في قيمة التتويج الذي عرفته


بقلم اسماعيل يبرير


بعيدا عن الصورة المأزومة التي يراد لي أن أبدو بها، أودّ أن أوضح أنّي غير معنيّ بخيارات لجنة نجاة بن خدّة ولست مطالبا أو مدعوا للإعتراض على استقلاليّتها أو تبعيّتها وخضوعها، ذلك شأنها وللتاريخ أن يكشف ملابسات كثيرة، وليس بوسعي أن أشرح كيف قد تكون نجاة خدّة وبعض أعضاء لجنة تحكيم ما يعرف باسم جائزة آسيا جبّار قد اطّلعوا على روايتي مولى الحيرة ! كيف فهموا مسارات بشير الدّيلي أو لغته أو مقاربته للوضع، ليس كيف اعترضوا على حالات التصوّف، ولا كيف لم يرقهم الاقتراب من التاريخيّ والسياسيّ، ببساطة لأنّه يستحيل على نجاة خدّة وثلّة من أعضائها أن يفهموا إن قرؤوا، أن يقرؤوا العمل أصلا، من يكّم ماذا؟ روايات أخرى معنيّة كروايتي.
أنا أفهم سياقات نصّي ومشروعيّ الواعي، غير ذلك أقفز عليه مسرعا، وبإمكاني أن أكتب رواية كاملة عالية الجودة والتقنية بعنوان "نوبة وزير"، لكنّي منشغل تماما عنها، بإمكاني أن أفسد فرحة مراهق ما بكشف ملابسات خارج إطار الجائزة، لكنّي أترفّع عن هذا، غير أنّ الرّسائل التي تصلني وهي أشبه بالتّعازي تربكني، أنا سعيد جدّا رزقت بابني الرّابع ياسر من زوجتي أمينة، نشتغل على مشروع معرفيّ موحّد، هي تكتب وأن أقرأ لها، أكتب وهي تقرأ لي، ولم يقدّر لي أن أضع يدي بيد حميد قرين ولعلّ هذا رحمة بي، ولم يقدّر لي أن أحمل جائزة أخرى بالإضافة إلى الجوائز التي أحفل بها، وهذا لا يحرق وجودي وقيمتي.
وللتذكير فقط أنا حزت جائزة الطيب صالح العالمية للرواية قبل ثلاث سنوات، لم أعرف اللّجنة، لم يكن أحد المؤثّرين حاقدا على وزير الثّقافة فأراد أن يوغل قلبه بفوزي مثلا، لم يكن من بين المحكّمين من يتلقّى رسائل نصيّة من مكتب فارهٍ ترفض ناشرا وكاتبه فيعترض بشدّة، لم أكتب جواب استعطاف لأعضاء لجنة التحكيم، لأنّي لم أكن أعرفهم، وكانوا كبارا أقل سنّا من نجاة خدّة، مثلا كان الرّوائيّ الفذّ نبيل سليمان صاحب رائعة "مدارات الشّرق" من بين روائعه الأخرى، وكان العلامة محمد عبد المطلّب مصطفى (لا يحتاج أن أشير إليه بأكثر من ثقل اسمه)، وكان الدكتور عبد الله إبراهيم الأشهر صاحب موسوعة السّرد، وكان رشاد أبو شاور صاحب رائعة "الرّب لم يسترح في اليوم السّابع" من بين روائعه الأخرى.
متوّجا بالجائزة الأولى بينما يحلّ بعدي أستاذي وسابقي في الفكرة والكتابة والوجود بعقود محمد عز الدّين التازي، في الثمانينات كانوا عندما يتحدّثون عن التجريب في الرّواية ينسبون له التفوّق، تلك جائزة لم يكن فيها للسياسة والرّقابة والعلاقة يدٌ، أعتقد أنّ قرين كان يقصدها حين قال أنّه التقى لجنة التحكيم وطلب منها أن تلغي السياسة من تقير الأدب ! الآن لا أسف على ضياع الجائزة، فهي اختارت مسارها بفضل رعاتها، لكن وجب التنبيه إلى أنّي لست صديقا لعزّ الدّين ميهوبي، هو وزير الثّقافة جمعتنا علاقة طيّبة ثمّ اكتشفت أنّ فارق الخطى بيننا كبير جدّا فاعتذرت عن مسايرته، وهذا ليس تبريرا لحميد قرين كي يمنحني الجائزة في الدّورة القادمة، ببساطة لأنّي لن أترشّح إليها وإن كانت جائزتها ملايير ولجنتها أمّي وأبي.
نعم جوّعني بعضهم وسيتغيّر الوضع وأشرح كيف تمّ ذلك، خرّب بعضهم مسارات ما في حياتي، واقتات الكثيرون على منجزي بينما كنت أعمل للمنجز الآخر، لهذا فأنا سعيد بما لديّ وكثير الفرح أن كان لي الوقت والحظّ لأعبر ما عبرت.

المصدر: حساب الفايسبوك الخاص بالكاتب