بين الواعظ و الصحافي ( 5 )


بقلم / أ.د / إدريس بولكعيبات 

مع نهاية القرن التاسع عشر، يقول مؤرخو الصحافة كان يصدر ما يقرب من ألفي جريدة في العالم  العربي. وهذا العدد كبير بالنظر الى أن الفئة المتعلمة في تلك المرحلة كانت قليلة العدد، لكنها كانت سفينة النجاة لتحريك الوعي بالذات و ايقاظ الحركة القومية بعد أن بلغت الخلافة العثمانية مرحلة الاحتضار. محيط الأمية كان أكبر من أن يحيط به الوصف.
كان القرن التاسع عشر قرن الحركات القومية بامتياز ،  الحركات تلهب كل أوروبا و الكل يطالب بالحق في دولة . و قد استغل الصحفي المجري ذو الأصول اليهودية " هيرتزل " تلك الأجواء و ذلك الزخم ليطالب بوطن قومي لليهود في فلسطين و الحق في العودة . هو من اطلق الشرارة التي ستشعل الشرق الأوسط لاحقا و لا تزال حرائقها متقدة الى اليوم و ربما الى الأبد و الغريب أن " هيرتزل " لا يتكلم العبرية و لا يمارس طقوس اليهودية . و يحكى أيضا أن " محمد علي جناح " مؤسس دولة باكستان و هي دولة قامت قبل اسرائيل على أساس ديني . لكن " محمد علي جناح " الذي ترأس دولة باكستان الاسلامية لم يكن يؤدي فريضة الصلاة و كان يعيش على طريقة الأرستقراطيين الإنجليز الى أن تلقى ملاحظة من مقربيه ، فبدأ في تعلم قواعد الصلاة. 
إذا ، كانت النخبة في العالم العربي هي من ينتج الصحافة و هي من يستهلكها. و لهذا لم تكن الصحافة  وسيلة إعلام جماهيرية و كانت طاقة السحب ضعيفة في تلك المرحلة، بينما خلف المحيط الأطلسي كانت الصحافة تعيش عصرها الذهبي ؛ حيث تحولت الى وسيلة الاعلام الأهم على مر التاريخ . كانت رخيصة تباع ب " البينس "، أي تغري على القراءة. بينما كانت الصحافة العربية عالقة في القرن الثامن عشر من حيث المضمون يغلب عليها الرأي و لو كان مستنيرا. 
رجال الاصلاح وجدوا في الصحافة منبرا لهم خارج  المنبر التقليدي بالمسجد. وقد تطلب منبر الصحافة التغيير في اللغة من حيث البساطة و العذوبة. وقد تتلمذ على أيديهم جيل جديد ذهب في اصلاح حال اللغة الى مدى أبعد أحدثت القطيعة مع لغة الأئمة و حلقات الأزهر. وبلغ الأمر بعميد الأدب العربي "طه حسين " مبدع السهل الممتنع أن سخر من أساليب الكتابة في الأزهر و هو الأزهري . كانت حالة صارخة في التمرد قريبة الى الثورة.
"مصطفى لطفي المنفلوطي" سبق " طه حسين" في اصلاح حال الكتابة لكن دون نية  في المواجهة وافتعال الصدام. كان هو الآخر رجلا أزهريا قدم من أسيوط ليعود اليها إماما أو قاضيا مهنة مارسها أجداده من قبل. لكنه خيب الأمل و غير المسار وتحول الى أديب وصحافي وترك أسلوب الأزهر رغم أنه تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده. كان وسواس الشعر والأدب عنده ضاغطا و لم يقو على مقاومة ذلك النداء. جيلنا كان يقرأ بنهم أعمال " المنفلوطي " و منها تعلمنا تحريرنا لمواضيع الإنشاء أما " طه حسين "، فمنه تعلمنا روح النقد و هو الذي دعا في "الشعر الجاهلي " الذي جره الى المحاكمة، دعا الى فحص التراث وفق مهج الشك عند "ديكارت" في زمن تقديس الماضي وتكفير حتى الذي يشك في صحة الشعر أو في رواية العرب العاربة. 
و من ذاك  حدث شيء غريب في الصحافة العربية؛ فقد سعت الى استقطاب الأدباء واستكتابهم و تحولوا بفضل ذلك الى صحافيي رأي ومن جهة أخرى تحول الكثير من الصحافيين الموهوبين الى كتاب رواية . "مصطفى أمين" الذي كان أحد أقطاب الصحافة العربية في القرن العشرين مثالا على هذا التفاعل و التحول من الصحافة الى الأدب. 
كل أعلام الأدب العربي في القرن العشرين انجذبوا الى شهد  الصحافة الذي رأى فيها البعض أنها صرفت الموهوبين عن المنابر ثم صرفت الأدباء عن الأدب. لكنها جعلتهم أقرب الى نبض الشارع بعد أن كانوا في بداية القرن يكتبون لمجرد إشباع غريزتهم في الكتابة . 
 للحديث بقية ....أيها الأحبة ....