هل يمكن أن يصبح الواعظ صحافيا؟

بقلم/ أ.د إدريس بولكعيبات

(1)


لعل مهنة الصحافة هي المهنة الأكثر استباحة على وجه الأرض و في الجزائر على نحو استثنائي . و سيزداد تدنيس هذه المهنة في المستقبل مع بروز ظاهرة المواطن الصحفي التي جادت بها التكنولوجيات الجديدة للإعلام و الاتصال .

و ما أشبه هذا الموقف المحرج الذي وضع فيه الصحافي اليوم بذلك الذي وضع فيه القساوسة  في القرن الخامس عشر عندما فاجأ العالم "غوتنبورغ" باختراعه الطباعة والتي أعطاها قداسة بطبعه للكتاب المقدس غير أن القساوسة اعتبروا ذلك تجديفا و اعتداء على مهنة التلاوة والتي إذا شاعت بين العامة ستقضي على سلطة الكنيسة وهيبة القساوسة المستمدة من احتكار التلاوة أثناء عظات أيام الأحد و المواكب الجنائزية. 
كان فعل " غوتنبرغ " فيه التحدي الواضح؛ حيث كانت الكنيسة تعتبر التعدي على مهنة القساوسة  تعديا على الذات الإلهية. الموقف يشبه ما قام به "سيزيف" الذي سرق النار من الآلهة من أجل أن يعلمها لبني الانسان، ولما اكتشفت الآلهة ذلك سلطت عليه عقوبة أبدية. وهي رفع الصخرة من أسفل الوادي الى قمة الجبل فتفلت منه الصخرة و يضطر لإعادة الكرة الى ما لانهاية. هكذا تقول الأسطورة اليونانية . 
لم تصب " غوتنبرغ " لعنة كتلك التي أصابت "سيزيف" رغم أن ما قام به لا يقل عن اكتشاف الانسان  للنار. و هكذا انتشر الكتاب بين البشر كانتشار النار في الهشيم و بدل من يتدحرج " غوتنبرغ " الى عالم الظلمات حلق بفضل اختراع تلك الآلة في عالم القداسة .... 


 فسيد الطباعة " غوتنبورغ " قهر القساوسة و جعل  الكتاب المقدس شائعا بين المؤمنين، أي أنه حرر كتاب الله و رده الى المؤمنين بعد أن ظل حبيس المعابد و الأديرة . ما يدل على وجود صدام تاريخي بين حراس المعابد الذين كانوا ضد انتشار المعرفة حيث جعلوا منها سلطة  وبين بعض المثقفين الذي أرادوا أن يفكوا الخناق عن العامة بتوسيع دائرة المعرفة و كسر احتكارها. 

(2)



والواقع أن القصة لها جذور تاريخية أبعد من تلك المواجهة التي خاضها " غوتنبرغ " ضد الكنيسة .  الكتابة الهيروغلوفية اخترعت على ذلك النحو الغريب و المعقد لأنها لغة الكهنة و لم يفكروا أبدا في تبسيطها و كذا الكتابة الصينية التي هي أقرب الى اللوحات الفنية منها الى الأبجدية ، فقد كانت لغة "الماندرين" ، وهي طبقة الموظفين التي كانت تتكفل بجباية الضرائب و إدارة الأقاليم الواسعة للمملكة و تنظيم العلاقة مع القصر الأمبراطوري . 

و قد كان " الماندرين " يعتبرون تعلم تلك الأبجدية المعقدة ترفا خاصا بهم . و لذلك لم يفكروا  في تبسيطها و تركوها على ماهي عليه من تعقيد الى اليوم . 
و بحسب الدراسات الأنثروبولوجية ، فإن الشرق الأوسط كان الحاضنة للأبجدية الحديثة بكل أشكالها: العربية  والعبرية و اللاتينية .
العربية مرت بأطوار من عدم التنقيط الى التنقيط . النص القرآني و الخوف من تباين القراءات هو  الذي أدى الى ذلك التحول ثم بدأ التفنن في رسم الخطوط في أشكال مختلفة . كان الخط هو الفن الوحيد الذي غطى على كل أشكال الفن الأخرى في العالم العربي الاسلامي ؛ حيث تحول الى فن في حد ذاته . و ذلك لأن الاسلام ينبذ تمثيل الأشخاص . و هذه الحساسية كانت بسبب نبذ الاسلام للوثنية التي حاربها بقوة منذ البداية .
فلم يجد أصحاب المواهب الفنية من طريق آخر لتفريغ تلك الطاقة سوى الخط غير أن العالم  العربي الذي عرف فترات مزدهرة من التدوين في حواضر مختلفة من الكوفة و البصرة الى دمشق فبعداد فقرطبة ثم القاهرة في عهد الفاطميين و اصفهان في عهد الدولة الصفوية. 
و للاسلام فضل كبير على الثقافة العربية . فهو مفجر تلك الطاقات و لولاه ما كان للغة العربية أن تصبح  على ما هي عليه اليوم. و لربما ماتت كما ماتت السومرية و البابلية و الفرعونية من قبل . حتى فن الغناء العربي كله مقرأن . و لأن العربية هي لغة القرآن فقد أصبحت مقدسة منذ النزول. و لذلك تختلف علاقة الدين الاسلامي بالثقافة العربية عن علاقة الثقافات الأوروبية بالديانة المسيحية ، حيث فكت تلك الثقافات روابطها باللغات المقدسة و هي العبرية و اليونانية و اللاتينية . 
غير أن المنطقة شهدت مرحلة من السبات الطويل لأسباب لم يتم تشخيصها بموضوعية و علمية الى اليوم لم تعرف الطباعة إلا مع الحملة الفرنسية على مصر و التي قادها "نابليون بونبارت " في نهاية القرن الثامن عشر و الذي حمل معه أول مطبعة للمنطقة . 
و قد قيل ل " نابليون بونبارت " : ما عساك أن تفعل هناك في مصر و هي أرض ليس بها ثروات ؟  فرد : إن الأسماء لا تصنع إلا في الشرق ! 
للموضوع بقية ، فإلى اللقاء  أحبتي ....