مدمنو الفايسبوك: شيء من طغيان الذات الافتراضية وكثير من الاغتراب عن الواقع؛ دراسة ميدانية على عينة من الشباب الجزائري*

أ/ منال كبور
جامعة باتنة1

مقدمة

     يطرح عنوان الدراسة جدلا في علاقته بطبيعة الإشكالية التي قد تدرس؛ إذ يعكس شيئا من الانزياح عما تم التعارف عليه من عناوين لدراسات ميدانية تأخذ في الأساس صبغة العلمية المحكمة؛ فالقار أن هذا النمط منها يحمل عناوين تعبر عن منطلقاتها لا منتهياتها، إن كان يسع هذا التعبير أن يفضي لمعنى مخرجاتها، بلغة أخرى حين يصوغ العنوان جدل المبدأ فيقدم في جملة تقريرية إشكالية الدراسة ذاتها؛ كأن تُحمل هذه تحت جملة على هذا النحو: استخدامات الشباب الجزائري للفايسبوك؛ الشباب المدمن على الوسيلة أنموذجا[1] -إذا انحرفت عن الطرح التقييم اتجاه-[2] إلا أنني أعتقد بأن في ذلك شيء -إن لم يكن كثير- من النمطية التي هي -في تصوري- السبب الرئيس في إدانة الدراسات الإعلامية بالتكرار؛ حيث تظهر -لاسيما لغير المتخصص- وهي تعيد إنتاج بعضها البعض في عينات مختلفة وظروف زمكانية مستجدة فتبدو مكررة وإن لم تكن كذلك فعلا أو إطلاقا.   
   
     ولأنه لا يسع مثل هذه الدراسات إلا أن تكون علمية محكمة فيبدو أيضا أنه لا يمكنها إلا أن تبدو مرة أخرى في هذا التكرار الذي تتهم به. وأعتقد أن عناوين لمقالات من هذا النمط -أحيل مجددا على مفردة "مقالات"- تعكس منتهى الدراسة من شأنها أن تفصح كذلك عن طبيعة المداخل النظرية المعتمدة والفروض القائمة، وإن جزئيا، وتتيح في الوقت ذاته فهم مدى التباين الحاصل في معالجة الظاهرة نفسها من دراسة لأخرى.
      تعد هذه الدراسة بما تحمله من نتائج ميدانية جزءا مقتطعا من تلك المعنونة بـ"مستخدمو الفايسبوك بين الافتراض والواقع؛ دراسة على عينة من الشباب الجزائري" حيث أوثر تحليل نتائجها في انفصال عن الأولى نظرا لحجم الاستبانات -المحصل عليها- التي تسجل ظاهرة الإدمان على الوسيلة. لذا فهي تنطلق في الأساس من اعتبار المبحوث المستخدم، معتمدا على الوسيلة بل يتجاوز هذا الاتكال أو التبعية -لأنها فعلا كذلك- إلى الإدمان حتى الدرجة التي يصرح فيها به إدراكا منه له.
     تجدر الإشارة إلى أنه لا يتم التوقف عند طبيعة الارتباط بالوسيلة في ذاته، كحالة لازمة أو مرحلية، أيجاري أنواع الارتباط الأخرى (المخدرات، الكحول، التدخين...) الحد الذي يسقط فيها عليه ذات المصطلح -الإدمان- أم لا يعدو أن يكون -كما اعتبره البعض- واحدا من "الرغبات التي لا تقاوم"، لكن الغرض النظر في مؤشراته لتعرف مدى تمسك الفرد بالوسيلة واستقصاء طبيعة استخدامه لها، طريقة تفكيره فيها، وتقييمه لعلاقته بها.
     تباعا يتم تحليل نتائج الدراسة الميدانية في ضوء نظرية التوحد، تحديدا الجزء المتعلق منها بأخذ الأدوار غاية التقمص الوجداني.

إشكالية الدراسة

     تحاول هذه الدراسة معرفة عادات وأنماط الاستخدام لدى المدمنين على الفايسبوك، ليس لمجرد ذلك بل للنظر في طبيعة العلاقة القائمة بين العادة والنمط لديهم و"حقيقة" الإشباع المتحصل عليه، إذ تسعى للإجابة عن التساؤل الرئيسي التالي: ما هي طبيعة الاشباعات التي يحققها مدمنو الفايسبوك؟ وفي أي خانة يمكن أن تصنف؟ هل هي اشباعات لحاجات تسبق الاستخدام أم لأخرى ناتجة أساسا عن الأخير؟
    في مرونة الانزلاق بين الحاجات الفعلية وتلك الجديدة؛ يصبح لازما التساؤل عن مكانة الفايسبوك لدى هؤلاء الشباب، هل هو دعامة أم ملجأ؟ هل يتجهون إليه لاقتباس افتراضية الواقع الذي يقدمه لتدعيم ذاك الفعلي لديهم أم لهبة واقعية الثاني لافتراضية الأول؟
      تفترض الدراسة أن الفايسبوك كوسيلة اتصالية لا يلبي حاجات المدمن، ما يعرفه الأخير جيدا، وما يجعل اتجاهه إليه غير ناتج عن دوافع استخدام بقدر ما هو تنصل عن الواقع -ولا يعد هذا دافعا بقدر ما هو غاية في حد ذاته- فيعمل الأول -في مراحل لاحقة وإن كانت فورية- على خلق حاجات جديدة لديه، ولكن بإذنه -المتلقي- إذ يُحدث كمستخدم مقاربات بين المحتويات التي يتعرض لها -جراء الاستخدام- وحاجاته الفعلية التي يدرك تماما بأن الفايسبوك لا يكفل إشباعها، فتظهر لديه حاجات جديدة شبيهة بتلك الفعلية بحيث يصبح سلوك التعرض/ الإقبال في كل مرة على محتويات بعينها غرضا لإشباع "حاجات مفتعلة"[3] تظهر فعلا دوافع لتلبيتها كلما صعُب إشباع "الحقيقية" في الواقع الفعلي.

أهداف الدراسة وأهميتها

-معرفة عادات وأنماط استخدام الشباب المدمن على الفايسبوك له للنظر في الدرجات التي تسجلها العادة والصور التي يأخذها النمط لديه، في استقصاء طولي يتيح تصور مستويات الإدمان الذي هو عليه.
-الكشف عن طبيعة الاستخدام العمودي لهؤلاء الشباب ومدى ارتباطهم به أو تجذره فيهم حدا قد يدفع إلى جر نتائجه إلى واقعهم الفعلي.
-الوقوف، في تركيز تقاطعي، على كيفية تقييمهم الذاتي لهذا الاستخدام، وطريقة إحداثهم للارتباطات، واستيعابهم للالتقاءات الحاصلة بين الجانب الواقعي من حياتهم وذاك الافتراضي.

حدود الدراسة

    شُرع في الجانب الميداني من الدراسة في أواخر شهر جانفي 2012 حيث صُممت الاستبانة، رُوجعت، وحُكمت، لتُعدل تبعا لذلك ويتم توزيعها في 10 فيفري 2012.

منهج الدراسة

   تعد الدراسة وصفية إذ تقوم على منهج المسح الوصفي في شقه الخاص بمسح جمهور وسائل الإعلام، مستخدمة المسح بالعينة في جانبها الميداني كواحد من التصميمات المنهجية للمسح الوصفي.

عينة الدراسة 

    بلغ حجم العينة 100 مفردة من الشباب الجزائريين، ممثلين في شباب مدينة باتنة تم اختيارهم باستخدام عينة كرة الثلج.[4]

أداة جمع البيانات

    اعتمدت الدراسة أداة الاستبيان أو الاستقصاء Questionnaire، وإن كانت قد استندت في تحليل نتائجها إلى قليل من النقاشات على فضاء الفايسبوك مع المدمنين على الوسيلة والتي يمكن أن تأخذ إلى حد ما صفة المقابلات غير المقننة، كذلك فإن شيئا من الملاحظة بالمشاركة كان قد تم.

اختبار الصدق والثبات

    تمت مراجعة أسئلة الاستبانة وبدائلها في كل من المحتوى، طرق الصياغة، والترتيب، كما عرضت على بعض الأساتذة والخبراء.[5] غرض التأكد من صلاحيتها للقياس ونجاعتها لجمع البيانات المستهدفة.

أساليب تحليل البيانات

       تم اعتماد أسلوب التحليل الكيفي حيث قمت بوصف وتفسير البيانات والنتائج، في محاولة لربط العلاقات السببية المحددة سلفا في القسم النظري بالشق الميداني بغية تكامل الدراسة وتناسقها.

الإطار المفهومي للدراسة

    1. الإدمان على الوسيلة: تتناوله الدراسة كاعتياد نفسي مفرط على الاستخدام بالشكل الذي يأخذ معه صفة الانتظام، بحيث يصبح صعبا الاستغناء عنه لما يخلفه ذلك من شعور بالتوتر والاضطراب.
    2. الفايسبوك: هو شبكة للتواصل الاجتماعي تنخرط ضمن الجيل الثاني للويب (Web 2.0)، ظهرت سنة 2004 على يد مارك زيكربرغ Mark Zuckerberg.[6] تعتمد في طريقة انتشارها أو توسعها مبدأ كرة الثلج حيث يعمل كل منظم إلى صفحاتها على طلب غيره من المشتركين أو دعوتهم للانتساب باستخدام بريدهم الالكتروني، كما أن لهؤلاء -المنتسبين- مهمة توفير محتواها -إذا قصر النظر عن الإعلانات- من خلال إدراج معلوماتهم الشخصية، مشاركة صورهم، آرائهم، تعليقاتهم، مقالاتهم... وغيرها.
   3. الذات الافتراضية: تأخذ الدراسة بافتراض المستخدم كامتداد للوسيلة بحيث "يعيش" في واقعها الافتراضي فيطور -شيئا فشيئا- مفهومه عن وجوده وحيزه فيه. تطلق على ذلك تسمية "الذات الافتراضية" التي تقتضي في طبيعتها مستويات استخدام عالية إن ليست أعلاها على الإطلاق.  
    4. الاغتراب عن الواقع: يعد الاغتراب حالة سيكو اجتماعية تسيطر على الفرد لتجعله غريباً وبعيداً عن بعض نواحي واقعه الاجتماعي.[7]
      تقف هذه الدراسة عند الاغتراب عن الواقع كشعور يعتري مدمن الوسيلة بفقدان التواصل بالعالم الذي يقع خارجها، فتور علاقاته بالآخرين، وتفكك روابطه الشخصية المباشرة نظرا لعزلته بها؛ بما يؤدي إلى تقلص ملحوظ في زمنه الاجتماعي.
    5. الشباب: (ج)، مفردها الشاب، وهو الغلام من سن البلوغ إلى الثلاثين.[8]
     عرف المركز القومي للبحوث الاجتماعية بمصر الشباب على أساس لغوي للكلمة؛ حيث أطلق فصل الفتوة على بداية هذه المرحلة -الشباب- والذي يرادف كلمة adolescence باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وهي مشتقة من الفعل اللاتيني الذي يعني "ينمو نحو النضج". تعني الفتوة في القاموس العربي الشباب "الحدث"، وتشمل كلمة الشباب عند اللغويين كل المراحل العمرية السابقة لسن الثلاثين تقريبا.[9]
     تحدد مرحلة الشباب على من تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة، وهم يشكلون 21% من مجموع سكان الوطن العربي، و70% من مجموع سكان الجزائر.[10]
    6. العادة: تعرف العادة في علم النفس كسلوك منتظم يكتسب بالتعلم وبالتكرار استجابة لمواقف معينة بشيء من الثبات النسبي والاستقرار مع يسر الأداء الذي يصل حد الآلية.[11] يقارن محمد عاطف غيث بين العادة الفردية والجمعية، فيرى بأن الأولى تتعلق بالفرد بالذات، كنمط متكرر لفعل مكتسب وملاحظ من جانب الآخرين، في حين تتصل الثانية بالمجتمعات أو أي تجمعات أخرى، وعلى الرغم من اختلاف الآليات بينهما إلا أن المماثلة تبقى وثيقة جدا.[12]
     تهتم هذه الدراسة بالنوع الأول من العادات أي الفردية منها والتي تعبر عن مدى انتظام الشباب الجزائري المدمن في الاعتماد على الوسيلة محل البحث، من خلال مستوى وحجم ذلك.
   7. النمط: هو الصنف، الطريقة، والنموذج، فالأنماط الأفلاطونية هي النماذج التي أتت الموجودات على مثالها. يعني كارل غوستاف يونغKarel Gustave Young  بالنمط، في علم النفس التحليلي، صنفا من الناس أو طريقتهم في توجيه طاقاتهم النفسية.[13] يعتبر علماء الاجتماع النمط الاجتماعي جزء من السلوك غالبا ما يتكرر كأن يتناول أفراد الأسرة ثلاث وجبات في اليوم، أو أن ينام ويستيقظ الأطفال في وقت محدد، أي أن النمط مجموعة متناسقة من السلوك التفاعلي يقوم به الفرد الذي يربط بين الآخرين ويوجد بينهم تأثيرا أو اعتمادا متبادلا. وينبثق تكرار سلوك معين أساسا من الرغبة والتفضيل، لذا فقد درجت الدراسات في مجال الاتصال على استخدام مصطلح نماذج التفضيل تعبيرا عن أنماط التعرض لوسائل الإعلام من قبل جمهور المتلقين.[14]
     يظهر نمط الاستخدام لدى الشباب الجزائري المدمن على الفايسبوك في هذه الدراسة محصورا في طبيعة الدردشة التي يفضلونها؛ نصية، صوتية، أم بصرية.

المدخل النظري للدراسة

نظرية أخذ الأدوار في التقمص الوجداني:

      تؤسس هذه النظرية لفكرة التوحد ذات الصلة الوثيقة بتلك المسماة بالنموذج، إذ تعد أحد فروعها؛[15] وتظهر أهميتها -فكرة التوحد- في تطوير مفهوم الذات وأنواع أخرى من التعلم تساهم فيه بالدرجة الأولى وسائل الإعلام. يتجاوز التوحد كمفهوم ذاك المتعلق بمحاكاة النموذج وتقليده، فقد يعد نسخا للأخير في محاولة للتشبه بمعظم خصائصه أو جميعها.[16]
     ظهر ما يعرف بأخذ الأدوار في التقمص الوجداني على يد جورج ميدGorge Mead  حين أشار في كتابه "العقل، النفس، والمجتمعMind, Self, and Society " إلى أن توقع مشاعر الآخرين، سلوكهم، والخروج بتنبؤات، يكسب الفرد مهارة يسميها علماء النفس الاجتماعي بـ"التقمص الوجداني"، ما تمثله القدرة على الإسقاط وتصور الذات في ظروف الآخرين.[17] كجزء من الاتصال يعمل على ربط ذهني المرسل والمتلقي من خلال فهم الحالة الذهنية للشخص المقابل، يظهر مثال ذلك في القول "إنني أفهم مشاعرك". تبعا للنظرية فإن الفرد يصبح قادرا على التقمص الوجداني بالتحرك المادي من مكان إلى آخر، أو بالتعرض لوسائل الإعلام والاتصال التي تجعل هذا التحرك سيكولوجيا في الأساس.[18] لذا يعده البعض -التقمص الوجداني- في ذاته شخصية متحركة ذاك أن الفرد يتصور نفسه في ظروف الآخرين حين يتخيلها في حياتهم، تخوض تجاربهم.[19]
     يفترض أصحاب النظرية أن الطفل لا يستطيع أن يميز أو يفرق بين الذات والآخر، وليحدد فكرته عن الأولى يبدأ بالنظر إليها كشيء يحمله على التصرف إزاءها كما يفعل حيال الآخرين؛ بما يتيح الفهم الذي يقضي بأن الاتصال يسبق فكرة الذات إذ تتطور الأخيرة أساسا في ضوءه. تباعا يلاحظ الطفل سلوك الآخرين ويحاول تقليدهم، فيأخذ في المرحلة الأولى أدوارهم دون أن يفسرها وشيئا فشيئا يصنع رموزا تخصه يتحكم في معناها بالنسبة له ولدى غيره تدفعه إلى فهم الأدوار التي يأخذها ويعد ذاته فيها محورا للسلوك بأن يتوجه إليها كشيء خارجي يتصرف نحوها بالطريقة عينها التي ينظر بها الآخرون إليه؛ أي أنه تمكن في هذه اللحظة من بناء شيء من الفهم الخاص به، وهي المرحلة الثانية التي يأخذ فيها الطفل أدوار الآخرين بفهم. ثم إنه يتجاوز هذا إلى أخذ الأدوار الأكثر تعقيدا كلما زاد نضجه حيث يستنتجها باستخدام الرموز ويحتفظ بها في ذهنه بدلا من القيام بها ماديا؛ وهي ثالث مرحلة في التقمص الوجداني إذ يضع فيها الطفل نفسه محل الآخرين رمزيا بدل من فعل ذلك ماديا.[20] حتى هذا الحد هو يطور توقعات عن سلوكه الذاتي أي عما يتوقع منه في ظروف بعينها يتصرف فيها تبعا لهذه التنبؤات، ويعمل تدريجيا في مراحل لاحقة على التعميم عن أدوار الآخرين الذي يعد في ذاته عملية تجريدية تعتمد على ما يتعلمه عن الأدوار الشائعة التي تمارس في بيئته.[21]
     تقترح النظرية إذن أن الاتصال يؤدي إلى مفهوم الذات في حين تسمح عملية أخذ الأدوار بالتقمص الوجداني؛ وهي تعطي في ذلك أهمية بالغة لطبيعة اللغة والرموز.[22] 
    تحاول الدراسة هذه النظر في مدى إمكانية التحرك السيكولوجي بين الواقع والافتراض ودرجة خصوبة ذلك لدى مدمني الوسيلة.

نتائج الدراسة

      أسفرت الدراسة الميدانية عن النتائج التالية:[23]
      1. بالنسبة لعادات وأنماط الاستخدام؛ فقد اتضح أن كل مفردات العينة (100%) يعتبرون أنفسهم مدمنين على الفايسبوك،[24] إذ يتصفحون حسابهم بشكل دائم، لأكثر من ست ساعات في الزيارة الواحدة، غرض التواصل مع شخص معين بنسبة 75.00% أو أشخاص معينين لدى بقية المفردات (25.00%)، وقد أجابوا جميعا بـ"نعم" في حال السؤال: هل تدردش؟ حيث يفضلون الدردشة النصية -تسجيلا لنسبة 80.00%- تليها البصرية لدى الفئة المتبقية (20.00%).
     2. فيما يتعلق بطبيعة الاستخدام؛ فإنهم جميعا يدخلون الفايسبوك باسم مستعار، حتى لا يتعرف عليهم أحد بنسبة 71.43% أو لأنهم لا يحبون أسمائهم الحقيقية في حال البقية (28.57%). كما أن أغلبهم يضع صوره الشخصية على الفايسبوك (72.86%) حيث عضد ذلك الذكور منهم بنسبة 50.49%،[25] فضلا عن كون معظمهم يورد معلوماته الشخصية صحيحة (66.67%)، أو هي -لدى البقية- غير مسجلة على الإطلاق (33.33%). تدردش كل مفردات العينة مع أصدقاء مقربين تعرفوا عليهم في الأساس من خلال الفايسبوك؛ جزائريون بنسبة 65.78% أو عرب (34.22%). وفضلا عن كونهم جميعا يتواصلون أكثر مع الجنس الآخر، هم أيضا يتفقون تماما (100%) على التقاء الأصدقاء الذين تعرفوا عليهم من خلال الفايسبوك، كما أنه قد سبق لكل مفردات العينة أن حدث ذلك، وإن كانت الأغلبية تعد هذه العلاقات -على اختلاف نوعها- غير جادة (70.86%).
    3. أما ما يخص تقييم الاستخدام؛ فيعتقد جميع هؤلاء الشباب أن الفايسبوك حقق لهم التفاعل مع الجنس الآخر، إلا أن الغالبية الساحقة منهم تشعر أثناء أو بعد هذا "التفاعل" بفقدان التواصل بالعالم الخارجي (87.57%). بالنسبة لموقع الإشباع -إن صح التوصيف- بين الواقع والافتراض؛ فقد حصد الخيار "لا" أعلى نسب التصويت عدا في حالتين اثنتين على النحو الآتي: لا يعتقد الشباب بإمكانية التأثير إيجابيا في محيطهم من خلال الفايسبوك (84.86%)، ولا بإمكانية إيجاد وظيفة من خلاله (81.72%)، كما أنهم لا يحصلون على أية تسهيلات في حياتهم الخاصة جراء استخدامه (83.43%)، إلا أنهم يعتقدون أنه قد يكسبهم صديقا حقيقيا (89.43%)، أو ربما يدفعهم لإقامة علاقة عاطفية جادة (92.29%)، في حين لا يؤمنون بفكرة الزواج من خلاله (80.29%)، ولا ينتظرون أي شيء جدي-واقعي نتيجة لاستخدامه (76.58%)، مع ذلك يثق أغلبهم بما يقدمه لهم بنسبة 95.15%، ويفضلون جميعا فضاءه دائما على واقعهم الاجتماعي، وفي الوقت الذي تنوي الغالبية منهم الإبقاء على ساعات استخدامها للفايسبوك على ما هي عليه (54.86%)، تنزع بقية المفردات إلى خيار "زيادتها" (45.14%). أخيرا اختار مدمنو الوسيلة خمس كلمات -على التوالي- للتعبير عن ماهية الفايسبوك بالنسبة إليهم: حياة (37.71%)، ملجأ (26.57%)، حب (20.28%)، صديق (07.42%)، وهواية (07.14%).[26]

مناقشة النتائج

    يلاحظ من خلال تحليل هذه البيانات أن هؤلاء الشباب -100 مفردة- يعدون أنفسهم مدمنين على الوسيلة. والمثير للجدل هنا أن المدمن يعترف لأخيه المدمن بأنه كذلك، في حين يصبح الوضع محرجا إذا تعلق بغيره، مع أنه لا يعدو إلا أن يكون إدمانا على وسيلة. تبعا لذلك كان النزوع إلى هذه الطريقة في الاختيار -عينة كرة الثلج- أي جراء ملاحظة أن التوزيع العشوائي للاستبانات لا يسفر قط عن إجابات بالبديل "نعم" لسؤال "هل تعد نفسك مدمنا على الفايسبوك؟" ما دفعني إلى سلوك هذا النهج، إقرارا بواقع الحال، ذاك أن الملاحظة اليومية تفصح عن وجود مثل هؤلاء، وإن أوضحت الممارسة الميدانية أن التستر يصبح قائما حين يتعلق الأمر بالتصريح -الكتابي منه تحديدا- حتى الحد الذي لم تقدر معه العينة العشوائية على مصادفة أي منهم في الوقت الذي تكاد تلتقي فيه يوميا بأشخاص يتحدثون في لغة المزح أو حتى الجد -وهم فعلا كذلك- "أنا مريض بالفايسبوك"، ما يدفع إلى التساؤل: هل الإدمان على الوسيلة من الانحراف إلى الدرجة التي يتطلب معها استخدام عينة كرة الثلج؟ ألا يبدو سلوكا مقبولا اجتماعيا لا حاجة معه إلى التستر؟ أم أن الإدمان كمصطلح يثير الشعور بالانحراف لدى المخاطب ويغض النظر عن طبيعته فالثقل الذي قد يقع به يغطي على ماهية المادة/ الموضوع المدمَن عليه؟[27]
    تظهر مؤشرات الإدمان لدى هؤلاء الشباب في انتظام تصفحهم لحسابهم إذ يدخلونه بشكل دائم لأكثر من ست ساعات في الزيارة الواحدة. وقد درجت الدراسات الإعلامية تبعا للإنماء الثقافي على اعتبار ست ساعات كثافة في التعاطي مع الوسيلة وربطت الإدمان بثماني ساعات إلى ما فوق، لذا تلجأ الدراسات الميدانية إلى استخدام الفئة "أكثر" لتغطية ما بعد الست ساعات لاعتباره -أيا كان مستواه- سلوكا يتجاوز الكثافة. لكن ربما بات لازما في حالة الحاسب تحديد بدائل الاستجابات حتى الـ10 ساعات إن لم يكن 12 ساعة قبل الإشارة للخيار "أكثر"، ذاك أنه فعلا يتجاور التلفزيون[28] في عدد الساعات المخصصة له، فقد تتلخص الكثافة في حالته في ثماني ساعات، ليظهر  الإدمان ربما في 10 ساعات أو حتى 12 ساعة، إذا لم نتوقف هنا لنتساءل إن كان زمن الساعتين كفيلا فعلا بالتمييز بين الكثيف والمدمن؟ لا ترتبط الإجابة عن هذا السؤال بتحديد مفهومي الكثافة والإدمان بقدر ما تتعلق بالنظر في مدى تمايز الأعراض التي يخلفها كل منهما.
    إن عد الإدمان على الوسيلة حضور الاضطراب والتوتر في غيابها، فإنه لا يمكن لدراسة من هذا النمط أن تقف على مدى ملازمة الحالة لهؤلاء الشباب؛ هل تختفي لمجرد قضاء أكثر من ست ساعات إلى جانب الفايسبوك أم تضطر صاحبها إلى الإبقاء على صفحته على مرأى منه، وإن لم يجلس إليها، أي كما يعرف -في بعض الحالات أو أكثرها- عن مدمني التلفزيون؟
    أيا كان الوضع، يبدو أن الإدمان على الشبكات الاجتماعية الإلكترونية بالذات يختلف إلى حد ما عن الخاص  بالتلفزيون، غيره من الوسائل، أو حتى المحتويات، ذاك أن هذه لا تعوض تفاعلا اجتماعيا بآخر -في طريقة تبادلية واضحة- في حين أن الأولى تفعل. ولذا فإن دوافع 100 شاب للإدمان على الفايسبوك هي في الأساس للتواصل مع شخص أو عدة أشخاص، تبقى غير متعلقة على الإطلاق[29] بسبر الآراء، التعليق، التدوين السريع، نشر مواضيع مطولة، أو الفيديوهات والصور، متابعة القضايا والمستجدات، أو الاطلاع على الإعلانات، ولا أيا من هذه الأسباب بل فقط للتواصل. فكأن هؤلاء لا يدمنون الوسيلة بقدر التواصل الاجتماعي، وإن إلكترونيا. وتبدو هذه صيغة تبريرية مناسبة لفعل ذلك؛ فإذا كانوا يعيشون في عالم تغمره التكنولوجيا، تملؤه الوسائل، تثقله الوسائط "للاتصال"، إذا كانوا محاطين بكل هذه "الحواجز" عن الاتصال، وكان لابد من إضعاف نسيج الاتصال الاجتماعي المباشر، وتفكيك الروابط الشخصية، فإنهم يختارون تعزيز أخرى، استخداما للفايسبوك كـ"حاجز" عن الاتصال وتحويله بقوة الدافع إلى حامل له. فهم على الأقل مازالوا يتواصلون اجتماعيا، وساطيا، ولكنهم يفعلون وهم فعلا يتفاعلون لاختيارهم الوسيلة الأكثر تبنيا لهذا المفهوم الغابر (التفاعل الاجتماعي).
     يقوم التفاعل بينهم في الأساس على الدردشة، فجميع المبحوثين يتواصلون مع أصدقائهم باستخدام ذلك، ليس من خلال إرسال نصوص قصيرة، التعليق على الحائط، أو ما شابه، بل عن طريق الصدى ورجعه، الفعل اللغوي ورده، لأن الأمر يتعلق بالدردشة النصية في حال الأغلبية.
      يتم كل هذا التواصل باسم مستعار، أي من خلال حجاب، أو أكثر من وراء نقاب، حتى لا يتعرف عليهم أحد، علَ ذلك أدنى أن يعرفوا فلا يتأذوا، لأن هذه هوية جديدة إن لم تكن تأشيرة مزورة للهرب والتملص من الواقع الاجتماعي الكلي ذاك أنهم يحرصون على ألا يلاحقهم، ومع ذلك فإن معلوماتهم الشخصية تبقى صحيحة، إذ يزاوجون -بشكل ما- بين الغياب والحضور؛ فيؤكدون على ذواتهم لكن دون موقعها حيث يحملونها على صفحات الفضاء الافتراضي للتنصل عن هذا الأخير. وتعزيزا لمفهوم الذات دائما يضع أغلبهم صوره الخاصة على الفايسبوك وإن كان الذكور أكثر اتجاها لذلك لأسباب يبررها -طبعا- السياق الاجتماعي المحدد لهذه العينة.
     تجميعا لهذه المعطيات -صورة حقيقية مع معلومة صحيحة باسم مستعار- يمكن القول أن الثقة عالية في الواقع الافتراضي والخوف حاصل من ذاك الاجتماعي؛ إذ يُخشى تداخلهما من خلال تلصص الأفراد "القدامى" -استخداما للاسم الحقيقي- وبالتالي تقطع مسبقا كل محاولة لذلك.
     يؤسس الفايسبوك بين صفحاته لمفهوم الأصدقاء المقربين، يدعوك إلى أن تخصص لهم قائمة منفردة، ويتيح لك أن تقصر حضورك عليهم، لكنه لا يتدخل في أن تكون قد تعرفت عليهم قبله أو من خلاله. إلا أن المدمنين في هذه الدراسة قد فصلوا في ذلك، وقرروا أن يكون كل أصدقائهم المقربين شخصيات افتراضية في الأساس. ما الذي يحدد القرب إذن؟ ما هي محددات العلاقة/ القرابة بين الشخصيات في هذا العالم الافتراضي؟ إذا كانوا لا يقفون على مدى تماثل/ تباين الخلفيات التاريخية والمجتمعية بينهم، لأنهم لا يدركونها بوضوح، لا يتقاسمون السياق الثقافي والواقع الاجتماعي ذاته، لا تلزمهم أي تبعات أو استحقاقات، ولا تقع على عاتقهم أي مسئوليات إزاء بعضهم، فما الذي يجعلهم يؤمنون بهذا القرب؟ تواصلهم اليومي؟ اتصالهم الشفهي أو بالأحرى اللغوي -حسب معطيات هذه الدراسة- هل يكفل مجرد الكلمة ذلك؟ إذا كان فإن زمنا اجتماعيا كاملا يختزل الآن في زمن المحادثة.
     ليضل -ربما- مفهوم القرب قائما فإن هذه الشخصيات الافتراضية قريبة جغرافيا أيضا، هي جزائرية بالدرجة الأولى أو عربية، في حال البقية، دون الأجانب.
     يتضح أخيرا كيف أن هذا التواصل يتقلص في التفاعل مع الجنس الآخر، فيتلخص الأمر برمته فجأة في العلاقات العاطفية، وجدل المسموح الافتراضي في مقابل الممنوع الاجتماعي، حيث يتضح أن الشباب المدمن في هذه الدراسة يخلق له -باستخدام الفايسبوك- واقعا جزئيا يفضله -وهو يغنيه فعلا- عن ذاك الكلي.
     وقد سبق لهؤلاء المبحوثين جميعا أن نقلوا هذه العلاقات أيا كان نوعها كما يصيغها السؤال -وإن كان قد اتضح ما هو نوعها- إلى واقعهم الفعلي، لكنها غير جادة تبعا لأكثرهم. وتسفر النقاشات معهم -التي كانت فيسبوكية بالدرجة الأولى- حول هذه النقطة عن إيمان متجذر ببرود العلاقة الافتراضية حين تنزلق إلى الواقع الفعلي، شيء من الفتور والجفاء يصيبها، ونوع من الاضطراب والتوتر يعتري كلا الطرفين فيدفعهما إلى انكماش لم يكونا عليه وهما يدردشان معا نصيا أو حتى بصريا، ويصبح الحفاظ عليها صعبا بما كان حيث تنحل وتضمحل، ولا يمكن إعادة بناءها أو المسارعة لإنقاذها افتراضيا من جديد.
     كأن هؤلاء الشباب يعتقدون أن للعالم الافتراضي لمساته الباهتة على العلاقة بخصائصه التي تسمه: سكونه، هدوء السياق، دفء اللغة، والفرصة التي يقدمها للتركيز على شخص بعينه. في حين أن الحضور القوي للواقع يرمي بثقله على العلاقة فتقتل حركيته والحركة فيه شيئا كثيرا مما تم بناؤه على فضاء الوسيلة. لذا فهم يفضلون البقاء حيث هم، لأن المعاني غير مصنوعةّ أو جاهزة، ولا معلبة ومخصصة مسبقا للاستهلاك الجماعي، وإنما يساهمون في جمعها، صنعها، ولفها بالورق الذي يفضلون، فيشكلون أذواقهم بأيديهم، ويأخذون وقتهم في النظر إليها والتمعن فيها. وهكذا يشاركون في عملية تخيلية تجريدية كاملة حيث درجة الوضوح منخفضة بل وفي تصاعد نحو الغموض، في حين يؤدي دفع العلاقة إلى الواقع لارتفاع زائد وغير محتمل في الوضوح يقابله عمى في النظر، بحيث يصبح كل منهما مبهما للآخر لا تظهر ملامحه، لا يكاد يراه، وهو في الحقيقة يبحث فيه عن تلك التي رسمها له، وهكذا يجد الطرفين نفسيهما قريبين جدا من العلاقات الطبيعية الاعتيادية التي هما في غنى عن تأسيسها.
      يبدو واضحا أن لهذا علاقة وطيدة بمفهومي "البارد" و"الساخن" لدى مارشال ماكلوهانMarshall Mcluhan، فإذا كانت الدردشة تتم نصيا -في الغالب الأعم- في وجود صور شخصية فهذا يعني أن كل طرف يساهم في صنع شخصية الآخر تبعا لما يريد، يتخيل حركاته، ضحكاته، نظراته الحادة، مستويات الارتفاع والانخفاض في صوته، كل جديته ومزاحه، لأنه في اختصار مضطر للاشتراك والمساهمة؛ فكيف إذا لم تكن هناك صور خاصة بالمرة؟[30] يصبح الفايسبوك بهذا المعنى وسيلة باردة تحمل الطرفين في كل مرة خطوة نحو بعضهما لأن كلا منهما يصوب عملياته العقلية على الآخر فيقترب منه لشدة التركيز عليه ثم يطلق العنان لخياله فيراه، لكن الواقع كحامل للعلاقة يعد ساخنا في نظر هؤلاء الشباب لأنه يبعد الطرفين عن بعضهما ويفصلهما بمسافة تكاد تكون ضوئية حين يقدمهما جاهزين؛ كل للآخر. وهكذا يهب برود الفايسبوك اندماجا متعمقا بسبب درجة المساهمة التي يؤديها كلا الطرفين في "الخلق".
      في تقييم ذاتي لاستخدامهم للوسيلة أو بالأحرى لاعتمادهم عليها؛ يجدون أنهم حققوا بها تفاعلا كبيرا مع الجنس الآخر، ولكنهم يشعرون أثنائه وبعده بفقدان التواصل مع العالم الخارجي لأنهم يعوضونه ويختزلونه في علاقاتهم العاطفية. والمثير للانتباه أنهم يصرون عليه إذ يفضلونه دائما على واقعهم الاجتماعي، ويلحون مجددا حين لا يفكرون -على إدمانهم- في تخفيض ساعات استخدامهم للفايسبوك بل خلافا لذلك ينوي البعض الآخر زيادتها.
      هذا فضلا عن اعتقادهم بأن الفايسبوك لا يخلف أي مترتبات واقعية ملموسة، ولا يمكن أن يتم استخدامه لذلك؛ كأن يكون وسيلة للتأثير الإيجابي في المحيط مثلا. ويبدو هذا وجيها بالنظر إلى عدم التزامهم -هم أنفسهم- حيال هذا المحيط ليفكروا في التأثير فيه على ذات النحو. ومع غياب "الحقيقة" على فضاء وسيلتهم فإنها تستطيع أن تكسبهم -في الوقت ذاته- صديقا مقربا وتعمل على دفعهم للعيش في علاقات عاطفية جادة، أليس هذا من التناقض؟ ثم ما هي "جدية" علاقاتهم العاطفية إذا كانوا يعتقدون أنها لا يمكن أن تنتهي إلى الزواج لأنه لا زواج من خلال الفايسبوك حسبهم؟ ربما يعني هؤلاء الشباب نوعا من "الجدية الافتراضية" التي تلتزم فيها وسيلتهم بتوفير أصدقاء تزيد نسبة الصراحة بينهم حيث يستمعون لبعضهم، يشعرون بقربهم، وتفاعلهم معا، لأن طبيعة الفضاء تسمح بالتعري إقصاء للزمان والمكان، تحررا من الرقابة الذاتية والشعور المتواصل بالتبعية، فتلتقي كل الأطراف وهي مستقلة عن كل التبعات، وتابعة لاستقلالها ذاته، على مستوى اتصالي واحد يتيح درجة عالية من العفوية والتلقائية. وتكون طبعا علاقاتهم العاطفية من هذا القبيل أيضا حيث تبدأ على الفايسبوك وتنتهي عليه؛ شيء من اللذة المؤقتة التي يثقون تماما من أن الفايسبوك كفيل بتحقيقها.
    إنه إذن "زمن اللحظة" الذي يقلص الزمن الاجتماعي إن لم يكن يقضي عليه، فأكثر من ست ساعات في الزيارة الواحدة، بشكل منتظم-متواصل، يدعمها الشعور باللذة حتى الحد الذي يتم الإقرار بتفضيله الدائم على الواقع الاجتماعي مصحوبا بالرغبة -إن ليس الإصرار- على مواصلة ذلك أو حتى الانقياد خلفه أكثر من خلال نية زيادة ساعات الاستخدام. يدفع إلى التساؤل عن حجم الوقت، أو الأحرى طبيعته، الذي يقع خارج زمن التصفح، ألن يكون مخصصا بالضرورة لإشباع الحاجات البيولوجية والمادية؟ فلا زمن اجتماعي إذن بالنسبة لهؤلاء لأن "زمن المتعة" يستحوذ على كل شيء.
    ولا عجب بالتالي إذا اعتبروا الفايسبوك حياتهم، ملجأهم، حبهم، صديقهم، وحتى هوايتهم. إن كلماتهم التي يعبرون بها عنه تتوافق إلى حد كبير وطبيعة استخدامهم له، أو الأصح علاقتهم به. ولا غرابة أيضا في العبارات التي يسجلها بعضهم في آخر الاستبانة: "الفايسبوك صديقي وحبيبي، وكل شيء في حياتي"، و لا أكثر تعبيرا المدمن الذي تم استقصاءه افتراضيا؛ فأرسل رابطا إلكترونيا لأغنية أم كلثوم على اليوتيوبyoutube  مرفوقة برسالة يقول فيها هذه الأغنية تعبر تماما عن علاقتي بالفايسبوك؛ حين تقول في "انت عمري": "ما رأيته قبل تراك عيوني، عمر ضائع.. لماذا يحسبونه لي؟"، فقد لخص في اختصار شعوره حيال فضاءه؛ أفضل صديق وخير جليس.
     بالنظر إلى طبيعة هذا التحليل أمكن القول أن الأمر لم يعد يتعلق -كما هو واضح- بالنسبة لهؤلاء الشباب بمجرد الاستخدام بل بالاعتماد الذي يتجاوز ذلك إلى الإدمان، لأن في الاتكال على وسائل الإعلام والاتصال إيحاء بأن ذلك يتم لأجل غاية معينة، لكن الحال هنا ليست هذه حيث يتم الاعتماد على الفايسبوك لذاته، أي أنه الوسيلة والغاية معا، فهم لا ينتظرون منه شيئا لكنه كل شيء.

     كيف يحدث هذا؟

     يبدأ الشاب في استخدام الفايسبوك كوسيلة، ثم تزيد ساعات الاستخدام شيئا فشيئا كلما أحبط في واقعه الاجتماعي من جهة، ولاحظ -في الوقت ذاته- أن إشباعات قد تحققت لديه جراء سلوكه الاتصالي الجديد من ناحية أخرى. يقضي هذا الطرح بشكل ما أن هؤلاء الشباب ذوو قابلية للإدمان لأنهم يعانون حالات من الاكتئاب وفقدان المعنى، حيث يخلق لهم استخدامهم للفايسبوك شعورا بتحقيق الذات يتملكهم الشغف حياله. فلا يعدو أن يكون إدمانهم عليه عارضا يتحول إلى راسخ من خلال تقمصهم لخصائص الواقع الافتراضي.   
   يظهر هذا التقمص في مجموع إسقاطات على النمط المعيش تؤشرها اللغة والرموز في كثير من الحالات، فتجده يقول لك إذا صمت وأنت تحدثه: "أنت بصدد كتابة نصكTu es en train d’écrire ton message ؟" في حين يحق له أن يوزع صمته على المحادثة كأنه يرسل لك خلالها وجها مبتسما Smily في الهواء، وإذا تهت عنه قال لك: "سأوخزكJe vais t’envoyer un Poke "، وإن أعجبه مظهرك أو أحب شيئا يخصك فقد يرفع إصبعه في حركة النقر، ويقول: "أعجبني، J’aime"، أما في حال أغضبته فهو قطعا سيمحوك "Je vais te supprimer"، إن لم يكن سيحضرك "Signaler".
     عند هذا الحد يحدث شيء من التداخل بين الذات الواقعية وتلك الافتراضية فيصبح الشاب غير قادر على التمييز ثم حين يفعل يرغب في جر العالم الافتراضي إلى الواقعي لأنه يعتقد أن الأول بارد والثاني ساخن يدفع إلى الكسل والخمول، جاهز ومجهز بكل شيء، وتبدو فيه المشاعر جافة والعلاقات فاترة. ولأنه يكتشف في كل مرة أن هذا غير ممكن فإنه يقرر التراجع بعكس عملية الجر باعتباره أسهل؛ وهكذا يطلق على عالمه "الملجأ".
     بلغة أخرى فإن المستخدم يبدأ كمولود افتراضي جديد، له الحق في تطوير فكرته -عن ذاته الافتراضية- أو العزوف عنها، فخياره يلعب الدور الحاسم، ولما يقع على الأول فإنه يأخذ في استساغة هذا الواقع الأثيري واستيعاب دوره فيه؛ بحيث يحدد أخيرا مفهوم الذات عليه ويدرك تعلقه بها -وإن كانت هي التي فعلت- فيتوحد بها متقمصا إياها على فضاءها وغيره.
    يتعلق الشاب بذاته الافتراضية أكثر من تلك الواقعية لما تحققه له من "حاجات مفتعلة" وهو يثق بها لذلك. ويطمح في كل مرة لتحصيل قدر أكبر من اللذة والمتعة بـ"زيادة الجرعة"؛ فتكبر حتى تطغى عليه، انزلاقا إراديا في البداية يتلخص أساسا في تقمص معطيات الواقع الافتراضي رمزيا، التحلي بسماته، والتمثل بخصائصه، وطغيان تعسفي في آخر المطاف. هنا يغترب المدمن عن واقعه لأنه لم يعد قادرا على التكيف معه لاعتباره إياه "فاشلا"، أي بدلا من أن يتهم نفسه يجد مبررات إدمانه في الواقع ذاته؛ ذاك "الساخن".
    قد يكون المدمن وجهة الاغتراب ذاتها، لكن القار أنه يعتقد نفسه مغتربا في واقعه المعاش عن ذاك الذي ينبغي له؛ أي عما ينشده ويستحضره في حاضره،[31] ويقدم له واقعه الافتراضي جزءا من الكل الذي ينبغي أن يكون، ولذا يحسب نفسه متوطنا أكثر منه مغتربا لأنه ليس كذلك إلا في نمطه المعيش، ويصبح الفايسبوك -بهذا المعنى- "حياة". فإذا طرح السؤال: إلى أين يغترب المدمن؟ إن لم يكن يلزم ذاته فإنه قطعا يتجه إلى واقعه المنشود، وحين يضطر أحيانا للعودة إلى ما هو كائن يراه أزرق بلون الفايسبوك الذي يسكنه وهو يسكن إليه في سكينة لا نظير لها. 
    يوضح الشكل أسفله موقع الإدمان على الوسيلة بين الواقع الحالي و"المستحضر":



         الشكل رقم (1): موقع/ محل مستخدمي، معتمدي، ومدمني الوسيلة من الواقع الافتراضي.[32]
      يظهر الشكل مدى قدرة الواقع الافتراضي في نظر مدمني الوسيلة على تمثيل ما ينبغي أن يكون، لأنه يمنحهم جزء كبيرا من واقعهم "المستحضر" ويبعدهم بالمثل عن ذاك الحالي. لذا فهم يعدون الفايسبوك ملجأ لا دعامة يهبون واقعهم لافتراضيته، إذ تتلخص دوافع استخدامه في التواصل مع شخص معين إحداثا منهم لمقاربات بين ما يحققونه على فضاءه والحاجات الفعلية التي ينشدون إشباعها في "الواقع المستحضر" الذي يستحضرونه بدل ذهنيا، هذه المرة، افتراضيا؛ فيحققون بذلك اشباعات هي افتراضية في الأساس.
     وعليه يتجاوز التقمص الوجداني -في التحرك السيكولوجي الحاصل لدى هؤلاء الشباب- كونه في ذاته شخصية متحركة إلى أخرى يسجل لها ويلحظ عليها الثبات النسبي، فإذا كان المستخدم يتحرك بين الواقع والافتراض، يقبع المدمن في الجانب الثاني، وحين يضطر أحيانا إلى الحركة باتجاه الأول، لا يفتأ أن يولي أدراجه؛ فيصبح التقمص بهذا المعنى شخصية ثابتة -نسبيا- بالشكل الذي يتيح فهمه كشخصية طاغية.

الهوامش 




[1]- أي تحاول الوقوف على ما يؤشر الاستخدام كإدمان. 
[2]- نظرا لاستقصاء الدراسة تقييم الشباب لاستخدامهم للفايسبوك.
[3]- أعني بالحاجات المفتعلة تلك الجديدة، حيث أحبذ لها هذا التعبير أو المفردة لأني أفترض فيها مسبقا نوعا من السلبية يقابل في طبيعته حاجات فاعلة هي إيجابية في الأساس لكنها لا تأخذ معنى تلك الفعلية بالضرورة لأن هذه قد تكون إيجابية أو سلبية، وإن كانت تبقى حقيقية؛ أي سابقة لسلوك التعرض، الاستخدام، أو الإقبال عموما.
[4]- تشكر الباحثة "المدمنين الأوائل" -وعددهم ثلاث- الذين أخذوا على عاتقهم مهمة "دفع" العينة لتشكل كرة الثلج المتدحرجة من مدمن لآخر.
[5]- تشكر الباحثة الأساتذة:
-باديس لونيس، أستاذ مساعد "أ" بقسم علوم الإعلام والاتصال - جامعة باتنة.
-اليمين بودهان، أستاذ محاضر بقسم علوم الإعلام والاتصال - جامعة سطيف.
[6]-Facebook en quelques chiffres, http://www.trackbusters.fr/definition-facebook.html,  Consulté le: 22/02/2012.
[7]- مصطلحات سياسية: الاغتراب، http://www.annabaa.org/nbanews/62/128.htm، Acceded: 22/02/2012.
[8]- مجموعة باحثين: "الشباب العربي والإذاعة والتلفزيون"، اتحاد إذاعات الدول العربية، ع 12، 1998، ص120.
[9]- إيناس محمد أبو يوسف: صحافة الشباب في مصر 1952-1985، أطروحة ماجستير (غير منشورة) في علوم الإعلام والاتصال، كلية الإعلام، جامعة القاهرة، 1987، ص11؛ نقلا عن: عبد الله بوجلال: القنوات الفضائية وتأثيراتها على القيم الاجتماعية والثقافية والسلوكية لدى الشباب الجزائري، الجزائر: دار الهدى، د ط، د س، ص148.
[10]- نصير بوعلي: أثر البث التلفزيوني الفضائي المباشر على الشباب الجزائري، الجزائر: دار الهدى، د ط، د س، ص13.
[11]- إبراهيم مذكور: معجم العلوم الاجتماعية، مصر: الهيئة العامة للكتاب، د ط، 1975، ص381.
[12]- محمد عاطف غيث: قاموس علم الاجتماع، مصر: دار المعرفة الجامعية، 1996، ص219.
[13]- عبد الفتاح مراد: موسوعة البحث العلمي وإعداد الرسائل والأبحاث والمؤلفات، مصر: د د ن، د ط، 1997، ص 1509.
[14]- باديس لونيس: جمهور الطلبة الجزائريين والانترنت؛ دراسة في الاستخدامات والإشباعات طلبة جامعة منتوري- قسنطينة، أطروحة ماجستير (غير منشورة) في علوم الإعلام والاتصال، تخصص: اتصال وعلاقات عامة، جامعة منتوري-قسنطينة، 2007-2008، ص 9، 10.
[15]- تمثل نظرية الاستنتاج في التقمص الوجداني الفرع الثاني. أنظر: جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الاتصال، القاهرة: دار الفكر العربي، ط2، 1978، ص401.
[16]- حسن عماد مكاوي، ليلى حسين السيد: الاتصال ونظرياته المعاصرة، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، ط1، 1998، ص384.
[17]- محمد جاسم فلحي الموسوي: نظرية التقمص الوجداني، http://www.ao-academy.org/viewarticle.php?id=457، Acceded: 22/02/2012.
[18]- جيهان أحمد رشتي: المرجع نفسه، ص397.
[19]- علاء هاشم مناف: فلسفة الإعلام ولاتصال؛ دراسة تحليلية في حفريات الإنساق الإعلامية، عمان: دار صفاء للنشر والتوزيع، ط1، 2001، ص241.
[20]- جيهان أحمد رشتي: المرجع نفسه، ص404، 405.
[21]- محمد عبد الحميد: نظريات الإعلام واتجاهات التأثير، القاهرة: عالم الكتاب، ط2، 2004، ص316.
[22]- جيهان أحمد رشتي: المرجع نفسه، ص406.
[23]- المثير للانتباه في هذه النتائج؛ تكتل الاستجابات في بدائل بعينها بالشكل الذي يؤسس لدرجة أو نسبة تماثل عالية بين المبحوثين ما قد يسمح بحصر الإدمان كسلوك في إطار "الحالة" لا الحالات المتفاوتة.
[24]- يقع هذا السؤال في تقييم الاستخدام أساسا، إلا أنه عد حيال التوزيع بالكرة الثلجية في العادات والأنماط، أو بشكل أكثر صحة "سؤال المدخل" نظرا لطبيعة العينة التي تستدعي توافر فئة "المدمنين" من خلال الإجابة بـ"نعم"، في حين إذا كانت بـ"لا" أي "لا أعد نفسي مدمنا"، تم التراجع عن العينة هذه ليتعلق الأمر بتلك العشوائية انزلاقا للدراسة الأصل "مستخدمو الفايسبوك بين الافتراض والواقع؛ دراسة ميدانية على عينة من الشباب الجزائري" التي وزعت استبانتها في 07 فيفري 2012.
[25]- يشار إلى أن البيانات الشخصية في هذه الدراسة استقصت الفروق الجنسية والمستويات التعليمية، بين الجامعي وغير الجامعي، لكن التأثر بها فيما يخص شق الإدمان كان غير واضح، عدا في النقطة التي أشير لها في النص. ثم إن حالة الجنس تسقط -تبعا لنتائج الدراسة الميدانية- لاقتضائها توافر الجنس الآخر في الطرف المقابل على الجهاز لأن جميع المبحوثين يتواصلون معه، وأغلبهم مع "شخص معين". وإذا قدرنا أن المدمن يتواصل بالضرورة مع مثيله؛ فإن عدد مفردات العينة يصبح مائتين.
[26]- تتمثل بقية الكلمات-البدائل في: وسيلة، متعة، حرية، لا شيء.
[27]- إذا كان الأمر ذلك فسيعد السؤال عنه محرجا، وينتقل الخلل من المبحوث إلى تصميم الاستبانة.
[28]- أثبتت الدراسات الغربية أن الفرد يشاهد التلفزيون بما معدله ست ساعات؛ فعمدت إلى تحديدها كفئة قياسية. أنظر: عبد الرحمن عزي: نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، تونس: الدار المتوسطية للنشر، ط1، ‌2011، ص41.
[29]- لم يرتب أغلب شباب هذه العينة -كما طلب منهم- دوافع الاستخدام حسب الأهمية (1، 2، 3...)، إنما اكتفوا بشطب خانة البديل المعبر عن استجابتهم بعلامة (×).
[30]- تبقى المساهمة متاحة في حال الدردشة البصرية حين يأخذ كل طرف في تصور السياق الاجتماعي للآخر.
[31]- للإشارة فإن كثيرا من هؤلاء الشباب يرغبون فعلا في "الاغتراب" أو بالأحرى الهجرة، ولذا هم يمارسون ذلك مؤقتا على فضاء الفايسبوك ابتعادا منهم عن وطنهم لكنهم في النهاية لا يغتربون إلا عن واقعهم، مع أن عامل القرب يبقى حاصلا لديهم إذ يتصلون مجددا -أو أخيرا- بالجزائريين ومن ثم العرب، وإن كان معظمهم يريد الهجرة إلى دول أجنبية في الأساس.
[32]- المصدر: تصميم منـال كبور.

* نشر المقال بمجلة الآداب والعلوم الإنسانية، الجزائر: جامعة باتنة 1، ع 8، جوان 2012.