هل يصبح الواعظ صحافيا ؟ (3)


بقلم/ أ.د ادريس بولكعيبات

دامت حملة نابليون بونابرت على مصر ثلاث سنوات؛ حيث انتهت مع مطلع القرن التاسع عشر.  و لا ينظر المصريون الى تلك الحملة على أنها امتدادا للحروب الصليبية. فقد جاءت بالمطبعة و النبش في الآثار الفرعونية التي لم يلتفت اليها أحد من قبل رغم مظاهر الجبروت لتلك الأوابد: أهرامات الجيزة الشامخة التي كان يتكئ اليها" عبد الناصر"من خلال نافذة مكتبه وأبو الهول الذي ابتلعته الرمال والأتربة رغم ضخامة جثته، الجنود الفرنسيون تدربوا على الرمي و التسديد على أنفه النافر ما أدى الى تأذيه وتحطمه.
نابليون دنس الأزهر بحوافر جواده. لم تكن المواجهة متكائفة. الفرنسيون استخدموا أسلحة نارية متطورة  والمدافع الخفيفة التي تجرها الخيول بينما كان جيش المماليك يتصدى بأسلحة عبثية. لم يتأد أي من الجنود الفرنسيين إلا عددا قليلا ليس بسبب اصابات الخصم . لذلك حصل الانبهار . و قد كانت الملاريا و الذباب و البعوض هي من هزم نابليون و أجبره على الرحيل . 
عندما غادر ترك البلاد في حالة من الفوضى. و حينها ظهر "محمد على "  من وراء دخان المعركة، رجل من البلقان التي كانت لاتزال الأمبراطورية العثمانية تحكمها و أن ارتخت قبضتها . 
استولى على الحكم و نصب نفسه ملكا على مصر التي ظل الأجانب يحكمونها  منذ "كليوباترا" التي كانت تطمح لحكم روما و انتهت قصة حبها لمارك أنطوان الى مأساة. 
يعتبر المصريون المثقفون منهم و غير المثقفين محمد على أب مصر الحديثة وباعث نهضتها وكل النهضة في الشرق الذي بدأ يستفيق من نوم عميق دام قرونا . 
في البداية اعتمد محمد علي على الأزهر لتثبيت دعائم سلطته وكان يستشير بصورة دائمة شيخ  الأزهر حسن العطار.
لكنه سرعان ما أحس بوجود اختلاف عميق مع شيخ الأزهر حسن العطار.  كان محمد علي يطمح لبناء دولة حديثة بينما كان الأزهر مكبلا في التقاليد . و هكذا حصل الفراق وبلغ الأمر حد أن نفي شيخ الأزهر الذي أصبح مزعجا للحاكم الجديد لمصر. كان الشيخ يسعى لأن تكون للأزهر سلطة روحية على الحكم تشبه تلك التي كانت للقساوسة في دول أوروبا قبل قيام الثورة الفرنسية . 
مضى محمد علي في اصلاحاته وفي توسعه في اتجاه الشرق وهدد حكم العثمانيين في الشام. وواصلت سلالته من بعده الاصلاحات بارسال البعثات الى فرنسا خاصة . ففي عهد الخديوي اسماعيل شقت قناة السويس. وبالمناسبة كان الأمير عبد القادر من الشخصيات التي وجهت لها الدعوة لحضور حفل ذلك الانجاز الخارق في زمنه رغم تكلفته البشرية الباهظة و التي تحملها المصريون 100ألف قتيل مثلما تحملوا قبل آلاف السنين تكلفة رفع الأهرامات . 
البعثات الى الغرب بهدف التعلم بدأت في عهد محمد على. و من تلك البعثات المثيرة تلك التي كان ضمنها رافع الطهطاوي وهو أزهري شاب رافق البعثة حتى لا تنحرف عن دينها في "ديار الحرب" . كان يلعب دور المطوع. لكنه كان أكبر من أفاد واستفاد مما شاهده في باريس و ضمنه كتابه الخالد "تلخيص باريس" و هو عبارة عن تقرير يشبه الاستطلاعات التي تقوم بها اليوم وسائل الاعلام كنمط من أنماط الكتابة الصحفية . كان ملاحظا يتمتع بحس بارع. كتابه حرك المياه الراكدة في مصر وفي الشرق. كان الى حد ما يشبه ماركوبولو ذلك الشاب الايطالي الذي ركب الخطر بالسفر الى الصين ونقل الى مدينته البندقية صورة عن نمط الحياة في الصين أثارت حفيظة القساوسة الى درجة أن بعضهم اعتبره جاسوسا لأنه فند الخرافات التي كانت تنسج من حول الرجال في الشرق و تصويرهم في صورة وحوش بذيول وقرون. اعتبر رجال الدين في ايطاليا تقرير ماركوبولو تجديفا ومروقا لأنه يروي حكاية مختلفة و لأنه يقول حقيقة لم يكن العامة على استعداد لسماعها. و الشيء نفسه تقريبا حصل مع الطهطاوي الأزهري الذي قيل أنه أصيب بالانبهار وما كان له ذلك. إذ كان من المفروض أن يحافظ الأزهري خصوصا على ضبط النفس . 
للحديث بقية ، أيها  الأحبة ....