاتّصال بالجزائر هي جزء من المشكلة التي تُعاني منها العلوم الانسانية و الاجتماعية بصفة عامّة، أي وقوعها في فخ العزلة عن المحيط الاجتماعي و الساياسي و الاقتصادي للبلاد. أغلب باحثينا يعملون كما لو كانوا في أبراج عاجية، لا تسمح  لهم أسوارها  بالغوص في القضايا و الاشكاليات الحقيقية للمجتمع الجزائري، ثقافته، إلخ. لهذا فالنجاعة غائبة عن أغلب البحوث. بعضها قائمة من أجل ذاتها و لأجل الوجود فقط. كما لو كانت دكاكين فارغة في أسواق بلد شيوعيي، توظّف جموعا من الناس دون انتاج حقيقي. و أعتقد أنّ أغلب الباحثين في الجزائر على ادراك لهذه المسألة و واعون أنّ بحوثهم سينتهي بها المطاف في أدراج ادارية، لهذا تتميّز بعضها بالاستعجال و عدم الجدّية.
خصوصية البحث في علوم الاعلام و الاتّصال في الجزائر أنّه بالاضافة إلى كلّ ما سبق، فهو ميدان بحثي جديد نسبيا لم ترسى فيه الأمور بعد.  لهذا تميّزه ثقافة تحقيق الذات و البحث عن الألقاب و الصراع من اجل زعامة صورية، فترى البعض يتسارعون في اصدار انتاجات مُفرغة في حروب دونكيشوتية، و لو جمعت هذه الانتاجات لوجدتها متشابهة، كما لو كانت أقفال مئزر تلميذ مدرسة ابتدائية : الواحد قد يُعوّض الآخر، و حتّى وان غاب واحد منهم لا تُلاحظ هذا الغياب. مؤسف جدّا أن ترى صراعات أسماء و خصوصا ألقاب، في حين أنّ صراعات الأفكار و الرؤى غائبة. يجب إحداث ثورة فكرية في ميدان علوم الاعلام و الاتّصال، و لن يكون ذلك إلاّ بفتح الأعين و البصائر على ما يحدث حولنا، و ليس الاكتفاء بمشاريع بحثية مقاولاتية أو نسخ ما يُنتج شرقنا. بعض الافكار و النظريات و المفاهيم التي تُدرّس مثلا أصبح بالية مُتقادمة، تدخل ضمن حفريات العلم، قد يُمكن الاستفادة منها للتأريخ و لاعطاء نظرة شاملة عن تطوّر الميدان، لكن لا يُمكن بأي حال من الأحوال أن نكتفي بها. بعض المراجع التي تدرس تعود إلى سنوات الثمانينات، و حتّى الجديد ممّا يُكتب عندنا ليس إلاّ إعادة تعليب لنفس الأفكار في قوالب أكثر بريقا و أقلّ غُبارا، و تفتقد في الكثير من الأحيان إلى أدنى جُهد تحليل أو نقدي.

مدونة عن كثب: إذا كانت هناك فكرة ما تريد الإشارة إليها من خلال هذا الحوار.

الباحث فيصل صاحبي:

في الأخير يجب الاشارة إلى ثقل المسؤولية و خطورة  الرّهان الذي يجب أن يتحمّلها الباحثون الشباب  في ميدان علوم الاعلام و الإتّصال. بعضُنا يُعيد انتاج نفس النُظم و المخطّطات من عصبية، شخصنة الصراعات، السباق على المناصب و الألقاب و في بعض الأحيان حتّى الانتاجات المنسوخة و المتناسخة. و الجامعة الجزائرية في غنى عن مثل هته الظواهر التي قد تضرّ بصورتها و تُفقد الباحث مصداقيته. يجب التكريس لثقافة نقدية حقيقة و التركيز على تدريس و تطبيق المنهجية العلمية و الاجتهاد الحقيقي، و أخيرا الاقتراب من المُجتمع و مؤسسّاسته و نُظمه، لكي لا ينتهي بنا المطاف في أبراج عاجية نتصارع داخلها في حين أنّ العالم من حولنا يتقدّم و لا ينتظر أحدا.