الأزمة القادمة في علوم الاعلام و الاتصال


بقلم/ أ.د ادريس بولكعيبات

يهدف هذا المقال إلى لفت انتباه الباحثين في علوم الاعلام في كليتنا الى حالة البؤس التي آل اليها مصير الدراسات الميدانية على مستوى الماستر و كذا الدكتوراه . 
فالمتصفح لمذكرات الماستر يصدم كل تواق إلى تحسن البحث في بلادنا ، حيث لم يؤد تراكم الخبرة الظاهري إلا إلى انحطاط الروح العلمية ، و كأننا أمام زمن هارب . فقد أصبحت هذه الدراسات التي كان من المفترض أن تعكس و تعبر عن ثراء البحث من حيث المناهج و الأدوات المتاحة ، أفقر مما كان عليه الحال قبل عشرين عاما . 
و السبب في رأيي هو انحصار استخدام الأدوات و المناهج في جزء مما طوره الباحثون في العلوم  الاجتماعية على امتداد القرن العشرين و الاكتفاء باستعمال الحد الأدنى منها . و قد تحول هذا الانكفاء إلى ظاهرة عامة و إلى إجراء بيروقراطي بات هو السبيل الأوحد لحصول هذه الدراسات على الشرعية من مجتمع علمي غير مبال. 
و فضلا عن تجريد البحث من ترسانته من الأدوات المعرفية ، فإن المواضيع المطروقة  لا تشكل تحديا علميا ، كما أنها أبعد ما تكون عن القدرة على الرد على التحديات الاجتماعية . و هكذا ، نصطدم في كل خطوة من مراحل البحث بوجود أعراض غير صحية صرفت الباحثين الجدد عن مسعى البحث العلمي و جرفتهم إلى منخفض الحس المشترك . 
و هذا المقال هو عبارة عن مرافعة من أجل إعادة قراءة أعمال كل من" رايت ميلز" و "غولدنر"  لبعث العلوم الاجتماعية من تحت الركام و نفض الغبار عنها . لعل ذلك يوقظ روح النقد لدى الباحثين في ميدان علوم الاتصال على نحو خاص . و النقد هو جوهر العلوم الاجتماعية العلم كما كان يقول " هابر ماس " .

1- أعراض الأزمة  : 

قبل أكثر من ستين عاما ، ظهر كتاب " الخيال السوسيولوجي L’imagination sociologiquee " ، لرايت ميلز Wright mills و كان ذلك المؤلف بمثابة حجر ألقي في مياه السوسيولوجيا الراكدة ، حيث كان علم الاجتماع قد تخلى عن طرح الأسئلة حول ذاته و انزلق نحو الأيديولوجيا .و الواقع ، أن رايت ميلز حذر من النزعة الإمبريقية المجردة " التي جعلت من العلوم الاجتماعية تتبنى فلسفة العلوم الطبيعية .غير أن تلك الصيحة لم تلق صداها إلا بعد عقدين من الزمن وسط علماء الاجتماع في الغرب أي عندما مالت بعض النظريات إلى الجمود و أصيبت بنوع من العقم وانكشف عجز واضح لعلم الاجتماع عن القدرة على حل المشاكل و التحديات التي تواجه المجتمع ، و في الوقت الذي بدأ فيه الاهتمام بالنقد الذي وجهه رايت ميلز للنزعة " الامبريقية المجردة " أطلق غولدنر Gouldner صيحة أخرى في السبعينيات ، بنشره "الأزمة القادمة في علم الاجتماع الغربي " The coming crisis of western sociology (1970) ، و لا يزال صدى تلك الصيحة يتردد إلى اليوم .و قد دعا غولدنر إلى تحرير علم الاجتماع من المسلمات التقليدية المحافظة التي سيطرت عليه منذ نشأته. كما دعا إلى تنمية ما يسميه بالوعي الذاتي لدى علماء الاجتماع (1) . و هذا الوعي هو نوع من سوسيولوجيا السوسيولوجيا أو " علم الاجتماع الانعكاسي " عند بيير بورديو P. Bourdieu و إذا كان غولدنر قد اعتبر الحديث عن نهاية الأيديولوجيا نوعا من التضليل و الخداع ، فإنه كان يرى أن عالم الاجتماع " لا يستطيع الوصول إلى فهم حقيقي للمجتمع الذي يدرسه دون أن يمتلك فهما حقيقيا لذاته . و من المستحيل تحقيق فهم عالم الاجتماع لذاته دون معرفة كيفية توجيه نفسه إزاء الناس الذين يتعامل معهم و المعرفة التي يستخدمها " (2) 
 و إن كان " بورديو " يذهب إلى ما هو أعمق مما ذهب إليه "غولدنر "، حيث يرى أن انعكاسية هذا الأخير هي بالأحرى شعار برنامجي و ليست منهجا حقيقيا للعمل (3) .
 ما يلاحظ أن علم الاجتماع في الولايات المتحدة و فرنسا يعود إلى ذاته من حين لآخر ، ليس بدافع النرجسية و إنما بهدف الإبقاء على روح النقد متقدة في نفوس الباحثين ، وهو ذلك العلم الذي لم تشفع له أدبياته لإحراز تقدم ملموس ، و الوصول إلى نتائج . و إذا كان هناك نوع من الارتباك قد سيطر على علم الاجتماع منذ ثلاث عقود تقريبا ، حيث لم يعد مرغوبا في علماء الاجتماع كمستشارين لدى السلطة التي يبيعون لها الحلول ،فإن علم الاجتماع في الجامعة الجزائرية الذي تحدد محتواه ليكون في خدمة السلطة في السبعينيات ارتبط هو الآخر بالسياسة ، فقد كانت التخصصات التي اعتمدت تعكس البرنامج السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي للسلطة ، حيث كانت في تلك المرحلة مشغولة بمشروع للتنمية يقوم على الإصلاح الزراعي و التصنيع .
 و من المفارقات أن علم الاجتماع في الجزائر ، بني على خلفية تربطه بمشروع سياسي في الوقت الذي كان فيه علم الاجتماع يفك ارتباطه بالسياسة في الجهات الأخرى من العالم .
 و انعكس ذلك الارتباط على مستوى البرامج ، حيث كان البراديغم أو الأنموذج الإرشادي القياسي Paradigme الذي تتم في ضوئه الدراسات هو براديغم الصراع . و كانت هناك جملة من مواد التكوين تشير بوضوح إلى هذا البراديغم كالاقتصاد السياسي ، علم الاجتماع الماركسي ، التنمية و التخلف ، ميثاق الثورة الزراعية و التسيير الاشتراك للمؤسسات و الخ ...
و هذه المواد المقررة تحيلنا على أنموذج إرشادي قياسي " براديغم  الصراع" دون تورية أو غموض . و كانت الدراسات الميدانية المكملة لمسار الدراسة تجري في سياق هذا البراديغم ، حيث كانت في جلها تدور حول تجربة الجزائر في التنمية .
 و بالرغم من الوضوح النسبي للبراديغم ، فإنه كان نوعا من الالتزام الأعمى بالمقولات و المسلمات لارتباطه بالمشروع السياسي ، حيث تحول البحث إلى امتداد لخطاب يعطي الشرعية للاسمرار في التجربة . و لذلك كانت تلك الدراسات عقائدية ، غير قادرة على ممارسة "التأمل " لتصحيح أو تثبيت البراديغم . لقد كان علم الاجتماع في الجزائر متأثرا إلى أبعد الحدود في تلك المرحلة بالنزعة الستالينية التي تعاملت مع براديغم الصراع على أن مقولاته غير قابلة للمراجعة . و الحقيقة ، أن العمل في ضوء براديغم الصراع و إخضاع علم الاجتماع لمقولاته ، كان موضة فكرية ، و عقيدة جاهزة للسلطة ، و لذلك عندما تداعت السلطة من فوق في التسعينات ، سقط براديغم الصراع في الجامعات الجزائرية ، و لم تسقطه مخابر البحوث و الدراسات (مركز الدراسات الاستراتيجية ) ، كان سقوطا سياسيا وتلك مفارقة أخرى .
إن الأزمة التي توقع غولدنر حصولها في علم الاجتماع عام 1970، ضربت علم الاجتماع في الجزائر بعد أحداث أكتوبر 1988 ، حيث وضع نموذج التنمية و المدرسة و البراديغم الموجه للعلوم الاجتماعية موضع تساؤل و مراجعة . و الحقيقة أن النسق الفكري بالكامل لم يعد مقنعا . وهكذا ، جاءت في التسعينيات مرحلة رد الفعل ، حيث تم التخلي عن براديغم الصراع ، لكن دون الارتباط ببراديغم جديد .( بدعوى الابتعاد عن الايدولوجيا ، و هذه ظاهرة شاذة لا نظير لها ، ففي فرنسا مثلا تم تجاوز البنيوية إلى التفكيكية ، و الحداثة إلى ما بعد الحداثة .
غير أن ما حصل عندنا في الجزائر هو الوقوع في ما يشبه  الفراغ ، حيث لا يوجد تبني لبراديغم واضح ، و هو ما أوقع السوسيولوجيا في أزمة حقيقية . فهي منذ التسعينات تدرس و تجري البحوث دون غطاء نظري ، ما أفقدها العمق أولا ، و حرمها من مزايا العمل تحت سقف براديغم واضح ثانيا. 
و ما حصل لعلم الاجتماع ينسحب على علوم الاعلام  في الجزائر ، هو واقع مزري ، لا يبشر بمستقبل واعد لهذا العلم الذي تتجه به الحال ليكون أقل إقناعا بعلميته أكثر من أي وقت مضى .
 فهناك تراكم كمي في البحوث و الدراسات ، حيث انتشر تدريس علوم الاعلام في كل الجامعات الجزائرية ، بصورة أسرع من أي تخصص آخر ، و في ذلك إشارة على أن عدد الأساتذة و الباحثين في هذا الاختصاص ينمو بسرعة .
 لكن هذا النمو الكمي لم يتحول إلى نمو كيفي ، أي لم ينعكس على مستوى البحث و كذا التدريس ، و حتى المخابر التي تم اعتمادها في إطار المسعى العام لتطوير البحث العلمي في الجامعات الجزائرية ليست فعالة و وفق الآليات التي تحكمها لا ينتظر منها أن تغير مصير هذا العلم عندنا . فهذه المخابر التي كان يفترض فيها أن تعيد تصحيح مسار تدريس علو الاعلام ، فإنها أصبحت هي بدورها آلة لإعادة إنتاج الأخطاء و إعطائها الشرعية ، إنها تقدس البيروقراطية و الهيكل ، أكثر من اعتمادها على فكرة أو براديغم كقاسم مشترك بين المنتمين لهذه المخابر .
 إن الانتماء لمخابر بالشكل الذي هو عليه هو انتماء لجهات تبرر من الناحية الإدارية ، الحصول على منحة البحث . لكنه لا يشكل بالضرورة عنوانا لبراديغم أو لانشغال علمي حقيقي .
 و هكذا ، هناك إعادة لإنتاج الأخطاء و اللامعقول الذي يسود التدريس لتمتد العدوى إلى المخابر التي كان يفترض أن تنطلق منها الثورة على الجمود لكنها تحولت الى حاضنات أمينة على الانتهازية .

2 – الأزمة القادمة في علوم الاتصال : 

كان من المتوقع أن تنتقل العدوى من علم الاجتماع الى علوم الاعلام و الاتصال ، حيث بدأت هذه العلوم  في فقدان الشمال و هي اليوم تتأرجح بل تترنح تتقاذفها العلوم الاجتماعية . كان من الممكن أن تشكل روافد لها فهي علوم مجاورة لكن ما العمل إذا كان الربان طرفا في المؤامرة ؟ 
ما يمكن اكتشافه بمجرد تقليب الصفحات يشير الى الاتجاه بهذه العلوم نحو مستقبل  غامض و الى وجهة غير معلومة ، أي ما ينبئ بأزمة على الأبواب . بالنسبة للدراسات تتكشف أعراض الأزمة من خلال ما يلي : 
أ‌- الفقر في مواضيع البحث (إعادة اجترار المواضيع) 
ب- انحصار الأدوات ( فصل أدوات البحث عن سياقها المنهجي )
ج- تغييب لغة البحث المتخصصة واستبدالها بلغة عادية .
د- تفسير النتائج خارج سياق النظرية .
و واضح من خلال ذلك أن الاختصاص في الاعلام و الاتصال يحتاج الى عملية  إعادة التأهيل و ذلك بالعودة الى الارتباط بالنظرية التي لم تعد تدرس في كليتنا إلا على نحو سطحي و عرضي ، حيث تم افراغ البرامج التي تسمى جديدة من العمق المطلوب . 
البرامج في الدول المجاورة أكثر قدرة على الدفع نحو الابستمولوجيا و التعامل مع  النظرية بينما انحدر التكوين عندنا الى الأداتية لأن ذلك ما يمكن تقديمه و ما هو متاح . ففاقد الشيء لا يعطيه . 
الطالب عندنا اليوم لا يحسن السباحة حتى على شاطئ تلك التيارات النظرية ، أي أننا نحتاج إلى  النهوض بأعمال هيرقل إ إذا أردنا أن نشهد يوما تشرق فيه الشمس مجددا على هذه العلوم التي يداهمها الغروب و لما تبلغ مرحلة النضج بعد . 
فالتكوين الذي يقدم حاليا وفق هذه البرامج يعد جناية موصوفة و عدوانا على  الاختصاص . الطالب الذي يحصل على شهادة ليسانس في الاعلام و الاتصال لا يمكنه أبدا أن يمارس مهمة الاعلام حتى و لو كان من المتفوقين . 
الاصلاحات التي أسيل بشأنها الكثير من الحبر و عقدت الكثير من الجلسات عبر الزوايا الأربع للبلاد  كانت عبارة عن "افسادات " ممنهجة إذا صحت هذه العبارة التي لاأجد أقوى منها في التعبير عن المأساة ؛ حيث وجهت ضربات في مقتل لاختصاص الاعلام و الاتصال . 
بعض من الذين شاركوا في ذلك " العمل " كانوا من الذين تحركهم عقدة النقص تجاه الاعلام و لذلك  تصرفا بتلك الأحقاد و انحرفوا بالاختصاص نحو التمييع يحركهم في ذلك تعلقهم ببقايا السوسيولوجيا و لذلك اشبعوا تلك البرامج الى حد التخمة بمواد لا تؤهل الطالب لبصبح إعلاميا في يوم ما . كما أن بعض ما يسمى بالخبراء جعلوا من المواد التي درسوها على امتداد سنوات طويلة الى أن باتت جزءا من هويتهم مواد أساسية . و هم لا يستطيعون تدريس غيرها بعد أن مالوا الى الجمود ؛ حيث ضعفت بصيرتهم و وهن منهم العظم . و هكذا تحولت تلك الاصلاحات الى خيبة و الى مجرد منح الشرعية لمواقف عدائية تحت غطاء الاصلاح و هي لم تكن سوى فرصة للإجهاز .
كانت البرامج السابقة ، تقدم تكوينا يمكنه من التموقع بسلاسة في عالم الشغل . و ها هو اليوم  طالب الاتصال يتخرج و عليه أن يواجه واقعا مرا . و قد يتساءل عن الجدوى من وجود الجامعة مادام أنه عليه أن يتعلم من جديد .
اليوم ، فهناك شكوك كثيرة حول هذه المسألة صلابة و ملاءمة هذه البرامج التي يصدق فيها  قول القائل " تمخض الجبل ....." . لم يمض على هذه البرامج سوى ثلاث سنوات لكن فسادها لافت منذ اليوم الأول . فليسانس في الاعلام و الاتصال هي أقرب ما تكون الى شهادة " قشور العلوم الاجتماعية " . تلك بعض الجوانب من تجليات أزمة ستتفاقم و ستعرض مستقبل علوم الاعلام في بلادنا لهزات و انتكاسات و انحناءات بعد مرحلة من الصعود المدوي.