القيمة بين الواقع والخيال؛ مستويات التداخل وطبيعة العلاقة في الحتمية القيمية*

سعاد عيساني، منال كبور

     
يعد الدين في الحتمية القيمية المصدر الأساس للقيم، بل الوحيد ذاك أن الإنسان لا يمكنه قط أن يكون مصدرا لها إذ هو فقط أداة لتجسيدها. وحديثا عن هذا التجسيد تعرج الحتمية القيمية للنظر في الواقع والخيال كسياقين/ فضاءين يتدخلان لزاما إلى جانب سياقات/ فضاءات أخرى تظهر معا في حضور واحد، وإن كان غير متكافئ، لتجعل الإعلام يأخذ مجددا شكله الثنائي.
    من منظور قيمي يستوعب الأبعاد الاجتماعية والحضارية -أي انطلاقا من الحتمية القيمية ذاتها ووصولا إليها- تحاول هذه الدراسة معرفة موقع القيمة بين الواقع والخيال، أين تقع تحديدا؟ وكيف يتسنى تجسيدها؟

   تفكيكا لهذه التساؤلات الرئيسة يزمع الإجابة عما يلي: ما هي القيمة، الواقع، والخيال لدى عبد الرحمن عزي؟ ما الفرق الذي يورده بين الوضع والواقع؟ وما الصلة التي يقرها بين كليهما والخيال؟ ولماذا يجده لازما التوقف عند الواقع والخيال في الثنائية الإعلامية؟
   تهتم الدراسة بمفاهيم تظهر كقاعدية في الحتمية القيمية وتكمن أهميتها في تبيان ماهية هذه المنطلقات، استيعابا لمستويات التداخل الحاصلة وطبيعة العلاقات القائمة مرورا بالتمعقل كسلم يتسلق غاية الارتقاء وصولا للقيمة، والأنظمة المخيالية كحالة لازمة تظهر رابطا أكيدا بين طرفي العلاقة البينية في هذه الدراسة. 
   يشار إلى أن الدراسة تتعامل مع المفاهيم التي تطرحها الحتمية القيمية كما هي، سواء ما عدته مركزيا لها أو ما اعتبرته ثانويا فيها، فلا تناقشها في ذاتها وإنما في علاقتها ببعضها.
   يتوقف عبد الرحمن عزي عند الواقع والخيال لتأسيس فكر إعلامي حضاري مميز فنلحظ شيئا أو كثيرا من التداخل وعمقا في التحليل إلى درجة يبدو معها النص غامضا.

مفاهيم الدراسة

1-القيمة: هي ما يسمو بالفرد ويرفعه من معاني مدركة أو مستنبطة عن النص القرآني، السيرة النبوية، النصوص المرجعية التي أنتجتها الحضارة العربية الإسلامية، إضافة إلى تلك "النهضوية" الحديثة (بمفهوم القريبة زمنيا). فلا تكون قط من دون مرجعية وإنما تأتي في سياق تعاليم إلاهية/ دينية لتصبح وثيقة الصلة بالمعتقد، ويمكن فهم علاقة الأخير بالقيمة والإنسان في إطار الخلق؛ حيث يحدث الارتباط بين الخالق (الله)، الخَلق (الإنسان)، والخُلق (القيمة).
    إن علاقة الإنسان بالقيمة عضوية، وهي تسبق فعله، الذي يكون "مدعوا" فيه دائما إلى الارتقاء إليها -القيمة- لا تسخيرها لواقع أنتجه بالعزوف عنها، فيكون بذلك أداة لتجسيدها، بممارستها أو بالابتعاد عنها، لا مصدرا لها، لأنه "مخلوق" لمهمة وضعها الخالق.[i] ألا وهي السعي إليها عمليا من خلال الارتفاع بفعله وعقله إلى منزلة أعلى، ذاك أنها تعني الارتقاء، أي ما يسمو في المعنى وما يعلو عن الشيء للارتباط بالمعاني الكامنة في الدين.[ii] وهي معنوية إذ ترتفع إلى المنزلة المعنوية ممثلة المستوى الأعلى في سلم الثقافة ومصدرها الأساس في ذلك يبقى دائما الدين.[iii]
   توفر القيمة معنى للإنسان في حياته الروحية والمادية، حيث ينبثق منها لذا فهو -الإنسان- يرتبط أصلا بها ويدركها من خلال الاستماع كأحد أهم الأدوات في ذلك، وإن حالت مجموعة من الاعتبارات بينه وسمعه. ترتبط القيمة كمعنى بممارستها في الواقع المعايش، فهي تتجسد في الفعل، وتبقى بدونه تصورا مرغوبا فيه أو فكرة كامنة لا غير. ولأن الإيمان مقرون بالعمل اقترانا وثيقا والدين المعاملة، فهي تحي بالفعل وتتحول في غيابه إلى معالم غامضة في حياة الفرد والمجتمع.
   تشمل ممارستها عدة مجالات كالانشغال والتعلق بها، تبليغها، وتحويلها إلى سلوك ينعكس إيجابا على الفرد والجماعة، إذ ينبغي التمييز هنا بين القيمة، مستوى إدراكها، والعمل بها.[iv] فالحالة الأخيرة تقود إلى "القيمي" الذي يظهر فيما يسمو بالشيء ويرتبط بالمعاني الكامنة على مستوى الخيال.[v]
   يمكن تلخيص مفهوم عبد الرحمن عزي للقيمة فيما يلي:
1-القيمة معنى/[vi] ارتقاء.
2-توفر/ تنبثق عن المعنى.
3-معنوية.
4-مؤسسة أي ذات مرجعية.
5-مصدرها الأساس الدين.
6- ترتبط بالمعاني الكامنة في الدين.
7-توصيفها للشيء يتصل بالمعاني الكامنة على مستوى الخيال.[vii]
- تمثل المستوى الأعلى في سلم الثقافة.
9-تتعلق بالإنسان عضويا/ أصلا.
10-تدرك أكثر بالاستماع.
11-تسبق الفعل وتتجسد فيه.
12-تقسم إلى ثلاث: القيمة كما هي في ذاتها، المُدركة، وتلك المجسدة في العمل.
2-الواقع: يرى عزي أن القواميس اللغوية تضفي على تعبير الواقع ما يتصل عادة بالملموس؛ أي ما يمكن معاينته بصفة مجسدة، ولكنه يعتقد أن الإيحاء لذلك، أي للملموس، لا يستوعب وحده الواقع لأن الأخير يمتد إلى ما وراء الملموس لاسيما وأن الملموس في نظره جزء متفرع عن المجرد، لا يعد أساسا. بالمثل يعتبر أن الواقع لا يمثل الحقيقة بالضرورة، إنما قد يكون جزءا يصورها/ يجسدها، أو آية لها،[viii] إلا أن هذا لا يجعله يتعامل فقط مع الجزء لأنه ليس "موقعيا".[ix]
     تباعا يعرفه بذاك الذي "لا يمكن التعبير عنه إلا من خلال معايشته، إذ يعد في جوهره معنويا، مع أنه يمكن أن يظهر بصفة جزئية في المجسد".[x]
     إن الواقع بطبيعته سوي وبطبعه غير سوي لأن تمظهراته كذلك، فهو في جوهره معنوي لكنه يتقلص في تجسيدات مادية وهي في معظمها غير سوية، ويعد في ذاته موضع بحث لانطواءه على الموضوع الذي هو معنوي في الأساس حيث يكون المشكل أحد تجلياته.[xi]
قد يتسنى لنا اختصار هذا المفهوم في النقاط التالية:
1- يُعايش/ معايش: يمكن معايشة الواقع ويصبح ذلك لازما غرض التعبير عنه.
 2- يعبر عنه جزئيا: هو أكثر اتساعا من اللغة بالشكل الذي لا يمكنها معه استيعابه.
3- لا تحكمه عوامل زمكانية: لا ينقطع ولا "يتموقع"؛ أي لا يأخذ صفة الزمن "الآن" أو الموقع "هنا".
4- أسبقية المعنوي/ الهدف فيه جوهرا: إن الواقع في حقيقته معنوي وذاك هو الهدف فيه.
5- أسبقية المادي/ الوسيلة فيه ظهورا: يوجد جزئيا على المستوى الحسي بحيث يصبح قابلا للملاحظة، فيظهر في دليل جزئي يكون وسيلة إليه.
6- لا يخضع لمنطق التوازن: لا يقوم المجرد والمجسد، الملموس وما وراء الملموس، الهدف والوسيلة، المعنوي والمادي فيه على منطق التوازن.
7- يبدو ثنائيا لكنه ليس كذلك: لأن الواقع مجرد أكثر منه مجسد بل يغلب عليه المعنوي أو هو كذلك حقا وإن تجلى ماديا.
8- سوي: ينطوي على الموضوع الذي هو في جوهره معنوي.
9- تجلياته غير سوية/ وضعية: قد تأخذ صفة الموضوعية في الغالب الأعم.
10- موضع بحث.
    ربما يصعب علينا المرور إلى تعريف الخيال دون التعريج على ماهية الوضع وتبيان الفرق الحاصل بينه والواقع، لاسيما وأنه قد أشير إليه ضمنيا من غير لفظه في خضم الحديث عن الأخير، فلا يذكر هذا إلا بذاك.
    إن الوضع بطبعه غير سوي ينطوي أو هو في ذاته تجليات الواقع غير السوية لكنه بطبيعته واقع، أي سوي.[xii] فهو يظهر كتجسيد للأخير فيتقلص في ذاك المادي وهو في معظمه غير سوي. ولأنه يستوعب المشكل كأحد تجليات الموضوع فإنه لا يتعين أن يكون محل بحث، بل فقط إشكالا أو مطية للاقتراب من حقيقة الواقع وموازنة ذلك بما يؤطره، أي يؤطر الوضع، لأن الأخير لا يأخذ صفة الموجب بدون فعل الإنسان، ولا يرتقي إلا بتدعيم الجانب الموصل للتقوى.[xiii]
   حيال مقارنة هذا التعريف بذاك الذي سبقه عن الواقع يبدو وكأنا ننظر إلى الوجه الآخر من العملة. وعليه فإنا نختصر أهم النقاط التي يختلف فيها الثاني عن الأول فيما يلي:


                  الوضع                                                             الواقع
             غير سوي (في معظمه)                                              سوي
                    مادي                                                              معنوي
                 مطية للبحث                                                    محل بحث
            ينبثق عن المشكل                                          ينطوي على الموضوع
    إعداد: منـــال كبور

    يعتبر عزي أنه من الصعوبة بمكان تغيير الوضع، فالحاصل هو عمليات تكيفية أو حتى فرارية تكون -نتيجة أو سببا- للبحث عن المأوى الذي يتوجه إليه الإنسان حين يضيق به وضعه؛ فإلى أين يتم التوجه/ اللجوء؟  
3-الخيال: يمثل الملجأ الذي يتحول إليه الفرد حين يضيق به وضعه ولا يستطيع تغييره، إذ يأخذ صفة الإطار العلمي المعرفي الذي يسعى من خلاله إلى الاقتران بالحق أو الحياد عنه بالشكل الذي يحدث -في هذه الحال- تدميرا ذاتيا واجتماعيا معنويا وماديا. فهو ما يهيكل بصفة مباشرة أو غير مباشرة الوضع، باستخدام واسطة العقل، لذا يعد مجال البحث الأساسي في كل من محتواه، وما يتصل بعلاقته بالوضع فيما إذا كانت صحية ترجح الجانب الموجب، أو تعمل على تدعيم الوضع السائد المتأرجح -في غياب فعل الإنسان- بين الموجب والسالب.[xiv]
    يُعرف الخيال على أنه ما يبتعد عن الوضع من أجل أن يقترب منه، حيث يتجلى في مستواه الأعلى في الأبنية الدينية، ويمكن له التبلور جزئيا في أحزمة ثقافية، ليست أساسية، فضلا عما يتصل بما ينتجه الإنسان معنويا أو حتى ماديا في بعض الحالات، أي حين يتحول المادي إلى معنوي في المخيال الاجتماعي.
    يقع الخيال في مستواه الأعلى خارج الإنسان، ويظهر في أنظمة مخيالية فرعية ينتجها الأخير انطلاقا أو ابتعادا عنه، أي الخيال. فإذا كان الارتباط حاصلا كانت الموازنة ممكنة، وإلا فإن التعرض لكل من الخطأ والصواب يضل قائما، وإن شق السبيل إلى الثاني، أي الاستعانة بالعقل وحده الذي لا يمتلك الحقيقة، وممتدا من ناحية الزمن، باعتبار أن الاحتكام يكون إلى ما ينتجه الوضع.[xv]
نجمل المفهوم أعلاه فيما يلي:
1-   يهيكل الخيال الوضع.[xvi]
2-    علاقته بالوضع تننج الموجب أو السالب تبعا لمدى الارتباط.
3-    يتجلى في مستواه الأعلى في الأبنية الدينية.
4-    يتبلور جزئيا في أحزمة تقافية وكل ما ينتجه الإنسان.
5-    يقع في مستواه الأعلى خارج الإنسان.
6-    يظهر في الأنظمة المخيالية الفرعية.
7-   هو مجال البحث الأساسي.

مستويات التداخل

     اختصارا للتداخل الحاصل بين هذه المفاهيم يظهر من خلال الحتمية القيمية كيف أن الوضع ينطوي على مجموع مشاكل  لا تعدو أن تكون تجليات لمواضيع تأخذ أو تصاغ في شكل مشكل فيه، تعد في جوهرها معنوية، أي تقع في الجانب المعنوي، الذي يحدث أو يجري نوع من التصاعد في القلق/ البحث في اتجاهه بما يدفع إلى الاقتراب من حقيقة الواقع. القار أن ليس كل ما يوجد في الوضع يثير القلق، بل فقط هذا النمط من المشاكل بالذات، ما يجعلها تُتخذ مطية للبحث. وإذا تساءلنا أن لماذا يحدث التمظهر غير السوي فذاك ليعطي لقلق الإنسان وفعله أهمية بالشكل الذي يعدم معه فكرة العبثية.[xvii]
    المألوف في الأمر أن يتموضع الإنسان أي أن يقبل بالوضع ويستسلم له، لأن التموضع                                                                                                  يجذب الأبنية الفوقية إلى الأسفل ويدفعها للانكماش لخدمة الوضع، أو الاقتراب منه وهو السالب.[xviii] لكن الإنسان الذي ينتابه القلق يحاول تعديل وضعه إيجابا من خلال تحقيق كفة ذاته المعنوية والمادية، أي عن طريق تغليب ذاتيته وعدم الانحسار فيما هو موضوعي لأنه يعني الانغلاق المفرط على الوضع في ابتعاد متزايد عن الواقع الذي يعضد مفهوم الذات ويحققها باعتباره معنويا في الأساس، وهو الأساس. فكلما تحققت الذات بلغ المعنوي حده الأعلى أي تجلى الواقع كما في الواقع لا عما هو عليه في  الوضع، وإن كان هذا -حسب عزي- استثنائيا ونادرا، لأن الحاصل هو عمليات تكيفية أو فرارية وليست تغييرية.[xix] والتموضع طبعا لا يستوعب في معناه التكيف أو الفرار/ الهروب لأنهما أيضا سعي إلى التجاوز (كمستوى أول للتغيير)، أي فيهما محاولة للفهم واللجوء الذي إذا حصل تم التكيف.
   لاحظ الشكل الآتي:


    قراءة لمعطيات الشكل أعلاه يتضح أن للإنسان طريقا آخر غير التموضع،[xx] إذ قد يختار التمعقل كحركية يُعمل فيها عقله تسلقا لأدراجه للوصول إلى الخيال غاية الارتقاء والاقتران بالحق لأن هذا الأخير يهيكل الوضع بصفة مباشرة، إذا ألغينا الواقع، وغير مباشرة من خلاله وساطيا. يعرف عزي التمعقل بالارتقاء عن طريق البنية الذهنية العقلية غرض الانتقال من التموضع إلى التمخيل. يعتبره في ذلك لفظا أكثر تعبيرا عن طبيعة العقل كأداة للبحث عن الحقيقة، إذ يوحي هذا حسبه بالمجسد، في حين يعد الأول إعمالا للأخير وصيرورة للتحول من الوضع إلى الخيال.
    سواء في هذه الحالة -التمعقل- أو في تلك -التموضع- فإن للفرد "أنظمة مخيالية فرعية ينتجها انطلاقا أو ابتعادا عن الخيال"،[xxi] نعتقد أنها تؤسس للأخير داخله في الوقت الذي هو يقع خارجه ما يعني أنه يستحضره -الخيال- من خلالها جزئيا ليتصل به في كليته، وهي إذ تعمل على ذلك تعد المستوى الأدنى له.
    يحدث التداخل إذن بين كل من الوضع، الواقع، والخيال من خلال "الآليات" الثلاث؛ التموضع، التمعقل، والتمخيل. وليست الأخيرة مرادفة للخيال إنما هي -حسبنا- أداة للاقتراب منه وممارسته جزئيا أي في محاولة -ناقصة- للاتصاف به والتماهي معه ذاك أنه لا يمكن إطلاقا معايشته أو بالأحرى التعبير عنه كما هو في ذاته.
    تظهر أيضا صلة الخيال بالواقع والوضع في الأبنية الدينية والأنسجة الثقافية من جهة والأنظمة المخيالية من ناحية أخرى. فأما الأولى فلأن صورها تتجلى في كل من الوضع والواقع على حد سواء، وما هي في طبيعتها بسواء إذ تكون مشوهة في الغالب الأعم في الأول أكثر من الثاني، هذا إذا لم تكن الأبنية الدينية تتوقف عند الواقع وتكتفي الأنسجة الثقافية بالوضع؛ باعتبار هذه تحتية في الخيال وتلك فوقية فيه قد لا تأخذ -أو هو ذاك- تجلياتها غير السوية في معناها صلة بها. وأما الثانية؛ فلأنها نتاج التمخيل ومحصلته تتشكل كحالة لاحقة -وضرورية- لتصل الفرد بالخيال جزئيا فتبعده عن وضعه وتقربه من حقيقة واقعه كما سبقت الإشارة إليه.
    كأن الحديث في كل ذلك لا يكف عن الإيحاء بمفاهيم من مثل التصاعد في مقابل التنازل، السمو في مواجهة الدنو، الارتقاء بدل الانحدار، والموجب لا السالب. إن هذا التضاد كنتاج للتفكير في "العوالم" الثلاث -الوضع، الواقع، والخيال- إنما يؤسس لعلاقة تجاوزية تدفع لأخرى انتقالية لتصل إلى الثالثة التعالية، لأن الأصل في معايشة الوضع تجاوز الاهتمام به لا التموضع فيه، وإعمال العقل بالواقع انتقالا إليه غرض التعالي إلى الخيال نسبيا.

لماذا الواقع والخيال في الحتمية القيمية؟

   تلخيصا لنتائج هذه الدراسة نعرج لما تفترضه نظرية الحتمية القيمية في الإعلام اختصارا لها فيما يلي:
   تظهر الثقافة كسلم من ثلاث درجات: السلوك، المنطق، والقيم، حيث كلما ارتقت الثقافة إلى القيمة ارتبطت بالدين وهي تتحول في ذلك إلى حضارة. ينتج النشاط العقلي الذي يتعامل من خلال الإدراك، الفهم، والتأويل فعلا منطقيا إذا اتصل بالمنطق دون القيمة، إذ يعد نشاطا غير ترابطي لانفصاله عن الأخيرة ما يجعل مجال النمو المتوازن ضيقا. في حين يأخذ صفة الترابطي في الأساس إذا التمسها لينتج فعلا قيميا يستوعب بالضرورة المنطقي منه. يدفع هذا السواء في الفعل الثقافة للرقي إلى حضارة توليدا للآداب، الفنون، الفكر، والمعرفة؛ أي من خلال تفاعل المادي والمعنوي بالشكل الذي يصبح معه مجال النمو المتوزان واسعا.[xxii]
    ما يبينه الشكل التالي:


ملاحظة: يمثل الشكل أعلاه نظرية الحتمية القيمية في الإعلام كما يشرحها عبد الرحمن عزي (خطاب مباشر)، أما محل الوضع، الواقع، والخيال من النظرية ومدى ابتعاد/ اقتراب الإعلام من هذه المفاهيم الثلاث، كما هو موضح في الشكل دائما، فإنه يعبر عن فهمنا الخاص لما قدمه عزي (خطاب غير مباشر).
     إذا كان هذا ملخص الحتمية القيمية فأين يقع الواقع والخيال إذن من معطياتها أو الأحرى فروضها، ما هو محلهما؟
     تبعا لتصورنا -وكما يبين الشكل أعلاه- فإن الوضع يستوعب كلا من المنطق والسلوك على حد سواء، حيث يعد مصدرا للأخير، أي للحركة، بما يحكمه من عوامل زمكانية ويصفه من محدودية. في حين يُعنى الواقع بالجانب المعنوي فينطوي أو تظهر فيه القيمة ببناها التحتية/ مستوياتها السفلية، إن صح القول، وهو يتجلى في كل ذلك كوضع فيتمظهر في منطق وسلوك غير سوي. ليأتي الخيال أخيرا منطويا -استيعابا لكل ما دونه- على القيمة في مستوياتها الفوقية أو بصفاتها الكلية.
    لا يبدو أن تصور محل الواقع والخيال من هذه النظرية يكفي للإجابة عن السؤال "لماذا؟"، إذ يبقى مطروحا: لما توقف عزي عندهما وأقحمهما في الحتمية القيمية، وهي نظرية إعلامية، لاسيما وأن هذا التوقف لم يأت لاحقا ليأخذ صيغة "المرور" إنما جاء مبدئيا فلزم صفة  "التأسيس"؟ ربما ينجلي الغموض من خلال النظر -هذه المرة- في الصلة التي لهما بالإعلام.

لماذا الواقع والخيال في الثنائية الإعلامية؟

    يقول عزي أنه "كلما ارتبطت الرسالة بالقيمة كان أثرها إيجابيا وكلما ابتعدت احتملت الأثر السلبي وحادت عن الأصل على النحو المشاهد في العديد من النصوص الإعلامية كالنصوص الغريزية مثلا".[xxiii] ولا تقع القيمة -كما تبين- في الوضع، فلا يحترز الإعلام بها إلا إذا ارتفع إلى "ما فوق الوضع" ذاك أنه كلما اقترب من الأول كانت المضامين سلبية، وبات بالتالي قاصرا متموضعا، في حين إذا ابتعد عنه إلى الواقع أو حتى إلى الخيال -وهو النادر- عدت المحتويات "رسالية" (أنظر الشكل رقم (2)).
    لماذا "رسالية"؟ يمكننا القول -تماهيا ولغة عزي- أن المحتوى الإعلامي بطبيعته رسالي لكنه بطبعه غير رسالي وهو السائد. فنحن نفهم أن عزي حين يستخدم مصطلح "الرسالة" إنما يعني به المحتوى الإيجابي لا غير، لأن الرسالة هي القيمة وهذه إيجابية فقط. لذا فإن انحراف الإعلام -حسبه- عن القيمة يسفر عن نصوص -لا رسائل- تكون من نوع تلك الغريزية.
   يصبح الفرق واضحا إذن بين طبيعة المحتوى كمضمون كتلي يُعدم فيه الهدف، وطبيعته كرسالة تقوم أساسا عليه. فيكون النص الإباحي مجموع كتل مشرذمة لا علاقة عضوية تجمعها، تتماثل في حضورها معا كليا والمواد القيمية لتظهر كمضمون مجرد من المجرد لا ينطوي قط على مقاصد رسالية؛ أي هادفة تسمح له بأن يتمظهر في شكل رسالة لما يختزنه في مجموعه من كتل سلبية - سالبة تنزلق إلى الوضع -في ابتعاد متزايد عن الخيال- وهي تلبس في كل مرة وضعا مغايرا أكثر سلبية نتيجة للالتصاق بـ"الانفرادية - الغريزية". يعبر هذا النمط من المحتويات عن رغبة جامحة -نحيل مجددا على كلمة جامحة- للتموضع. بلغة أخرى فإنه يمكن تعريف الرسالة على أنها الرغبة/ السعي في الابتعاد عن الوضع للاقتراب منه، في حين يعرف ما دونها من مضامين سلبية بالرغبة/ السعي للاقتراب من الخيال بالابتعاد عنه.  
    "تنطلق النظرية من افتراض أساس يعتبر الإعلام رسالة وأهم معيار في تقييم الرسالة القيمة".[xxiv]فمصطلح الرسالة الإعلامية إذن يستخدم في هذا السياق كتعبير هادف على غرار الرسالة المحمدية، حيت لا يصح أن نقول المحتويات/ النصوص المحمدية، ومثل هذه الرسالة -الإعلامية- لا يستثيرها إلا ما يعرف بإعلام الفكرة أو الأحرى القيمي.
     استنادا لما سبق؛ يصبح واضحا لماذا يُنطلق من الواقع والخيال[xxv] لتأسيس فكر إعلامي حضاري مميز، فهما يعملان معا لقياس ثنائية الموجب/ السالب في الإعلام؛ أيهما يطغى على الآخر؟ من خلال النظر في حركيته للاقتراب/ الابتعاد.       

تناص المفاهيم

    يذكر مالك بن نبي في كتابه "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" أن الأفكار وسيلة اندماج الفرد في المجتمع، وأن الأخير يميز عن سواه من خلال رجحان أحد هذه العوالم: الشيء، الشخص، أو الفكرة، التي تتقايس جنبا إلى جنب وتتفوق إحداها على الأخرى تبعا لنمط الثقافة السائد فيه.[xxvi] وهي السياقات ذاتها التي يمر بها الطفل كيما يحقق الاندماج المناسب؛ فهو أولا يكتشف تلقائيا عالم الأشياء، ثم تدريجيا الخاص بالأشخاص، وأخيرا المتعلق بالأفكار. وينحدر لاحقا -في اتجاه عكسي- في مرحلة الشيخوخة.[xxvii]
    إنَا لنلحظ شيئا من تناص الخفاء الإيجابي في المفاهيم[xxviii] بين هذه العوالم التي يبني بن نبي علاقتها مع المجتمع والثقافة، وتلك التي يؤسس عزي لتفاعلها مع الإعلام؛ حيث يمكن جدا إحداث عملية تعويضية يصبح فيها الوضع عالم الأشياء، والواقع يمثل المتعلق بالأشخاص -فكليهما ينطويان على المعنوي في جوهرهما وإن تمظهرا بصورة مادية- في حين يُذكر الخيال بعالم الأفكار الذي يستوعب بشموليته كلا من الأول والثاني، كما يوضحه الشكل الآتي:

كأن الشكل أعلاه إذ يبين هيكلة هذه "العوالم" يجعلنا نفهم أن الأصل في الوضع واقعي وجوهر الأخير خيالي، في حين لا تصح القراءة العكسية. لأن حقيقة العالم الذي نعيش فيه خيالية لا نفهمها/ نشعر بها إلا إذا عضدنا أنظمتنا المخيالية بالاقتراب من الخيال والتفكير انطلاقا منه؛ فهو الأصل ونحن "نستمر" من خلال الأنظمة المخيالية.
    يعد المخيال الإعلامي إحداها، يعرفه عزي "كحالة تضمن المشاعر النفسية الاجتماعية التي تتكون بفعل ما يتعرض له الجمهور من محتويات وسائل الاتصال من جهة، وبفعل ما يحمله هذا الجمهور من مخزون تراثي وأسطوري من ناحية أخرى".[xxix] فالنظام هو الإعلام الذي يستخدم هنا مطية للوصول إلى الخيال، يتداخل في ذلك مع غيره من الأنظمة.
     تحيلنا هذه الدراسة إلى الاعتقاد حتى حد يقترب من الثقة من أن إقرار عزي بأن الخيال يقع خارج الإنسان هو فرض أساس للنظرية، بل هو الفرض الأساس. فقد تعارفنا في منظومتنا المعرفية على اعتبار التخيل إحدى العمليات العقلية، نقول مثلا: فلان ذو خيال واسع، بما يجعلنا نفهم أن الخيال يقع داخل الإنسان، غير أن الحتمية القيمية في الإعلام تدفعنا إلى التفكير على نحو: التمعقل يؤدي إلى التمخيل الذي يؤسس للتخيل لاستحضار الخيال، حيث يعوض التخيل هنا بالنظام المخيالي.
     تباعا فإن الاعتقاد بأن الخيال يقع خارج الإنسان هو ما يعد في نظرنا جديد هذه النظرية، إذ يطغى في ذاته على اعتبار الرسالة هي القيمة، ما يجعلها حسبنا -النظرية- تتجاوز الإعلامية بمسافات تكاد لتقع معها في فلك الفكرية.
    فضلا عن ذلك، أسفرت هذه الدراسة -إجابة على إشكاليتها- عن أن القيمة تقع تحتيا في الواقع فوقيا في الخيال، كما تبين، إذ كلما ارتقى النظام المخيالي للأخير مرتفعا بذلك عن الوضع، وحتى الواقع، كان موجبا وهنا تكمن القيمة، أي في عملية الارتقاء ذاتها.
    تتأسس عملية الارتقاء هذه في الرغبة في الابتعاد عن الوضع إلى الخيال من أجل الاقتراب منه -أي الوضع- لأنه لا يبدو على حقيقته إلا إذا نُظر إليه في كليته من خلال الخيال الذي يؤطره. مما يعني أن القيمة تظهر أيضا في هذه الرغبة -لأنها ليست أية رغبة إنما هي للارتقاء- وهو السبيل طبعا إلى تجسيدها.





[i] - عبد الرحمن عزي: "عن الحتمية القيمية، ونظرية المعرفة، وإدوارد سعيد، وجاك دريدا وأسلمة المعرفة وقضايا شتى"، http://www.arabmediastudies.net/index.php?option=com_content&task=view&id=167&Itemid=1
PDF created، تم تصفحه في: 02. 07. 2009.
[ii] - عبد الرحمن عزي: نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، تونس: الدار المتوسطية للنشر، ط1، 2011، ص10.
[iii] - المرجع نفسه، ص23.
[iv] - عبد الرحمن عزي: الإعلام وتفكك البنيات القيمية في المنطقة العربية: قراءة معرفية في الرواسب الثقافية، تونس: الدار المتوسطية للنشر، ط1، 2009، ص183، 184.
[v] - عبد الرحمن عزي: دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2003، ص129.
[vi] - حين نقرأ النص: "إن هناك ترابطا بين القيمة كمعنى وممارستها في الواقع المعايش" فلكأننا نفهم أن القيمة تنبثق عن المعنى وهي في ذاتها معنى، أنظر: عبد الرحمن عزي: الإعلام وتفكك البنيات القيمية في المنطقة العربية: قراءة معرفية في الرواسب الثقافية، المرجع نفسه، ص183.
[vii] - كما هو مبين في النص أعلاه "فإن القيمة ما يعلو عن الشيء ويرتبط بالمعاني الكامنة في الدين"، أما القيمي فهو "ما يسمو عن الشيء ويرتبط بالمعاني الكامنة على مستوى الخيال" ما نكاد نفهم منه أنه توجد معاني كامنة في الدين وأخرى على مستوى الخيال. والأمر شيء من ذلك لأن الدين هو أعلى مستويات الخيال (الأبنية الدينية) وفي بقية مستوياته معان كامنة أيضا. ترتبط القيمة بتلك المستقرة في الدين، ويتصل الشيء الذي توصفه أو بالأحرى الفعل الذي تتجسد فيه بالثانية القابعة على مستوى الخيال، فيكون أقل بدرجة من القيمة إذ هو فقط قيمي، يسمو بالشيء/ المادة عن شيئيته متجاوزا ماديته ليتعلق بما هو معنوي -فلا يمكن على الإطلاق تجسيد القيمة كما هي في ذاتها- ليعتبر بذلك ثالث أنواع القيمة (تلك المجسدة في فعل).
[viii] - عبد الرحمن عزي: دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز، المرجع نفسه، ص 17، 18.
أنظر أيضا: عبد الرحمن عزي: الفكر الاجتماعي المعاصر والظاهرة الإعلامية الاتصالية: بعض الأبعاد الحضارية، الجزائر: شركة دار الأمة، ط1، 1995، ص156.
[ix] - من الموقع، نفهم المعنى ذاته أيضا إذا قلنا "موضعيا" من الموضع.
[x] - في شرح هذا التعريف أنظر: عبد الرحمن عزي: دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز، المرجع نفسه، ص ص 19-21.
[xi] - المرجع نفسه، ص ص 21-23.
[xii] - بلغة أخرى فإن الواقع بطبعه وضع وبطبيعته واقع، والوضع بطبعه وضع وبطبيعته واقع. 
[xiii] - المرجع نفسه، ص ص 21-24.
[xiv] - المرجع نفسه، ص 23، 24.
[xv] - المرجع نفسه، ص 25.
[xvi] - إذ يؤطر الوضع فهو يهيكل الواقع بالضرورة.
[xvii] - المرجع نفسه، ص 21، 22.
[xviii] - يذكر عزي التموضع حين يعرف التمعقل؛ فيقول: "هو عملية الانتقال من التموضع (الوضع الذي في معظمه غير سوي) إلى التمخيل (أي الخيال)"، إذ يورد الوضع بين قوسين لشرح التموضع وكأن هذا ذاك. ونحن لا نعتقد أنهما مترادفان بل التموضع هو الاستكان للوضع، الاستسلام له، القبول والانشغال به، والانغلاق عليه. والأمر سيان في حال التمخيل/ الخيال كما سيأتي بيانه في خضم النص.
[xix] - المرجع نفسه، ص23.
[xx] - نلحظ كيف يظهر التموضع -بالنظر إلى الشكل رقم (1)- قطعة مغناطيسية جاذبة للمستويات الفوقية.
[xxi] - المرجع نفسه، ص ص23-25.
[xxii] - عبد الرحمن عزي: نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، المرجع نفسه، ص23، 24.
[xxiii] - عبد الرحمن عزي: "عن الحتمية القيمية، ونظرية المعرفة، وإدوارد سعيد، وجاك دريدا وأسلمة المعرفة وقضايا شتى"، المرجع نفسه.
[xxiv] - المرجع نفسه.
[xxv] - شأنهما في ذلك شأن الوضع، أو لا يصح قول هذا لأن الأخير واقعي في جوهره.
[xxvi] - للاطلاع أنظر: مالك بن نبي: "المجتمع والأفكار"، في مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، دمشق: دار الفكر، ط2، 2002، ص ص 35-40.
[xxvii] - المرجع نفسه، ص 26، 30.
[xxviii] - هو تناص غير مباشر ينضوي تحته التلميح، التلويح، الإيماء، المجاز، والرمز، وهو عملية شعورية يستنتج فيها الكاتب من النص المتداخل معه أفكاراً معينة يومئ بها ويرمز إليها في نصه الجديد، وحين يُعنى بإنتاج أفكار قديمة بأسلوب مغاير فإنه يعد إيجابيا. أنظر: التناص،http://faculty.ksu.edu.sa/WadhaZ/Pages/Reserch4.aspx.aspx ، تم تصفحه في: 26. 08. 2012.
[xxix] - عبد الرحمن عزي: علم الاجتماع الإعلامي، تونس: الدار المتوسطية للنشر، ط1، 2010، ص55.

* نشرت الدراسة مجلة الدراسات الإعلامية القيمية المعاصرة، الجزائر:  دار الورسم للنشر والتوزيع، ع 4، 2012.