قراءة البروفيسور لعربي فرحاتي لكتاب "المرجعية الفكرية لمشروع محمد أركون الحداثي " للباحث فارح مسرحي


أ.د/ لعربي فرحاتي

الكتاب الذي اخترته  للقراءة هو كتاب الصديق والزميل الأستاذ الفاضل القدير فارح مسرحي بقسم الفلسفة جامعة باتنة 1 وقبل ذلك أجدد له التهنئة بالفوز هذه السنة بجائزة أركون العالمية وأبارك له التكريمات المتتالية . واحييه على تناوله لأفكار هذه الشخصية الجزائرية ووضعها موضع الفحص، وأعود للكتاب .فقد عنونه ب" المرجعية الفكرية لمشروع محمد أركون الحداثي " أصولها . حدودها . من إصدار الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية في الطبعة الاولى .وأظن انه أطروحته للدكتوراه وكنت فيها عضوا مناقشا.
وعلني في هذه القراءة سأقول ما لم أقله أثناء المناقشة . 
والكتاب " الاطروحة" كما يبدو في غاية الأهمية لأنه أطروحة بحث وأكاديمي ، لأنه بحث حول شخصية مثيرة للجدل .والكتاب. يقع في .212 صفحة من الحجم المتوسط ، مقسم الى مقدمة ثم تمهيد واربعة فصول تضمن كل فصل مباحث .
وأشيد بداية بلغة الكاتب من حيث الوضوح ودقة التعبير وتوظيف المصطلحات بمعانيها الدقيقة . كما أشيد بطريقة المقاربة حتى لا أقول " منهج " من حيث استيعابها لحيثيات العنوان وما يحيل له . 

مقدمة الكتاب:

ففي مقدمة الكتاب وضعنا الكاتب أمام عدة معالم كمحددات للبحث . فهو يتموضع ضمن بحوث ما أسماه بالنهضة العربية الثالثة التي أعقبت المشاريع الفكرية للنهضة العربية المادة بين تدشين الأولين أمثال ...إلى بلورة مشاريع فكرية كالجابري واركون ..وهي مرحلة فكرية نقدية أنأت بنفسها عن التجريح...التكفير ..وهو ما التزم به بحثه فتناول مشروع أركون المسمى بنقد العقل العربي بالتحليل مستلهما من مقاربات مماثلة
كمقاربات جورج طرابيشي مثلا . بغرض الإسهام كما قال في ورشة النقد للعقل العربي الاسلامي المفتوحة، وفي ما يشبه التوضيح الابستمولوجي في بحث اشكالية المرجعيات الفكرية أشار الكاتب الى صعوبة تناول مشروع أركون من حيث هو مشروع متضاربة بشأن تصنيفه كمواقف جدية ومن يصفه ضمن مشاريع الاستشراق والتغريب، وصعوبته من حيث هو انماط التفكير وعلاقته بالمرجعيات التي يتحرك فيها، وصعوبات أخرى يطرحها تعدد الفكر الاركوني من حيث مرجعياته ..وهو دفع الباحث الى سبر أغوار مرجعياته للوقوف على عناصره الخفية والمعلنة فابحث في عمومه مساءلة للمشروع، من حيث هي تساؤل حول العناصر المشكلة لمرجعية أركون ، وتساؤلات حول مدى مشروعيتها، وتساؤلات حول انعكاساتها على فكره من حيث قيمته النقدية ؟
حاول الكاتب الباحث أن يجيب على هذه الأسئلة في أربعة فصول معتمدا المنهج التحليلي النقدي المقارن كما وصفه ووظف مراجع ومصادر ومقالات وأعمال أركون المترجمة وحواراته ..

الفصل الأول:

ففي الفصل الأول المعنون ب " أركون والمرجعية الفكرية الإسلامية " تطرق الباحث في التمهيد إلى .اضطراب كبير في تصنيف فكر أركون فهو في بعضها هرطقة وبعضها استشراف وبعضها أصولي وبعضها جريء .واعتبر الكاتب ذلك يدخل في نطاق جدل الأصالة والمعاصرة سيما وأن أركون يؤكد أن مشروعه يصنف ضمن الفكر الاسلامي ولا يريد من مشروعه إلا الخير . ومع ذلك فالكاتب طرح أسئلة ماهية مرجعيته الفكرية . وافتتحها بالعروج على سيرته الذاتية باعتبارها جزء من ذاتيته الفكرية . 
وفي المبحث الأول تطرق إلى حياة أركون.وسنعرض لما قاله
المؤلف بعجلة قدمه طفل من مواليد 1928نشأ كتجربة مؤلمة في ثاوريرث ب تيزي وزو فقيرا محروما تعلم القرأن ونشأ على الدين الاسلامي شغوف بالمعرفة ساعد والده في التجارة وتابع دراسته في مدرسة الأباء البيض ثم في ثانوية باستور بوهران والتحق بجامعة الجزاير ليدرس فيها الأدب العربي . ومر بتجربة مؤثرة بحسب الكاتب حين اختاره أحد الباحثين الفرنسيين في الاثنولوجيا ليلقي عليه بعض الأسئلة عن قريته، كانت بالنسبة له ذات أهمية في الثقافة الشفوية البربرية ونقلها والاهتمام بها سيما وهو عضو في تاجماعت يعيش عمقها في الوجدان ولا سبيل للتعبير عن التجربة البربرية المعاش إلا الثقافة الشفوية . ومما زاد أركون الشعور بالألم التهميش الذي عايشه لهذه الثقافة البربرية من طرف الثقافة الاستعمارية والثقافة العربية . ومن تجربته الأولى في إلقاء محاضرة حول المرأة القبائلية وما أثارت من سخط أمين القرية على جرأته الحديث مع وجود من هو أعلى منه بمنطق التراتيبية المجتمعية .وكشف له هذا الدرس الأخلاقي عن أشياء هامة من مثل علاقة متغيرات اللغة ،الفكر، والسلطة، والايديولوجيا، الثقافة..ببناء الفكر والعقل ..ويذكر الكاتب أن أركون لم يقتنع بالثقافة العربية الإسلامية وما درسه في مدارس المسلمين بسبب ما يراه من جمود وضحالة والتكرار والاجترارية فأصيب بخيبة أمل حيث بعثت به أن يسافر إلى فرنسا عقب اندلاع الثورة التحريرية مباشرة وهي بداية مرحلة تكوينه العلمي كما عنون الكاتب هذه المرحلة . 
فبوصله بجامعات فرنسا اكتشف العلم الحقيقي عند المستشرقين حيث تلقى العون المعنوي اللازم والتوجيه العلمي من طرف لويس ماسينيوس، واستهواه بأن يحضر أطروحته للدكتوراه حول الإسلام الاثنولوجي- السوسيولوجي المعيش في منطقة القبائل، وسجل أطروحته في الموضوع مع جاك بيرك . ليترك الموضوع في ما بعد ويغيره بسبب صعوبات التطبيق والظروف الاستعمارية ، وسجل بدله بحث نظري حول مسكويه، والنزعة الانسانية، وتحصل على شهادة الدكتوراه . وبعد هذا التكوين العلمي كما اعتبره وظف في عدة مناصب تدريسية في ثانويات و جامعات فرنسا وخارجها ، كما شغل مناصب سياسية والعضوية في اللجان، وكرم في العديد من الجامعات ونال عدة جوائز أخرها جائزة بن رشد 2003 . واختفى أركون بوفاته في باريس 24 ديسمبر 2010 ورحل عن الحياة ودفن في المغرب بوصية من أخته كما رشح الكاتب وفصل في جدل دفنه . ودفنت معه حياته كمتمرد باحث عن الحقيقة كما وصفه الكاتب وترك عشرات البحوث والدراسات والترجمات نال بها شهادات المستشرقين والعرب ب كفاءته في العلم والأخلاق وتموقعه في الندية غير منسلخ كما وصفه المفكر حسن حنفي . هي شهادة من مفكرين تؤشر حسب الكاتب الباحث على أهمية مشروعه، وضرورة تناوله بالدراسة 
وفي المبحث الثاني من هذا الفصل والمعنون .المعتزلة ومسألة خلق القران حاول الكاتب أن يتتبع خط الارتباط بين أقوال وأطروحات أركون الفكرية بوصفه فكرا نقديا للظاهرة الدينية والإسلامية، بفكر واطروحات المعتزلة، متوخيا في ذلك التأطير اللاهوتي بحكم نشأته الاولى كما أبرز ذلك الكاتب ، فتميز عن نهج الجابري في ذلك كما وصفه الكاتب .حيث ركز على ما أسماه بالظاهرة الدينية وما يسميه جورج طرابيشي"ارخنة التراث" في مقابل ما أسماه ب " تتريث التاريخ " السائد في الخطاب الإسلاموي كما وصفه الكاتب . وهي دعوة في نظره لعلم اجتهاد جديد سماه أركون " تيلوجيا- اناسية- منطقية للوحي أي دراسة ما تطرحه ظاهرة الوحي كما يسميها الكاتب وفق معطيات الانثروبولوجيا .وأبرز مفاتيح إعادة قراءة التراث وكل ما انبثق عن الوحي هو البحث في المسائل الكلامية حيث اتخذه أركون المهمة الأولى لإنجاز مشروعه الفكري بإعادة إثارة ما أسماه بمشاكل الدين والوحي والنبوة ووجود الله ومعنى كلام الله ...وبين الكاتب كيف اعتنى أركون بفرقة المعتزلة وكيف أشاد بها خاصة في مسألة تبنيها لفكرة خلق القرأن ما يوحي بتاثره الكبير بالفكر المعتزلي . وبعد توضيح الكاتب لأسباب ظهور الفكر المعتزلي وبيان ما اختلفوا فيه عن الفرق الإسلامية الأخرى شرح بعض تفاصيل موقف المعتزلة بشأن مسألة خلق القرأن باعتبارها النزعة العقلانية التي يعتبرها أركون أبرز اجتهاد يؤصل لفريضة التفكير في الفكر والعقيدة الاسلامية . وأن التفكير فرض عين لا فرض كفاية . كما أبرز الكاتب بعض تفاصيل الفكر المعتزلي الذي أعجب به أركون وعرج على الأصول الخمسة (التوحيد، العدل، الوعد،الوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . كما عرج على أسباب أفول الفكر المعتزلي باعتباره افول ما أسماه الكاتب بالموقف العقلاني وهو ما كان محل اهتمام أركون واعتبر منع نظرية المعتزلة من حيث هي خلق القرأن وكونه محدثا . هو بترا للتراث الاسلامي وتاريخ المسلمين، نظرا لما في هذه النظرية - كما أتى الكاتب على شرح بعض أساسياتها في سياق شرحه لمعالم الفكر المعتزلي - من انفتاح على الفكر والعلم والفلسفة والإبداع والحرية . وهي في نظر أركون - كما سجل المؤلف - قمة العقلانية من حيث هي جعل الوحي ظاهرة مفهومة عقلانيا ومن المفيد استرجاع ما اسماه المكانة الانطولوحية المعرفية لكلام الله . غير أن أركون
مع هذا الإعجاب تعاطى مع مضامين المعتزلة ب انتقائية حيث ركز كما يرى الباحث على مسألة خلق القرأن دون سواها وهو ما اوقعه كما يرى نصر حامد ابو زيد في شراك اسقاط الراهن بالانتقائية النفعية على الماضي . حيث ميز أركون بين القرأن بوصفه كلام الله وبين القرأن كظاهرة تدرس كما تدرس كل الظواهر الاجتماعية والسيكولوجية الفيزيائية. استنادا على ما اعتقده من ان المعتزلة بقولهم بخلق القرأن ادمجوا كلام الله في التاريخ . وهو ما لم يرد عند المعتزلة وان ورد فهو بمدلولات أخرى كما أوضح المؤلف . وأعجاب أركون المؤرخ بالمعتزلة كما قدمه الكاتب لم يحمله كمفكر على تبني فكرة خلق القرأن كمضمون بقدر ما شده الجانب الصوري من المسألة بوصفها فتح للمناقشات من حيث هي إحياء للعقلانية وتحيينها ضمن معطيات علوم الإنسان الحديثة . وهو ما قاد الباحث المؤلف إلى تحييد الفكر الاعتزالي كمرجعية للمشروع اركون واعتباره مجرد احياء لالية المناقشة وانهاء الفكر المدرسي المغلق ومن ثم تابع الباحث خيط البحث عن المرجعية الفكرية لأركون في الأنماط المعرفية الأدبية فبحثها في الإنسنة .
ففي المبحث الثالث من هذا الفصل والذي عنونه ب " ابو حيان التوحيدي ومفهوم الانسنة " حاول الكاتب أن يبين الموقع المركزي لنزعة الإنسنة في منظومة أركون الفكرية وارجعها إلى دراسته للفكر الإنسنة عند المسلمين محاولا تأكيد ظهور النزعة الانسنة عند المسلمين وليست حكرا على الغرب . فهي واضحة في أعمال التوحيدي ومسكويه . سيما عند التوحيدي حيث يبرزه اركون كابرز ممثل لنزعة الأنسنة اكثر حتى من مسكويه الاكثر حضورا في بحوث واهتمامات اركون .. ولبيان أثر التوحيدي في أركون الذي قال عنه أنه بمنزلة ابي أو أخي ..عرج الباحث المؤلف على التوحيدي بوصفه أديب وراقا، حيث يمثل بالنسبة لأركون كما يذكر الكاتب أحد قادة الفكر والموسوعة الفكرية في عصره اشتملت معارفه على المعرفة الأدبية والفلسفية، فيوصف التوحيدي عند المعاصرين كأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء ، وعند النقاد المعاصرين يوصف كما لو أنه أبرز ممثلي الحداثة في زمانه، وسباقا بفكره ل "دي سويسري في تأسيس االانسنة .وسباقا في ما كان يراود وعيه بمثل ما أسس عليه الغربيون مناهجهم التداولية والسيميائية..وفي هذه الإشادة وجه من المبالغة بحسب الكاتب قد تضر بفكر التوحيدي ذاته ولا تخدمه هذه الاسقاطات ، ذلك أن -وبحسب الكاتب - مقارنة فكر التوحيدي القوروسطي والحديث عن السبق المعرفي بثماني قرون وعلى أهمية الإبداع الفكري للتوحيد ، هي مقارنة غير موضوعية ولا تخلوا من المبالغة وتحميل فكر التوحيدي مالا يحتمل .وهو جعل أركون حسب الكاتب ينتبه ليضع التوحيدي في مرحلة إرهاصات الحداثة المنتهية . وهنا عرج الكاتب على بعض أفكار التوحيدي وابرز فكره كبوتقة تداخلت فيها أفكار وتزاحمت مما يدل على تكامله وانفتاحه، وكشف عن نزعته التواقة للمفهوم الإنسان الكامل في واقع العيش، مما يؤكد على نزعته القوية في التكامل بين العلم والعمل . وقد شكلت له أفكاره حسب الكاتب معاناة رفض الناس لأفكاره واتهم بالزندقة مرة وبالالحاد مرة وبالصوفي اخرى في مؤلفه " الحج الروحي اذا تعذر الحج الشرعي "مما دفع به كل ذلك إلى إحراق كتبه . غير أن أركون بحسب الكاتب يضع التوحيدي في الوقف المتردد . وفي تقدير الكاتب لموقف أركون من التوحيدي من حيث أثره في مرجعيته أن أركون حافظ على انتقائيته فانتقى موضوع الانسنة من فكر التوحيدي في كتاب الهوامل والشوامل من حيث
أن مقصد التوحيدي في خلاصات أركون هو التعبير عن بطلان الحكمة الخالية من المنفعة من الناحية العملية وإسعاد الإنسان . وأحضر الكاتب نصا للتوحيدي بما يفيد ذلك وقال عنه اركون انه يشارك التوحيدي فيه ولخصه في (نزعة التمرد الفكري ، رفض الفصل بين الفكر والسلوك ) وقد شرح الكاتب هاتين النزعتين لدى أركون . حيث وصفه بالإسلامي المتمرد على الفكر الاسلامي، كما تمرد على الاستشراق، وبين كيف أشاد بالنزعة الانسانية ووصفها بالحداثة اكتشفها في الفكر الإسلامي القروي في إيران وعند الجاحظ وغيره ممن اهتم بقضايا الانسان، وفي قراءة أركون لكتاب الهوامل والشوامل يكشف الكاتب أن أركون يهتم كثيرا بأسئلة التوحيدي ولا يهتم بالمعلومات والمواقف وروح النص لا مادة النص ، وبالتالي فأركون بحسب الكاتب ينتقي النزعة النقدية والانسنة ولا يرى أهمية للمواضيع والتأطير الديني والثقافي لفكر الانسنة العربية المحددة بشروط تاريخية واجتماعية ...وهو ما يؤكد في نظر الكاتب أن التوحيدي لا يشكل مرجعية لأركون إلا من حيث النزعة الانسانية وصرخة التوحيدي بأن " الإنسان أشكل عليه الإنسان " ورغم هذا التأثر شكك الباحث الكاتب في حقيقة تأثر أركون بالتوحيدي كفكر ومواقف، الا من حيث التعاطف ، بالقدر الذي تأثر فيه بالاستشراق من خلال ما اولاه من اهتمام في مؤلفاته بفكرهم ، وهو ما يكشف حسب الكاتب أن اركون يفرق بين النزعة الانسانية القائمة على اللاهوتية كما يسميها ، وتلك القائمة على المركزية الانسانية المتجاوزة للطوائف والدين والعرق، وهي المهمة ،.وهو ما يراه الكاتب ضرب من الطوباوية وأنهى الكاتب هذا المبحث بسؤال اذا كان التوحيدي لا يشكل مرجعية لمشروعه، فهل يكون بن رشد ؟.
ففي المبحث الرابع وتحت عنوان ابن رشد والعقلانية الإسلامية . حاول الكاتب أن يبحث عن اصول أركون الفكرية في ابن رشد . فتحت عنوان ابن رشد والعقلانية الإسلامية .أبرز الكاتب بعض معالم بن رشد فيلسوف قرطبة، الذي يوصف بالعقلاني الشارح لمؤلفات ارسطو والفقيه والقاضي والمؤمن بنسبية المعرفة وكأنه رد فعل على هجوم الغزالي على المشائية..الخ 
ظهرت أفكاره العقلانية خاصة في كتابه تهافت التهافت وفصل المقال ..وكانت محل نقاش ايجابي سيما في افكاره المتعلقة بعلاقة العقل بالنقل وبين الشريعة والحكمة وهي قضايا تشبه الاصالة والمعاصرة كما قال الكاتب . ورغم هذا الوصف الايجابي العام والمكانة العالية ، لم يسلم كما قال الكاتب من النقد اللاذع واعتبره الكثير تابعا لارسطو مستنسخا . مع تسجيله لمواقف كتاب معاصرون أمثال الجابري واومليل الذي إعتبراه فيلسوف الحكمة والتوافق بين الشريعة والعقل وليس كما اعتبره البعض فيلسوف التوفيق بينهما وبالنسبة لموقف أركون من أفكار بن رشد بين الكاتب أنه كان كغيره مهتما بابن رشد واصفا له بكونه فيلسوف تحمل مسؤولية المعرفة العلمية والفلسفية في عصره واستطاع أن يحدث توازن بن العقل والايمان . ورغم ذلك فموقف أركون من ابن رشد الفيلسوف موقف يساير موقفه من ما يسميه العقلانية القروسطية رغم اشادته بنضال ابن رشد ضد ما يسميه ب الأرثوذكسية وما عاناه من فقهاء السلطان، وفي نظر أركون أن بن رشد لم يستطع أن يفكر خارج النظام المعرفي الديني العام ولذلك فهو يدعوا إلى إحياء الموقف لا المبادئ من أجل القطيعة مع العقلانية القروسطية وتأسيس بديل العقلانية الحديثة كما يصفهما . وانتقد أركون ابن رشد من حيث بقائه اسيرا لمفاهيم تقليدية (الله والعالم والزمان والنفس ...الخ ) من حيث أن بن رشد وظف هذه المصطلحات وغيرها بمعاني يونانية لفهم القرأن . وهذه بالنسبة لأركون كما يقول الكاتب مغالطة .وعرض الكاتب الباحث بعض المناقشات الاستشراقية وغيرها التي تبرر قرأنيا استخدام ابن رشد وغيره لهذه المصطلحات ، ورد أركون علي ذلك بأن ذلك صحيح ولكن حديث القرآن على مصطلحات العقل مثلا تمر على القلب والعاطفة وليس الدماغ كما هو في الحداثة . ومن ثمة خلص الكاتب إلى أن موقف أركون من ابن رشد لم يختلف عن موقفه من التوحيدي وموقفه من الفكر الإسلامي عموما فريده صوريا شكليا لا مبادئ ومضامين . وبين الكاتب في أن أركون يبتعد مسافات في أهدافه عن أهداف بن رشد حينما طابق أركون بين الحكمة مقابل الحكمة عند ابن رشد ، والظاهرة الدينية مقابل الشريعة عند ابن رشد .واهتم أركون باشتغال كل من الشريعة والعقل بدل الاهتمام بالتوافق بينهما كما هو الحال عند بن رشد . وبين الكاتب أن أركون كان أعمق من الجابري وغيره الذين انشغلوا بالاختلاف ومظاهر التمايز في المنظومات المعرفية الإسلامية فهو يراها ذات منطلقات واحدة وبالتالي كان موقفه يكاد يكون واحدا ، فلا يمكن في نظره أن نعتمد عليهم جميعا ويجب التحرر من كل هذه القراءات والرجوع إلى دراسة القرأن من حيث هو المرجعية الأولى . وإذ ينفي الكاتب أي ازدراء لأركون تجاه الفكر الإسلامي إلا أنه يرى أنه يطرحه كحدث انتهى تاريخيا،ومن ثمة فلا يمكن حسب الكاتب أن يكون بن رشد و الفكر الإسلامي عموما مرجعية لمشروع أركون ولو صنف مشروعه ضمن الفكر الاسلامي بحكم بحثه في التاريخ المعرفي الاسلامي . وبالتالي يقودنا هذا النفي إلى التماس مرجعية مشروع أركون في الفكر الغربي الحداثي وهو ما عنون به الكاتب الفصل الثاني.

الفصل الثاني . 

فاستهل الكاتب هذا الفصل بتمهيد أسس فيه مبررات الفصل في أن مرجعية أركون لا علاقة لها بالفكر الإسلامي إلا من حيث هي موضوع للنقد والقطيعة الابستمولوجية ، وهو ما يؤشر وفقا لجدلية ( الأنا والأخر ) أن ارتماء أركون في الآخر (الفكر الغربي) هو الأكثر احتمالا تأسيسا على رفضه للتأسيس المعرفي والمنهجي على الفكر الاسلامي ...حيث استدعى في دراساته أدوات غربية لقراءة التراث وهو ما كان محل انتقاد الكثير من الكتاب والمفكرين العرب والمسلمين فاثر الداروينية والفللولوجيا والالسنية ...مناهج حاضرة لدى مفكرين عرب ، وقد طرحت هذه الاستعارة عدة اشكالات في نظر البعض كما سجل الكاتب ، عن كتاب أمثال عبد الله ابراهيم وداريوش شايغان ، والموقف الذي يلتمس مناهج ابداعية من وحي التراث .وبالنسبة لأركون وصلته باللمرجعية الغربية، اعتمد الكاتب على ما يسميه ابراهيم عبد الله بالمقترب الخارجي، في قراءة نصوص أركون وانتاجه الفكىي لعله يكشف عن أثر المرجعيات الغربية في مشروع أركون . وبدأ بموقفه من الاستشراق .فتحت عنوان موقف أركون من الاستشراق بين الكاتب مدى اهتمام المثقفين بهذه الظاهرة واحتدام النقاش حولها لدرجة التناصح فموقف المفكرين الاسلاميين الذي وصفه الكاتب بالجبيلي ليس الاستشراق الا أداة معرفية للاستعمار يقابله بشكل متطرف موقف غربي يضعه كاداة لوضع الاسلام والمسلمين كموضوع للدراسة في سياق تشيء الظواهر .واركون وغيره من الكتاب كادوارد سعيد وأنور عبد المالك اهتم بالاستشراق مدحا ونقد في نفس الوقت لمنهجهم، إلا أن نقده لم يشفع له فصنف ضمن المستشرقين بل وأخطرهم، ووصل الأمر كما يقول الكاتب إلى أن أحد نقاده اعتببر نقده للاستشراق مجرد تمويه وتضليل، وكما انتقد من الجبهة المضادة حيث اتهم بالأصولية . وهو ما قاد أركون إلى القول بالتواصل المستحيل مع الجبهتين، ولكنه يرد بأنه مسلم انساني كما كان مسكويه.
وفي ضوء هذا الموقف المضارب حول أركون تساءل الباحث هل مشروع أركون تجاوز مسألة الاستشراق أم أنه بقي حبيس المنزلة بين المنزلتين (الاسلامية،الاستشراقية) وعرج الكاتب للإجابة على هذا التساؤل على تاريخ الاستشراق بوصفه اعتناء الغرب بالشرق منذ القديم وتطوراته وبين كيف أختلف من مرحلة إلى أخرى وارتباطه بالاستعمار ، مما أدى إلى ظهور أصوات تدعوا الى ضرورة التخلي عنه كمصطلح ك "كلود كاهبن "من منطق أن لا وجود لانسان غربي وإنسان شرقي . فالبشرية واحدة ، وقد توجهت هذه الحركة إلى تبني اسم الدراسات العالمة العالمية . وتم التخلي الرسمي عن تسمية الاستشراق في مؤتمر المستشرقين 1973
غير أن تغيير التسمية لم يحسم المسألة حيث بقي الاختلاف والتناطح مستمرا . مما جعل أركون يبحث عن موقف موضوعي من الاستشراق ، فحاول أن يتميز في موقفه الناقد للاستشراق بأن كان ناقدا من الداخل مالكا العدة المعرفية اللازمة لذلك أكثر من غيره، حيث وكما يرى الكاتب أنه تناوله للاستشراق كظاهرة في ثلاث مستويات (مستوى المعرفة الإيجابية الميدانية العلمية، المستوى الابستمولوجي، المستوى التقني والوسائلي لجمع المعلومات ) . وإذا كان أغلب الدراسات الإسلامية تركز على ارتباط الاستشراق بالاستعمار فإن في ذلك اختزال شديد للاستشراق كما لوحظ ذلك عند إدوارد سعيد وهو ما انتقده بعض المستشرقين الذين أكدوا على أن للاستشراق ايجابيات لا يجب نكرانها ولا يجب وضع الإستشراق في سلة واحدة . ولهذا التضارب جعل أركون يبحث عن موقف آخر مختلف وصفه بالعلمي المتجاوز كما دون الكاتب . فأركون اهتم بالمستوى الأول حيث يشيد بالأعمال الاستشراقية وفي نظره كم معرفي هائل لا يمكن إلا وصفها بالايجابية، وأعاب على المسلمين تجاهل ذلك . واهتم بالمستوى الثالث الذي يتجلى في ارتباط الاستشراق بالسياسة لخدمة الهيمنة ولم ينكر أركون هذا الارتباط . ولكنه اهتم أكثر بالمستوى الثاني المتعلق بما يسميه أركون بالسلامات الكلاسيكية والمفاهيم والمناهج. و الاهتمام الكبير بهذا المستوى يجعل أركون في نظر الكاتب ناقدا لمنهج المستشرقين أكبر . من حيث هو منهج السائد في القرن التاسع عشر، فللوجي تقليدي سردي في طبيعته، ولم ينفتحوا على المناهج الحديثة للعلوم الاجتماعية، حيث ركزوا على تاريخ المسلمين مهمشين أوضاعهم الحالية ومستقبلهم بحجة صرامة اختصاصهم، فسقطوا في الانتقائية ، وإهمال التعبير الشفهي، إهمال المعيش غير المكتوب..الخ وما يفهم من هذه الانقادات الاركونية هو أنه دعوة منه لضرورة تناول التراث الإسلامي في كليته دون بتر واختزاله في ثنائيات، أي تناوله لما يسميه بالسنة الإسلامية الشاملة . وإذا كان هذا المنهج أعجب البعض أمثال هاشم صالح من حيث هو نقد علمي كما بين الكاتب فإنه لم يعجب البعض اامثال محمد المزوغي فلم يرى فيه إلا عودة وارتماء في أحضان الإيمان الديني عندما قوض العقلانية والفلولوجية، كما رأه المستشرقون نقد ساذج . وهناك من المستشرقين من وافق اركون أمثال ماكين رودنسون الذي اعترف بنقص مناهج الاستشراق ولم يعترف بكمال مناهج العلوم الاجتماعية فدعا إلى الحذر وتوخي الموضوعية وتجاوز المماحكة، دمج الموضوعات المهمشة، الاهتمام بما هو أكثر حداثة. وهو ما أعتبره الكاتب تقارب كبير بأركون والاستشراق بصفة عامة ، حيث اعتبره أحد المرجعيات المهمة لأركون، فرغم انه كما يقول الكاتب لا ينكر الكلاسيكيات الإسلامية ويدعوا إلى الاستفادة منها ، الا إنه يصطف مع كبار المستشرقين يدعوا إلى نقده ابستمولوجبا ، ولكن هذا بحسب الكاتب لا يعني أنه مستشرق يحمل اسم المسلم، ولا يعني أنه تابع فكريا كما ذهب البعض، وقد قيمه نصر حامد ابو زيد في انه من المنظومة الدينية . وتأسيسا على أقوال أركون في انه لم يخل ابدا عن ثقافته الأصلية حين كان في القرية يرى الكاتب أن أركون من رحم المجتمع الإسلامي ذوا إرادة التغيير والتجاوز. يريد أن يجد حلولا لمشكلات المسلمين . وتساءل هل وجدها . وهو ما وضعه محل بحث في المبحث الثاني 
عنون الباحث هذا المبحث تبني مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة .واستهله ببيان بعض المحاولات تصنيف أركون حيث وضعه إدريس هاني بين المشروعين "الجابري" والعروي في القطيعة الوسطى تأسيسا على أن أركون يرى أن التراث يستمر فينا كما قال الجابري، الا انه يرفض الأيديولوجيا والتاريخانية كما هي عند العروي . وانحاز إلى الابستمولوجيا النقدية والعلمية، وهي كما قالها . المعرفة بشروط انتاج المعرفة (الوجود الإجتماعي للمفكر، والشرط الابستمي ) وهكذا وبحسب الباحث يتضح مسلك أركون في أتباعه للمنهج العلمي للعلوم الاجتماعية من حيث هو الاجتهاد المحرر للعقل والقراءة العلمية للتراث كالالسنية، وعلم النفس، ..ويجب التسلح بمفاهيم هذه العلوم. . غير أن العلوم الاجتماعية رغم علميتها لا تخلوا كما يقول الكاتب من الايديولوجية في أنها تدعي هي الأخرى امتلاكها للحقيقة . فتساؤل الباحث كيف تظهر هذه العلوم في مرجعية أركون وهو يرفض الأيديولوجيا . فيقولون أركون يقر بتاثره البالغ بالعلوم الاجتماعية في مشروعه إلا أنه يقر أيضا بأنه ينتقد من الداخل وهو ما يجعله حسب الباحث يفهم من البعض في حالة تناقض واللعب على الحبلين وهو ما يرفضه أركون بشدة ويرى انه غير متأثر بالفكر الغربي كما قال عنه المزوغي الذي استند على كتاب أركون " الفكر الأصولي واستحالة التأصيل " واركون كما نقل الكاتب لا يفرض على الفكر الاسلامي ما لا ينطبق عليه. وقدم كثير من مسوغات لاستراتيجيته التي تخرج بحسبه المسلمين من الموقف السلبي وقولهم بالغزو الفكري ..وتبني العلوم الاجتماعية كفتوح جديدة .بغض النظر عن موطنها، فالإسلام هو جسد لا ينفصل عن ما هو نفساني، وتاريخي، وسوسيولوجي...فلا يدرس إلا بالأدوات العلمية ..غير أن هذا المنهج كانت له ردود أفعال عنيفة وصلت إلى حد التكفير كما حدث مع تكفير الغزالي للمشائين، وتكفير نصر حامد ،وعلي عبد الرزاق ...فاصاب ما بشبهها أركون حيث بالغ خالد كبير في نقده المثقل بأحكام القيمة . ولكن البعض ومع تصاعد الإسلام السياسي يرى ما يراه أركون من ضرورة تناول الإسلام كظاهرة تاريخية معاشة على ضوء ما اسماه هاشم صالح بالمناهج العقلية أسوة بما حدث في الأمم المتقدمة. ويرى الكاتب أن معطيات العلوم الاجتماعية تشكل الرهان الأكبر لأركون في المقاربة الموضوعية للتراث والخروج من أزمة التراث .واضح الكاتب أن كثير من الكتاب لم يعارضوا أركون في توخيه إعادة قراءة التراث بالمناهج الحديثة أمثال الجابري من باب ضرورة التجديد في كل عصر . وأضاف أركون للمناهج فكرة المقايسة وإعادة مفهمة الشرق والغرب واخراجهما من العدائية فكلاهما في نظر أركون ينتمي لثقافة البحر الأبيض المتوسط وان العالم الإسلامي امتداد للغرب .. وهي دعوة لدمج التاريخ الإسلامي في التاريخ العالمي، وأن العالم الإسلامي سيعيش بالتالي نفس المشكلات التي عاشها الغرب، ومسألة التقدم ليست حكرا على مجتمع بعينه ، بقدر ما هي حضور للعقلآنية في أي مجتمع ...وأنبهار أركون وتحيزه الشديد للعلوم الاجتماعية كما قدمه الكاتب لم يمنعه من الإقرار بنسبية تلك المناهج ولكنه لا يجب في رأي أركون أن يثنينا ذلك على الاستفادة منها من حيث هي المتوفر وتبني تعدد المناهج حتى نقلل من حضور الايديولوجيا.وهو موقف كثير من الكتاب كحرب وحسن حنفي وكثير من المشاريع ارتبطت بالفكر الغربي وعلومه وايديولوجياته، وتميز عنها أركون بالمنهج المتعدد التفكيكي وقدرته على الانتقال من منهج إلى أخر . وفي كل محطة يعود الكاتب إلى إبراز أهمية العلوم ومناهجها المعاصرة عند اركون ومدى استيعابه لها وللتراث الاسلامي، والظاهرة الدينية بشكل عام ، فميز الكاتب ثلاث مناهج أساسية (علم اباجتماع، الانثروبولوجيا، اللسانيات بالإضافة إلى علم النفس والتاريخ سيما تاريخ الاديان . ففي علم الاجتماع يستعير ماكس فبر وبيان بورديو ومفاهيم الأرثوذكسية ، وأستعار من الالسنية ألمكانة اللغوية في الخطاب...من حيث أنها تفيد في فهم كيف يشتغل القرأن، وأستعار الانثروبولوجيا مفاهيم باستيد الذي يؤسس عليه ما أسماه بالاسلاميات التطبيقية، كما استعارة من ستروش مفاهيم القرابة والاسطورة ووظفها في ما اسماه بالطابع الاسطوري للقرأن، واستفاد أركون من الحوليات الفرنسية كثيرا واعتمد على ميشل فوكو ومنهج الحفر في التراث والمنابع الاولى والاركيولوجيا، وعرض الكاتب في نهاية هذا المبحث إلى
قائمة المصطلحات التي شكلت الجهاز المفاهيمي لأركون كما صاغها هاشم صالح(المصطلحات الاثرية، مصطلحات علم الاجتماع،وعلم التاريخ الاديان، واللسانيات، والفكرانية . والخلاصة التي خلص اليها الكاتب هو أن أركون سعى جاهدا لمسيرة الفكر الغربي على مستوى الآليات المنهجية ، وتساءل الكاتب مرة أخرى هل أن أركون قبل بشكل مطلق للفكر الغربي أم أنه مارس انتقالية أيضا ، ذلك هو ما حاول الباحث بيانه في المبحث الثالث . 
وعنون الكاتب المبحث الثالث ب " في نقد الحداثة وما بعد الحدااثة " .افتتح المؤلف هذا العنوان بتثبيت اهتمام أركون البالغ بالفكر الغربي حيث لا يظهر جديد فيه إلا وتلقفه اركون،النص الاركوني مشبع المصطلحات الغربية مما يطرح سؤال الابداع، فنظر إليه البعض على أنه تقني منفذ لمقولات الغرب .أفقده اي إبداع في حين يبعد أركون هذه التهمة عنه بأنه ناقد للفكربن وأنه يستهدف التجاوز . كما حاول فلاسفة ما بعد الحداثة تجاوز الحداثة بالنقد وانتاج عقلانبات جديدة، ويعترف أركون حسب المؤلف بأنه لم ينجح في التوفيق أو الوساطة والتجاوز وارجع ذلك إلى أنه ناقد للفكر الغربي، كما أنه ناقد للعلوم الاجتماعية ويرى ضرورة انتاج إطار فلسفي تؤطرها، من حيث هو الموقف الذي يرفض اليقينيات، ومن هنا يفهم الموقف الاركوني من الحداثة من حيث هو ليس رفضا كما هو الحال في ما يسميه المؤلف بالاسلاموي، فهو ينتقد ليسوع أفاقها وكشف انحرافاتها، إلى الايديولوجيا، وشرعنة السلطة والاستعماى، وهو مارأه البعض تكرار لما كان عليه موقف فوكو، فأركون يعترف بأنه علماني، إلا أنه ينتقد العلمانية عندما تحولت من أداة للتحرر إلى كونها ضد الدبن، وهي ممارسة شبيهة بالدين، ويعطي مفهوما للعلمانية في أنها ابستمولوجبا التي تقود العقل إلى الحقيقة، ويدعوا بالتالي إلى علمانية منفتحة على الوجود بما في ذلك الدين وبحررها كما يرى من الدوغمائية في الفلسفة وينتقد بهذا فكرة موت الاله . وبهذا الموقف صار أركون أصولي في الفكر والغربي وعلماني في الضفة الأخرى ، ومن نقده للعلمانية انتقد مرتكز حداثي أخر يتعلق بحقوق الإنسان بطرحه ما اسماه بحقوق الروح ضمن حقوق الانسان، ويرى الكاتب أن هذا الانفتاح لدى أركون استلهمه من فلسفة هابرماس الذي جعل من الحداثة مشروع لم يكتمل . واعتبر أركون أن ما بعد الحداثة مصطلح خاطئ،لأنه يحملنا على الاعتراف بتجاوز العالم الحداثة ، وهو ادعاء فارغ بحسب اركون، وأقترح بديلا وهو "ما فوق الحداثة للتفريق بينها وبين الحداثة الكلاسيكية . فأركون حسب المؤلف ضد الفكر المنغلق حداثي أم ديني ، وأنه يتحدث عن فكر لم يتشكل بعد وهو في طور التشكل على أنقاض التنوير عبر تفكيكه بمنهج هايدجر، ودريدا . وبهذا تموقع أيضا في الابستمولوجيا الباشلارية. ونحت لذلك مصطلح العقل الاستطلاعي يناسب مشروعه التأسيسي في طور الانبثاق.وهو عقل في نظر أركون يغلب المعرفة على الهيمنة ويساعد على رطوبة الخيال واتساعه الخلاق متجاوزا للحداثة الكلاسيكية التي تمجد العقل المهيمن، فليس ابالعقل وحده يحيا الانسان . فلا توجد عقلية واحدة بل توجد عقلانيات، وهو مدخل دخل به أركون إلى دراسة الظاهرة الدينية والإسلامية على الخصوص والتي طالما همشت في الفكر الغربي، حتى عند منتقدي الفكر الغربي حيث وفي نظر أركون بقوا رهن نزعة المركزية الغربية والذين تطرقوا للدين لم يقولوا إلا حماقات كفوكو، وغوشيه،،،فهم وعلومهم تشكلوا في محدودية المركزية الغربية ولم يستطيعوا تجاوزها إلى الكونية
الانسانية . وبحسب الكاتب يكون أركون قد تعاطى بوعي مع المشروع الحداثي وما بعد الحداثي بحيث ينتقي منها ما يجعله منفصلا كما ذهب إلى هذا " رون هاليير" مما يجعله منفصلا عنها ، وهذا لا ينفي عليه التباس كما قال الكاتب حيث استمر منتقديه في نقده فرمي بالعدمي، وبالمؤمن، وبالإصلاحي....ويرى المؤلف أن تصنيفه إصلاحي يهدف إلى التوفيق لم يكن عاريا من الصحة إلا أنه بقي غامضا، وأما تصنيفه ب العدمية ففيه اجحاف، والازدواجية هي الحاضرة بقوة في مشروع اركون. .فيراه رون هاليير مجددا واصيلا، مع اعترافه بشيء من الطوباوية في فكر أركون . ويصل المؤلف إلى نتيجة عبر نقاش الآراء تفيد استراتيجية ذات حدين عند اركون ، وحدها الأول هو الأخذ بعلوم الغرب ومناهج العلوم الاجتماعية ، وحدها الثاني هو النقد ، ولما كان النقد لا يستقيم ولا يكتمل إلا ب البديل ، طرح المؤلف هذا التساؤل ليكون موضوعا للفصل الثالث ..

الفصل الثالث:

وعنون الفصل الثالث " أبعاد المشروع الاركوني . وكونه من تمهيد وثلاث مباحث .
ففي التمهيد . ذكر بهواجس اركون النقدية والتجاوزية للمنظومتين الإسلامية التقليدية والحداثة الغربية وحاول أن ينطلق من موقف جديد ابستمولوحي بعيد عن الأيديولوجيا وسماه اسلاميات تطبيقية من حيث هي البديل المعرفي، وقد وصف هذا الطرح بأنه جدي وجريئ وحداثي، ولكنه صعب أيضا .وفي المبحث الأول . المعنون ب الاسلاميات التطبيقية والعقل الإسلامي ، بين الكاتب رغم جهوزية أركون المفاهيمية إلا أنه يصعب الحصول على معنى دقيق للاسلاميات التطبيقية ، إلا بعد مقارنته بالاسلاميات الكلاسيكية، من حيث هي الإستشراق القديم، فتصبح الإسلاميات التطبيقية لا تعني إلا تطبيق مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية على الظاهرة الإسلامية بوصفها ظاهرة تاريخية، اعتقادا منه بأن ذلك من شأنه أن يتجاوز نقائص الدراسات التقليدية، نظرا لما تتوفر عليه العلوم الحديثة من آليات وشروط الوضع العلمي، ومن ثمة وبحسب الكاتب أن الاسلاميات التطبيقية ليست في تعارض مع التقليدية إلا من حيث المنهج من حيث هو عند اركون تناول للظاهرة ابستمولوجبا، فهذا المنحى نحو المنهج جعل البعض يصنف أركون ضمن مجدي الاستشراق ، وليس من مجددي الفكر الاسلامي، سيما وأن هذه التسمية للمشروع هي مجرد مقايسة، ب الانثروبولوجيا التطبيقية لباستيد، ورغم ذلك يحاول أركون أن يؤصل مشروعه كتجاوز للاستشراق، ووضع الاسلاميات التطبيقية ضمن المشروع الحضاري وسحبه من إطار الاستعمار، فالاصغاء الإشكاليات المطروحة ووضعها موضع البحث العلمي وتكوين المعرفة والفهم لا مجرد معطيات لغرض استعماري هو التجاوز وهو الهدف من حيث هو تجاوز للايديولوجيا الإسلامية وتجاوز للموضوعية الاستشراقية ، وأعتبر الكاتب هذا بمثابة التأسيس إلا أن مفهوم الإسلاميات التطبيقية بقي في التقشف المعرفي ونشأ حوله خلاف فمن يراه مجرد تركيب ولم يؤسس له أركون ومن يراه في انه مقاربة تاريخ الحاضر إذ أن أركون يتردد كثيرا بين الماضي والحاضر ويؤكد طغيان النظري على الفكر التقليدي ويريده أركون في مشروعه طغيان للجانب العملي الامبيريقي، من حيث هو مشروع مفتوح ينتظر الانجاز ، والهدف من هذا المشروع كما ذهب الباحث هو تجاوز معضلة الأصالة والمعاصرة والبداية حسب أركون تكون من الحداثة بفهمها واستيعاب مضامينها، وفهمها كحداثة عقلية وفكرية وليست
مادية ، فتحديث الواقع ليس تحديثا للفكر من حيث هي تشكيل رؤية جديدة للواقع، من شأنها أن تحدث حيوية في التاريخ، فالإسلام مثل حداثة لما قبله ، وهو ما يفيد بحسب الباحث أن أركون يستهدف تحديث على مستوى الفكر الاسلامي، وتطبيقاته كما هو الشأن في منهج الفكر الاناسي ،كما يفيد أن الاسلاميات التطبيقية منهج يبدأ بنقد العقل الإسلامي انتهاء لبلورة فكرة جديدة ، وهي المهمة الكبرى للمسلمين، ويرى الكاتب أن هذا المنحى نوعي وقد بدأ منذ مدة بتحويل التفكير في التحديث إلى نقد العقل كما ظهر ذلك جليا عند العروي والجابري . وارتباط مشروع نقد العقل عند اركون بصفة اسلامي بحساسية كبيرة في نفوس القراء لالتباسه بالفلسفة ، إذ أن الفكر الإسلامي أصابه الجمود في اللغة وانتاج المصطلحات عبر التاريخية من حيث هي ليست إلا النقد وتجذير الفكر في الزمان والمكان المتغيرين،فالعقل مثلا عنده تاريخي متغير ولا يعني به ذلك الجوهر الذي تعنيه الفلسفات الميثالية، وليس مقدسا متعاليا، فهو بنية تاريخية كما يقول بإشلار، وبهذا الصدد تبنى أركون حسب المؤلف استراتيجية من ثلاث مفاهيم (الزحزحة ومعناها تفكيك المفهوم نقده وتجاوزه، فالعقل كمصطلح يجب علينا تفكيكه وربطه بالخيال والذاكرة ليكتسب معنى القوة المتطورة ومن ثمة سحبه من المفاهيم الميتافيزيقية، وهلم يسلم هذا التناول للمصطلحات من النقد حيث وفي هذا المفهوم للعقل اعتبره البعض كما بين المؤلف نقل لمفهوم العقل من اللاهوتية إلى مفهوم موت العقل من حيث هو شيء متحول ، وينطلق أركون في تحديد مفهوم العقل الإسلامي من اللحظة الراهنة إلى الوراء عبر خط متصل انطلاقا من اللحظة الخمينية وصولا إلى الشافعي من حيث هي نظر أركون مرحلة التأسيس لعلم الاصول، ويتم ذالك وفق مايسمى بالحفر في التاريخ (منهجية التقدمية التراجعية ) ولذلك يرفض العودة إلى الأصول كما لو أنها مكتملة مطلقة كشعار الحل هو الإسلام . فوراءه كما يرى أركون عقل اطلاقي وبالتالي هو عقل ينشط ضمن الحدود التي رسمها الاولون ، ومن ثمة فالحفر بخط المتصل إلى التأسيس يمكن من تفكيك المفهوم عن نسقه كخطاب قرأني أصولي ويمكن من الاختراق وكشف الهيمنة ونظامها المعرفي التقليدي من حيث هي نظام من المبادئ بقيت توجه الفكر الإسلامي وهيمنة منذ أمد بعيد ولو تباينت الأطروحات وحصل اقتتال فهي في روحها واحدة .تعود كلها إلى القروسطية والدغمائية والصرامة العقلية المرتبطة بالعقائد وما يسميه بالأرثوذكسية ، وهو ما يتوجب نقده وتجاوزه واقتراح البديل، بدءا بردم الهوة بين العقل الإسلامي والعقل الحديث، والتفكير في اللامفكر فيه انطلاقا من نسبية الحقيقة . فالإسلام نسبي وليس كائنا جوهريا، وليس ازليا، بقدر ما هو ممارسة تاريخية . تلك هي أفكار أركون وبعض الخصائص التي يتميز بها العقل الاستطلاعي المنبثق عن العقل المابعد حداثي، النموذج الاركوني للتحرر . وتساءل الكاتب في نهاية هذا المبحث كيف يتم التحرير الحاسم كما يريده أركون وهو ما حاول بحثه في المبحث الثاني .
وعنون هذا المبحث بالاسلاميات التطبيقية والتراث الإسلامي ، ووراء هذا العنوان، دعوة لنقد التراث الاسلامي على غرار ما حدث مع العقل الاسلامي في نطاق ما يسمى بالاسلاميات التطبيقية كمنهج للنقد والتجاوز . وإذ يقر أركون بأهمية التراث كباقي المفكرين الإسلاميين في مسألة التقدم ، إلا أنه اهتم به كناقد، لما تم التفكر فيه واللامفكر فيه . وهي الرؤية النقدية الشمولية التي غابت عن الفكر الإسلامي حرف صورة الاسلام وابعدته الايديولوجية عن مفهومه الصحبح، ولذلك أعلن أركون بحسب المؤلف نزع الاسطرة والأدلجة عن الفكر الديني، وتحرير الفكر الإسلامي من الارثوذوكسية، وذلك بإنجاز النقد للتراث الاسلامي، المتشعب بمناهج العلوم المتشعبة هي الأخرى وبالتالي يجعل أركون مشروعه في طور رسم المعالم لفكر شديد التعقيد ما يستدعي تكاتف الجهود العلمية الابستمولوجية والسوسيولوجية وتعدد المناهج ومن المتعذر إنجازه من شخص واحد أو بمنهج واحد، وعليه تكون الخاصية الأولى لمنهجه في قراءة التراث هو الانفتاح على كل التراث، بما في ذلك المهمل والابتعاد عن النظرة الانتقائية والتجزيئة وما يسمى بالبدعية والهرطقة ...وامتد انفتاحه إلى الانفتاح على دراسة مسالة تاريخ النص القرأني والحديث والشروط التاريخية للتدوين وتشكل الشريعة . وهو ما يدعوه " السنة الإسلامية الشاملة "، وهو مصطلح استخدمه نصر حامد ابو زيد ويراد منه استبعاد الدلالة القرأنية للسنة والدلالة التي تربطه بأقوال وأفعال الرسول.وهي زحزحة للمفهوم ، وتتبع أركون بشكل كلي ومتطابق كما يقول الكاتب كل خطوات بالانديه في قراءة التراث الديني حيث وضعه في طبقات أشبه بطبقات الارض، وهذه الطبقات عند اركون هي (المستوى العتيق، ويقصد بها القاعدة ما قبل الإسلام ، والمستوى الثاني ويحصره في ما هو مقدس ومثالي من التراث، وما هو في المذاهب ، والمستوى الثالث، ويحدده في ما نتج عن المرحلة الاستعمارية ، وقد عبر طرابيشي عن هدف أركون في امتثاله لبالانديه بهدف تتريخ التراث بدل تتريث التراث كما دأبت عليه السلفية . وبجانب الكلية والشمولية في الانفتاح التزم أركون حسب المؤلف بالصرامة العلمية من حيث هي التزام بالمنهج الموضوعي والحياد والابتعاد عن الأحكام المسبقة . كما التزم تبعا لذلك بخاصية تعدد المناهج من حيث هو انفتاح على كل المفاهيم والأدوات في العلوم الاجتماعية ومن ثمة فهو حسب المؤلف يدرس الظاهرة في مستويات (المستوى اللغوي، واستعان بالسيميائية والتحليل الالسنية والدلالي فمن شأن هذه التحليلات أن تساعد على توخي الموضوعية وعزل الذات، ويرتب أركون هذه التحليلات (المقارنة التزامنية،ثم المقارنة التعاقبية ، ثم السيميولوجية. وبعد أن شرح هذا المستوى انتقل الكاتب للمستوى الثاني وهو عند اركون الأبعاد التاريخية والإجتماعية والنفسية والأنثروبولوجية وهي رؤية لحسب المؤلف اقتبسها اركون من الحلويات الفرنسية، والغرض من هذا المستوى هو كشف ما أسماه فوكو بالابستمية، وأقترح أركون لإنجاز هذا المستوى ما يسمى بالثلاثيات وهي (اللغة والتاريخ والفكر - الوحي والتاريخ والحقيقة - الإيمان والعقل والحقيقة ، العقل والمجتمع والسلطة ....الخ ) فمن شأن دراسة هذه الثلاثينات المذكورة وغيرها تمكن من الواقعية، كما حرص عليها كانثروبولوجيا باستيد . أما المستوى الثالث فيتعلق بالتحليل الفلسفي والثيولوجي ويوظف من أجل كشف وتقييم التراث الإسلامي التي انتجها العقل الاسلامي، وتجاوز اللاهوتية وتأسيس علم كلام جديد ، وهو العلم الذي يمكننا من التاويل وليس من التراجع .وتأسيس علاقة جديدة بين الله والإنسان بوصف ذلك شرطا لدخول الحداثة، وبهذا يكون أركون حسب المؤلف قد قصد بث الروح في التراث وليس احيائه كنظريات ومذاهب . وإعادة فتح باب الاجتهاد وتغليب الابستمولوجي على الايديولوجي وارادة المعرفة على ارادة الهيمنة . غير أن ذلك ليس بالسهل اليسير . فتساؤل المؤلف عن ما هي مقترحات أركون لإنجاز هذه العملية . وهو ما تناوله المؤلف في المبحث التالي 
فالمبحث الثالث المعنون ب " الاسلاميات التطبيقية والمجتمع الإسلامي .تناوول استكمال المشروع النقدي بنقد راهن المجتمعات العربية من أجل إدخال الحداثة للمجتمعات كما تم نقد العقل والتراث، فبدون كشف عوائق الحداثة في المجتمع يصعب تحديثها، واقتداء ببيير بورديو قسم أركون المجتمع إلى حقول خمسة كما ضيع للدراسة (الفكرية،السياسية، الدينية ،الاقتصادية، الثقافية)من حيث هي الاطر الاجتماعية للمجتمع التاريخي . ومن أجل تغيير الواقع الاجتماعي لا بد من المرور على تفحص ما يعد من اللامفكر فيه في الدين والسياسة والتاريخ العلمنة والحرية الدينية . ..الخ والابتعاد عن ما يسميه بالخطاب التبجيلي وتكريس قيم الحداثة كالتسامح والحرية ..وهو ما يقتضي التخلص من فكرة أسلمة القيم الحداثة ، وضرورة إدراك البون الشاسع بين الشورى الاسلامية والديمقراطية، من حيث هو إدراك للعلاقة بين الدين والسياسة والكشف عن المشكلات التي تثيرها الطبيقات الفوقية للديمقراطية،وقد طرح أركون حسب المؤلف اشكالات ذات صلة كالاسلام والعلمنة، والعلمنة والدين، وتبنى صراحة ما أسماه بالعلمنة الاسلامية، وتبنى المنهج المتعدد في مثل هذه الدراسات التي اعتبرها البعض إضافة ووصفها البعض باللادينية . وطبق ثلاثية (زحزحة، اختراق، تجاوز ) على العلمنة الإسلامية التي يعتبرها. خلافا للجابري بالمهمة كاطار نظري في تطبيق الاسلاميات التطبيقية وما هو معاش في حياة الناس ويبدأ أركون تحليله للعلمانية باعتبارها ايديولوجية، غيرفضها ، ويفرقها على العلمنة باعتبارها موقف نقدي فيتبناها ، كما يفرق بين التاريخية، باعتبارها زمانية فيتقبلها، والتاريخانية باعتبارها قوانين التاريخ التي تحدد مصيره بشكل مسبق لا يقبل النقاش فيرفضها ، ويرد الكاتب قراءات لاركون في هذا المجال، فيرى مثلا أن الأحداث عقب وفاة الرسول أحداث سياسية لا علاقة لها بالدين بقدر ما لها علاقة بالقوة، وتجربة الدولة اقتصرت على المدينة فهذه القراءة تشير إلى حرص أركون على التمييز بين الظاهرة القرأنية كما يسميها والظاهرة الإسلامية ،أي وضع الظاهرة الإسلامية في نطاق " التاريخية " وهو ما يفصلها عن الخطاب القروسطي، ويعتقد أركون أن هذا التمييز هو ما كان مفقودا في فترات الخلافة ولم تستطع كل التجارب أن تفصل بين ما هو سياسي وما هو ديني وبالتالي فهو يرفض تطرف العلمانية ويؤكد على العلمنة الإسلامية ، من حيث أن الدين معطى واقعي يمكن أن يكون شريكا . وينتقل أركون إلى المستوى السيكولوجي في تحليلاته لظاهرة العلمنة من حيث أن الإنسان رغبات وعواطف ..ويكاد يطبقها مع المعرفة من حيث هي البحث عن الحقيقة ، ويرى استنادا على ذلك أن التاريخ الإسلامي أصابه انحراف كبير ويجب الرجوع إلى القرون الأربعة الأولى لفهم العلاقة بين الدين والعلمنة ، وهنا يعضد تحليله للعلمانية في سياق المجتمع الإسلامي بمفهوم الانسنة بوصفها ركيزة أخرى تتعلق بحقوق الإنسان ...ويؤكد على ضرورة استحضار الانسنة الكونية من حيث هي متجاوزة للأديان والطوائف وقد ظهرت في رأي أركون عند الجاحظ ومسكويه..وإذ أنه ينتقد العالم الإسلامي في حقوق الإنسان يفسر الظاهرة بغياب دولة القانون والديمقراطية والمواطنة .والمجتمع المدني، وخلص الكاتب إلى القول بأن أركون يستحضر في تحليله للمجتمع الإسلامي في مشروعه ثلاث آليات مفاهيمي متلازمة فالعلم تقتضي حرية التفكير والتي يوفرها الموقف الانسني في إطار دولة القانون .ولكن كعادة أركون حسب المؤلف يترك هذه المفاهيم في طور النشوء المفتوح وغير المكتمل مما يستدعي الابتعاد عن اليوتوبيا وتبني النسبية . وهو ما كان محل انتقاده ورميه العدمية والنسبوية، في حين يراها المؤلف فتحا لأفاق جديدة لتفكير كثير من الاشكالات رغم عدم فصلها في المشكلات، كما يرى أن مقترحاته تلك فتحت اشكالات جديدة، من حيث قيمة ما يقترحه، وهو ما يفرض التفكير في كيف يمكن تقييم المشروع الاركوني ، وهو ما تطرق له الباحث مع اسئلة اخرى ملحقة في الفصل الرابع والأخير .
عنون الفصل الربع ب "حدود المشروع الاركوني وأفاقه" واستهل الكاتب هذا الفصل ب "تمهيد " أراده الكاتب تبريرا لعنوان الفصل من حيث هو فصل كما هو واضح تقييمي لمشروع أركون ، فنقرأ في هذا التمهيد أن المرور من المرجعيات إلى الواقع دونه صعوبات ومشكلات واعتبره مسألة المشروعية التطبيقية والفعالية لأي مشروع فكري لابد من دراسته، لمعرفة الإيجابيات السلبيات والتطوير واشار الكاتب على الجهود النقدية التي صاحبت الانتقال في ما يسمى بالنهضة العربية من مرحلة إلى أخرى، من طرح الأفكار ثم مرحلة النقد ثم نقد النقد . إلا أن جهود النقد لمشروع أركون يصنف في القراءات الايديولوجية ، ضمن (مع/ضد) وهو ما أعتبره الكاتب اختزالا كبيرا لفكر أركون ودعاه إلى ضرورة تجنب الأحكام الايديولوجية المسبقة والمتسرعة وضرورة توخي الموضوعية في قراءة أركون وغيره وهو ما سيحاول أن يمارسه في هذا الفصل . الذي يطرح فيه ما يواجه مشروع أركون من اشكالات، كاشكالات المصطلح ، وإشكاليات التعددية المنهجية ، وإشكاليات النتائج
وفي عنوان فرعي اشكالات الجهاز الاصطلاحي. ذكر الكاتب بوظيفة المصطلح من حيث هي وظيفة لسانية ومعرفية،
وتواصلية، ومن حيث انه لا علم بدون جهاز اصطلاحي، يكتنز ليس فقط دلالات ومعاني بل نظريات ومفاتيح للتفسير والتأويل فإنه لا يمكن التحقق من فعالية أي مشروع اذا لم تناقش مصطلحاته وما تثيرها من اشكالات في التواصل والفهم ، وهنا بين الكاتب ما تثيره مصطلحات مشروع أركون التي وصفها بالجدية والغزيرة، من حيث أنها غير مألوفة ، وتخرق الممنوع كما وصفها " حرب" ومبدع للمفاهيم ما يجعله بحسب المؤلف ومن منظور فلسفي دولوزي ان صح التعبير من بين صناع المفاهيم والواقع .فبحسب الكاتب المستند على هاشم صالح بوابة أركون كما يسميه أصبحت مصطلحات أركون (الانسنة . العقل الاسلامي . الارثوذوكسية . السنة الاسلامية الشاملة . الوعي الاسطوري اللامفكر فيه ، الحدث القرأني ...الخ متداولة وشائعة بين النقاد وأصبح يشكل خطابا جديدا حول الإسلام تميز بأنه تجاوزي، ومن نوع الاجتهاد الخاص يتسم بالفكر والتدبر في جوهر الرسالة المحمدية بدون الخشية من خرق المسلمات باعتبار ذلك حق للخلف، وهو ما أنتهجه أركون في استدعائه للامفكر فيه ونقده إلا أن ما وظفه من مصطلحات رغم تداولها ما زال بحسب المؤلف يكتنف كثيرا من الغموض مما جعل الكثير من القراء يجدون صعوبة في فهم مشروعه، وهذه المشكلة بحسب المؤلف ليست خاصية في مشروع أركون فقط بل هي عامة ، كما أكد كثير من الدارسين للمصطلحات أمثال عبد الله ابراهيم الذي طرحها كمشكلة تطرح على المستوى الابستمولوجي ومستوى الأصالة والعاصرة أي أصالة المصطلح وحداثته، ومسألة شحن دلالات المصطلح القديمة بدلالات حديثة . وهو ما يرفضه اركون كما أكد المؤلف الا انه أكد من جهة أخرى إن أركون ينفانى في نقل المصطلح الغربي وتوظيفه في قراءة التراث الإسلامي ، وهو ما جعل مشروع أركون يواجه صعوبة اللاتواصل وسوء التلقي، ومع اعتراف أركون بهذه الإشكاليات إلا أنه يصر على ضرورة تحديث العقل والتراث الإسلامي بالمصطلحات الحداثة ، وبحسب المؤلف لا يمكن أن نحمل مسؤولية اللاتواصل لجمهور القراء والأطر الاجتماعية للمعرفة بقدر ما يتحملها المفكرون النخبة من حيث هم الفئة الأكثر وعيا بجدلية الفكر والواقع ، وأن عليهم التحرر من التعالي واقع العالم الإسلامي وتاريخه، والتحرر من التبعية الفكرية للمفاهيم القديمة والحديثة من أجل التجاوز والإبداع من حيث أن الإبداع لا يمكن أن يحدث إلا بملاءمة المصطلح للواقع ولو بما يسميه الجابري بالتبيئة، ورغم القول بلا مشاحة في الالفاظ والمصطلحات ، فقد بين الكثير من الباحثين أن المصطلح يحمل هويته الثقافية وهو تاريخي وبالتالي ضرورة التأكد من صلاحية هجرة مصطلح من ثقافة إلى أخرى ...أي بحث مشروعيته وفعاليته في المناخ الجديد، وهو ما بطرح كاشكال جوهري في مشروع أركون الذي يوظف مصطلحات تكاد تكون صالحة فقط للحقل المعرفي الخاص بها ولم تحظ حتى بالفعالية في حقول معرفية أخرى داخل الفكر الغربي ذاته .ذلك فضلا عما تطرحه الترجمة من مشكلات وكمثال على ذلك فمصطلح mythe يترجم عادة بالأسطورة المرتبطة في السياق اللغوي العربي بالخرافة. مما جعل مترجم أركون يتحول إلى استعمال مصطلح " القصص" ليرتبط بالقرأن .وهكذا حصل مع كثير من ترجمة المصطلحات، الاكاديمية، هذا بالإضافة إلى إرهاق القارئ بالأكاديمية الشديدة ، التي اتقدها البعض بكونها جوفاء ، وهو ما انتقده المؤلف في أنه لا يمكن تجاهل اجتهاد الباحث ووصفه بالاجوف . فأركون رغم وعيه الكامل كما يرى المؤلف ب تاريخية المصطلح وتاريخية العلوم الإنسانية إلا أنه مفرط في تفاؤله بالاعتماد على العلوم الاجتماعية الغربية ، مما جعله محل انتقاد حيث وصف بأنه ايديولوجي، فما يعتقد أنه فتح للمغلقات هو مجرد رأي اقتنع به هو فقط في أنها معلقات لانها خارج نمط تفكيره وقد سقط في الدوغمائية الحداثية، لا سيما وهي محل انتقاد في داخل الفكر الغربي ذاته، وعلى الرغم من ضرورة الاستفادة من فتوحات الحداثة إلا أنه يجب أن لا تحجب عنا الإبداع ومن ثمة بحسب المرزوقي لا بد من استحضار الفرق بين التاريخيتين، فالتعامل بالمقلوب مع المشكلات الفكرية بأن يخضعون الواقع للنظريات بدل تطويع النظرية لتفسير الواقع هو ما حجب عنا الإبداع ..وهو ما حدث مع الجابري بحسب ناقده جورج طرابيشي الذي يرى أنه لا يجب بتر المصطلح عن سياقه الثقافي ، وهو موقف يقترب في نظر الكاتب من موقف اركون، فهو يرى أن انه لمعرفة استقلالية فيلسوف ودرجة ابداعه تتجلى في قياس تحرر انتاجه من مرجعياته وهذا ما وظفه في قراءته لمسكويه، ومشروع أركون يعج بالمصطلحات العلوم الاجتماعية الغربية ، فهل استطاع أركون أن يظيف إلى هذه المصطلحات شيئا ما ، ودرس المؤلف عدة مصطلحات منها مصطلح اللامفكر فيه الذي استعارة من النسق الفوكوي من حيث هو منغرس في الكوجيتو الديكارتي وظفه فوكو ليشير به إلى الكبت الذي مارسه العقل النظري وتهميشه لمناطق كثير من حياة الانسان، وهدفه هو القضاء على فكرة التعالي، في حين نجده عند اركون موظفا في مشروعه ليعني المستحيل التفكير فيه في زمان ومكان معين ، بمعنى أن هناك منطقة ما يمكن التفكير فيها ( ثقافة علم دين سياسة) ومنطقة أخرى ممنوع التفكير فيها ، وهو توظيف يراه نقاد أركون استعارة للفظ دون معناه، إذ لا ندري كما يقول المزوغي كيف يستطيع أركون أن يفكر في المستحيل وهو مستحيل التفكير .؟؟ وهو ما جعل المصطلح في مشروع أركون بدون فعالية وغير إبداعي. وما قيل عن مصطلح اللامفكر فيه يقال على كل المصطلحات التي أستعارها أركون من العلوم الاجتماعية كالابستمية وغيرها ،ورغم نقص فعالية المصطلح عند استعارته وتوظيفه في سياقات الثقافة الإسلامية ، يرى البعض انه لا يجب أن نرفض الاستفادة من إنتاج الثقافة الغربية بل يعني فقط الحيطة والحذر في التوظيف والاستعمال وذلك بالانطلاق من الواقع بدل الانطلاق من المفهوم، من حيث أن الهدف هو تغيير الواقع وإزالة الحواجز والعوائق، وهو ما سقط فيه بحسب اركون كثير من المشاريع الحداثية المقترحة وسماه بالارهاب المفاهيمي، حيث تسقط المفاهيم على واقع بعيدة عنه . وإذا كان هذا هو حال استعارة المفاهيم النقدية وهذه هي حزمة الملاحظات التي تطرحها مصطلحات أركون . فما هي منهجية أركون ، سيما وأنها متعددة التخصصات تنتج لا محالة تعدد الإشكالات كما يقول المؤلف .
ففي المبحث الثاني المعنون ب "إشكاليات التعددية المنهجية " وضح المؤلف . في شبه تمهيد غير معنون من أن المصطلح والمنهج لا ينفصلان وهما متضايفان ، فمصطلح الابستيمية لا يمكن فصله في نسق فوكو المعرفي عن التاريخ ومنهج الاركيولوجيا مثلا فالمصطلح ثاو في المنهج والحكم على المصطلح وظيفيا لا يتم بمعزل عن الحكم على المنهج . والمنهج من حيث هو العمود الفقري لمشروع أركون فإن نتائج المشروع تتوقف كما يرى المؤلف على صلاحية المنهج، وإذا كان الجهاز المصطلحي في مشروع أركون مستعار، فإن المنهج لم يشء عن المصطلح . فالمناهج التي اعتمدها أركون في قراءته للتراث وللعقل الإسلامي مستعارة من النماذج الغربية ويبرر أركون ذلك بأن الموضوع هو الذي يفرض على الباحث منهج معين وبالتالي تعددت مناهجه لدراسة التراث الإسلامي تبعا لتعدد المواضيع ، وهو نهج سبقه إليه طه حسين كما أكد عبد الله ابراهيم ، فأركون ومن فرط في الثقة في العلوم الاجتماعية المعاصرة ومناهجها ، ينتقل من مصطلح إلى أخر ومن منهج لآخر عبر انتقائبة بشكل وصف بالاغتراب الحضاري، لأنه تجاهل تماما ما يؤكده معظم الباحثين أمثال طه عبد الرحمن نسبية المناهج والعلوم ، والأخذ بتعدد المناهج يكاد يكون سمة كل باحث أراد الاختفاء في خطاب موجه للجميع وهو من الناحية العلمية النقدية غير دقيق من حيث صعوبة هوية الباحث كمنهج ويصبح في خانة المخلص المتعالي عن الكل ، وبين الكاتب هذه السمة الانقاذية التي صاحبت أركون في دعوته لما أسماه بالاسلاميات التطبيقية وكأنها بلسم لكل شيء . وسقوط في أسبقية الفكر على الواقع . وهو ما يثير تساؤل جوهري حسب الكاتب وهو هل نظرة أركون انبثقت من داخل المجتمعات الإسلامية ، وهو ما نفاه قطعا عبد الله ابراهيم ، إذ لم يجري أركون دراسات ميدانية بالحجم التي أجراها علماء الغرب لبلورة مصطلحات ومناهج نابعة من داخل المجتمعات، وما يثير أشكال آخر هو أن هذه المناهج ليست مكتملة وخاصعة للنقد باستمرار وليست أدوات مكتملة ومنتهية، ومع هذه الانتقادات يرى أركون انه لا يجب أن تمنعنا أزمات المنهج عن الاستفادة منها ، من منطق نسبيتها . ومع هذا التبرير يرى نقاده أن أركون سقط في كثير من المشكلات على مستوى التطبيق كمشكلات الانسجام بين الموضوع القديم والمنهج الجديد الذي يحتم الوقوع في اسقاط الحديث على القديم، والأخطر من ذلك يكمن في اسقاط تلك المفاهيم والمناهج على القرأن الكريم .فلمنهج الجفري أوقع أركون في شباك رغم ادعائيه انه يحترم النص ويحذر من المبالغة في تطبيق هذه المناهج الحديثة على القرأن من حيث هو الحفر للوصول إلى الأصل وهو القائل باستحالة التأصيل وكذلك اعتماده على الالسنية الذي قاده إلى ضرورة الفصل بين القرأن كخطاب شفوي كما يقول والقرأن كنص، وهو منهج المقايسة فما طبق على الإنجيل والتوراة ، أراد تطبيقه على القرأن، فالقرآن دون بلغته وزمن نزوله بخلاف الكتاب المقدس، كما أنه حفظ من فوق السموات. كل ذلك وغيره يسقط أقوال الاختلاف بين المكتوب والشفوي من القرأن ويدحض ما ذهب إليه ماكسيم من أن الهيئة الحالية لتركيبة النص ليست هي الهيئة الأصلية ، وهو ما سقط فيه أركون حيث يعتقد من دون دليل من أن النسخة الأصلية وقع عليها كثير من الحذف والتلاعب اللغوي...الخ وهنا يطرح السؤال على منهج أركون التفكيكي فكيف الوصول إلى الأصل ، وهو يعلم أنه مستحيل كما يقول ..فهذه المشكلات هي ما يفسر قلة النتائج وندرتها منذ أزيد من أربعين عاما من إطلاق المشروع، وهو ما يؤكد عدم صلاحية المناهج الالسنية والاركيولوجيية للوصول إلى ما يريده أركون وبشر به، ويسقط دلالات على مفهوم الوحي والنبوة .. حيث بقيت في حيز الغموض ، وانتقل المؤلف إلى إبراز اشكالية أخرى في المنهج تتعلق بكتابة تاريخ من لا تاريخ له، أي البحث عن الفئات المهمشة والمضطهدة ، حيث بقيت دعوة أركون لما اسماه بالكتابة السلبية للتاريخ مجرد شعار لأنه يمر حتما بقراءة النص وهو غايب غير متوفر ، وهو ما يفسر شح كتابته عن التاريخ الأمازيغي مثلا إالكتابة في بعض القيم الأسرية وتقسيم العمل . ولم يقم بدراسات أمبيريقية معاشة . مما جعل مشروعه يطغى عليه الإسقاط النظري، ويجعله مستغرقا في الاشكلة دون المفعمة، ويضع قارؤه حسب المؤلف في المنزلة بين المنزلتين، فحين يفكك لا يركب، ومن ذلك ما مجده مثلا في حديثه عن العقل الديني من حيث هو كما يقول اركون يشتغل في سياج ثيولوجي، دون أن يتساءل الفرضيات والمسلمات التي جعلته يستغل ضمن هذا السياج، ويطرح المشكلات ويتركها دون حل ، كما طرح مسألة مفهوم الدين من حيث هو من اللامفكر فيه وتركها للاجتهاد ، حيث أن الصراع بين النظريات الرافضة لجوهر الدين ، وبين النظريات التنزيهية، يدعوا المسلمين إلى فتح النقاش لإدراك الحق وتحكيمه في أمور الدنيا، ويرى أن علم الاجتماع الديني، بإمكانه أن يقدم آليات البحث عن ذلك ، فإسلام الفلاحين يختلف عن إسلام العمال ...الخ ، وإسلام القرأن الأول يختلف عن الإسلام الهجري ...الخ . وهكذا وفي جل المواضيع التي يطرحها يتركها بدون حل . ورغم أن هاشم صالح يعتقد أن أركون لا يعلن عن النتائج تحسبا الحساسيات الإسلامية إلا أن أركون نفسه كما يقول المؤلف يقر بصعوبة الوصول إلى نتائج في دراسات تكاد تكون مستحيلة ، وهي ميزة منهجية صريحة لدى أركون .وهو منهج ارجائي كما يصفه المزوغي . وخلص المؤلف في هذا المبحث في أن فعالية المنهج المتعدد المستعارة لقراءة الثراث من أجل التجاوز والاختراق تبقى غامضة وتطرح اشكالات عديدة وتبقى الاستفادة من هذا المنهج محدودة . وهو ما سيعرض له المولف في المبحث التالي .
وعنونه ب إشكاليات النتايج، وآفاق المشروع الاركوني. وتطرق المؤلف في هذا المبحث إلى ما يمكن استخلاصه من مشروع أركون الذي اعتبره المؤلف حفر في كل الاتجاهات مما أضعف نتائجه وأشكل القضايا أكثر. ويبدو أن إشكالات
إضافية ظهرت كافرازات للاشكالات المذكورة في المنهج والمصطلح، من حيث أن دعوته للتحرير العقلي من اللاهوت، وتجاوز المسلمات، بزحزحة المستوى الثيولوجي والتحرر من الانغلاق، أسس لاهوت جديد ، وإذا كان المشروع بات نصا مكتملا بحكم وفاة صاحبه فإن تقييمه بات ممكنا ، إلا أن تشعبه وغموضه وتناقضه كما ذهب المؤلف أشكل مسألة تقييمه ولا يمكننا الخروج بموقف واضح محدد تجاه المشروع ، ولكن وبمنطق التصنيف يمكن الرجوع إلى نقاده الذي يعكس الانقسام الفكري العربي تجاه قضاياه، وتمييز أربعة مواقف وكل موقفين يشكلان تقابلا . والتقابل الأول على مستوى اشكالية العقل والنقل ، فمن منطلق ايماني حسب المؤلف يضع أركون في الفكر التغريبي ، وتقابل هذه القراءة القراءة التبجيلية تظهره كالبطل المنقذ ، والقراءة الأولى في تقييم المؤلف أهملت المنهج وركزت على التقنيات وصعوبات التطبيق فرمته ب التهافت المعرفي، في حين ركزت القراءة المضادة على المنهج واعتبرته فتحا وأهملت الموضوع .
والتقابل الثاني ظهر على مستوى بنية المشروع ومأله، فوصف مشروع أركون بالعدمية ، وظهر في دراسات مقابلة طوبي، حيث اعتبرته القراءات الأولى مجرد صدى للفكر العدمي الغربي والنسبوية، والارجائية، واعتبرته الثانية المقابلة ، كما لو أنه قراءة نقدية من داخل النص واعتبر انه برنامج ميثالي لتنوير العقل العربي فكان مآله إلى الطوباوية، ولاحظ المؤلف نفس الملاحظة على التقابل الأول حيث ملاحظة تركيز القراءتين على جانب دون أخر .
حيث اعتبرت كما لو أنه مجرد اسقاط للفكر الغربي أو صدى له سيما الفلاسفة الفرنسيين، وموقف أخر وصفه الكاتب بالموضوع أكثر من الأول حيث أبرز كما لو أنه هاجس التجاوز ولكنه طوباوي مما جعل أركون يخفق في الوصول إلى نتائج واضحة . فالمواقف النقدية لأركون تراوحت بين وصفه كمشروع طوباوي وأخرى تصفه بالعدمي.
ولكن وبحسب المؤلف وتأسيسا على شمولية المشروع وضخامته فهو مفتوح على آراء أخرى ولخص الأحكام التي يصفها قيمية في .
إنه مشروع شامل وهو أكبر من أن ينجز من فرد ، وهو مشروع غير ناجز وغير مكتمل، غياب النتائج ، تضمن خطاب جديد كخطاب العقل الاستطلاعي وتركيز العقل الاسلامي في وظائف جديدة من حيث هي الكفاح في مختلف الاتجاهات محاربة الدوغمائية والاغلاق، ويقوم على نسبية الحقيقة ...وكما وقف الكاتب على تقييم أركون لمشروعه حيث كما أكد الباحث أن أركون أظهر في أعماله الأخيرة بعض المراجعة في استعمال بعض المصطلحات الغامضة، والعودة إلى التأمل والتركيز على النقد المزدوج للعقل الإسلامي والاستشراق وفق مصطلح الانسنة ، باعتبارها سبيلا للخروج من أكاذيب الايديولوجية، وخلص الباحث الى ان مشروع أركون رغم الانتقادات تلك يبقى برنامج عمل ومخطط أولي يرسم المسارات التي تقود إلى التصالح مع معطيات العصر .

الخاتمة

وفي الخاتمة بين الكاتب أن أركون رغم أنه يشترك مع المفكرين الإسلاميين في تناول القضايا وإشادته بالمعتزلة ومسكويه والتوحيدي ...الخ إلا أنه اختلف عنهم وأدرجهم ضمن التفكير القروسطي .في حين نجد علاقته بالفكر الغربي وطيدة مما يسمح
بالقول بأنها المرجعيته الأساسية لمشروعه ، ورغم ذلك فلم يسلم هو الأخر من انتقاداته باعتباره هو الأخر يعاني من الايديولوجية كالقمر الاسلامي، وهو مشروع في النهاية يطغى عليه الجانب التنظيري أكثر وهو مشروع يحيل على الانتظار دون بلورة حلول...، ورغم ذلك يرى الكاتب أن هذه الانتقادات لا تنقص من قيمته ولا هي دعوة للنقاش على الذات فهو يمثل إسهاما في تنشيط الفكر الإسلامي وربطه ب معطيات الحداثة . وفي ختام الخاتمة أشار المؤلف إلى أن مشروع أركون فتح العديد من القضايا التي تتطلب أن يفرد لها دراسات خاصة تحليلية ونقدية سيما إعادة قراءة القرأن من المنظور الذي اقترحه بالإضافة إلى العلمنة والانسنة ...
وإذا كان لي في نهاية هذه القراءة أن أسجل موقفي الأولي حول مشروع أركون . فإنني اترحم عليه في هذا المقام، فرحمة الله عليه ، رغم أن المؤلف فند أن تكون مرجعية مشروع أركون هي الاسلام ، بل صنفه ضمن المرجعية الغربية ، والبعض الآخر اعتبره مستشرق من الداخل وهو الأخطر. كما أنني لا اجد لأركون مشروعا واضح المعالم، بقدر ما أجد عنده مجموعة من مصطلحات غربية المنشأ والروح ، وظفها كمفاهيم مفتاحية لقراءة التراث الإسلامي والعقل الاسلامي .وهي دعوات نجدها عند الكثير قبله . فلا أرى عنده جديدا ما عدا بعض الجرأة النقدية المبالغ فيها تجاه قراءة القرأن بالانسنة. ..
وفي نهاية هذه القراءة أنبه أصدقاء الصفحة إلى أهمية قراءة الكتاب وعدم الاكتفاء بهذه القراءة المقتضبة جدا . وأستسمح المؤلف أن قصرت في العرض الأمين، فأنا مضطر لهذا الاختصار