إلى أي حد يعد تحديد المفاهيم مسألة ضرورية ؟

بقلم/ أ.د ادريس بولكعيبات

هناك من يرى أن مسألة تحديد المفاهيم لا تستحق كل هذا الاهتمام ، إذ أنها لا تشكل مشكلة فلسفية .

لعل أكبر من كان يستخف بهذا الموضوع، "كارل بوبر " بقوله :" مازلت على اعتقادي بأن أقصر طريق إلى الخسران المبين هو هجران المشاكل الحقيقية من أجل المشاكـل اللفظيـة ". و يدافع " بوبر "عن هذا الموقف بفك الارتباط بين دقة اللغة ؛ أي المفاهيم و تحقيق العلم للنتائج ، حيث يقول : " إذا كان التحليل من أجل هدفه المعروف و هو تحقيق الوضوح و الدقة ، فإن الوضوح في حد ذاته له قيمته العقلية الكبرى، أما الدقة ، فليست هكذا إنها طبعا مرغوبة ؛ حيث أن دقة التنبؤ مثلا لها قيمة كبرى ، لكن البحث عن الدقة كما يؤكد " بوبر" يجب أن يكون فقط ذا طابع براغماتي .
فلا نبحث عن الدقة من أجل الدقة ، لان هذا إهدار للوقت و الجهد في مسائل جانبية و لم يعتد الفيزيائيون الدخول في مناقشات حول معاني المصطلحات التي يستخدمونها أو تعريفاتها مثل الطاقة أو الضوء ... إنهم يعتمدون عليها و هي ليست محددة بدقة و لم يعق هذا تقدم العلوم الطبيعية ".
فهل، بحسب كارل بوبر، الحرص على التعبير بدقة هو مجرد افتعال لمشكلة منهجية لا طائل من ورائها ؟ و هل يتعين على العلماء و الباحثين في حقول العلوم الاجتماعية اختصار الطريق الكثير التعرج و ادخار الجهد و اقتصاد الوقت، من أجل خطوات أخرى في البحث تبدو أكثـر أهميـة ؟
هناك حقيقة لابد من الاعتراف بها لكارل بوبر، و هي أنه توجد مبالغة مفرطة في الاهتمام بمشاكل المفاهيم في العلوم الاجتماعية لدرجة أنها تكاد تختصر هذه العلوم في تطوير و بلورة و تدقيـق المفـاهيم .
لكن خوف الباحثين في العلوم الاجتماعية المبالغ فيه لحد نزع الشرعية عن كل بحث لا يغرق صاحبه في تحريك جدل واسع حول المفاهيم التي تداولها ، و ذلك باستعراض المفاهيم من جذورهـــا التاريخية وصولا إلى المعنى الجديد الذي يمكن أن يضيفه الباحث نفسه إلى المعاني التي وضعها الذين سبقوه إلى تداوله .
فهناك اعتقاد في العلوم الاجتماعية لا يزال عندنا مؤثرا و طاغيا مؤداه أن رصيد المفهوم في تطويره عبر مراحل تاريخية يساعد على فهمه .
و الغريب أن هذا الاعتقاد الذي ارتقى إلى مقام البديهيات يتناقض مع إيمان آخر بنفس القــوة بأن الظواهر في العلوم الاجتماعية ، هي ظواهر فريدة أي بتعبير أخر ظواهر تاريخية ، أي أن محاولة مقايستها بظواهر شبيهة بها في الماضي لا يساعدنا على فهمها في الحاضر، بل قد يكون ذلك وسيلة من وسائل التضليل. و لا شك أن الحرص الشديد على تحديد المفاهيم ، له نصيب من المسؤولية في تعميق المشكلة، حيث أنه لم يعمل على حلها بل أنه زاد في تعقيدها. و قد يقودنا نقد "كارل بوبر" اللاذع لمسألة الاهتمام باللغة إلى الاستجابة للمثل الصيني القائل استمع إلى الأشياء التي لم يقلها الآخرون ، أي يمكن أن نقتدي بالعلوم الطبيعية في هذه المسألة و أن نعطي للمفاهيم جهدا أقل مما نعطيها حاليا ؟
لا شك أن هذا السؤال يثير الجدل من جديد حول الجدوى من إقتداء العلوم الاجتماعية بالعلوم الطبيعية و الذي كان قد حظي بانشغال كبير لدى الوضعيين في العلوم الاجتماعية الذين وقعوا تحت سحر التقدم الباهر للعلوم الطبيعية منذ القرن التاسع عشر .
إن "كارل بوبر" يدعونا إلى القفز على المفاهيم للوقوف عند المسائل الأهم، فقد كان عدوا شرسا للوضعيين المنطقيين الذين يأتمون ب " فتغنشتاين " لكنه انتهى هو بدوره إلى الالتفاف على الفكرة عندما أحالنا على ما يجري في العلوم الطبيعية ، و في ذلك دعوة غير مباشرة للإقتداء بها هذا ما يمكن فهمه على الأقل ، مما قالـه .
و الواقع أن "كارل بوبر" بهجومه على الاهتمام بلغة البحث أي المفاهيم يخلق فراغا يصعب سده مثلما فعل عندما هدم الاستقراء و هو المبرر الذي استمر من أجله العلم و استمد منه شرعيته في صياغة القوانيـن .
و رغم وجاهة و قوة النقد الذي سلطه "بوبر" على الذين علقوا المشاكل الفكرية على مشجب اللغة؛ فانه لا يمكن ترك الحبل على الغارب لمستخدمي اللغة و إلا أدى ذلك إلى ضعف القدرة على الإقناع و تعزيز القدرة على الرفض لدى الآخر بسبب سوء الفهــم .
و من أجل تجاوز الجدل بين الموقفين، أرى أنه يمكن تطوير موقف يمكننا من الاستفادة من قوة الطرح لدى الطرفين و ذلك من خلال عرض ثلاث أفكار:
أ -أن تكون عملية تحديد المفاهيم على مرحلتين:
مرحلة البناء الأولى، و مرحلة إعادة تصحيح و تدقيق البناء في نهاية البحث.
و التبرير لهذه العودة، هو أنه كما قلنا في مطلع هذا المقال، أن المفاهيم هي جزء من المشكلة و إن كانت مرحليا تشكل جزءا من الحل . و لذلك يجب التعامل معها على هذه القاعدة أي بنفس الطريقة التي يجري التعامل بها مع الفروض .
إن هذه العودة تمكن الباحث من إدخال تعديلات إضافية على بناء المفهوم و تصحيح مساره.
ففي الدراسات الميدانية يكشف الواقع عن بعض من أسراره للباحث أثناء فعل الاحتكاك و جمع البيانـات.
ب - التفكير بصيغة الحقل و التي تعني أن نفكر بصيغة التي دعا إليها" بيير بورديو" أي التفكير على نحو علائقي "، أي توظيف مجموعة من المفاهيم المترابطة فيما بينها
، بحيث يسلط الضوء أحدها عن الآخر.كما أن الحديث عن الحقل هو" أن تعطى الأولوية لذلك النسق من العلاقات الموضوعية على حساب الجزئيات نفسها ".
إن التفكير بطريقة الحقل، يساعد الباحث على الاقتراب من الموضوع المبحوث بنوع من الوضوح و الصفاء، و هذا الهدف لن يتحقق إلا إذا اختار الباحث العمل داخل أنموذج إرشادي محـدد .
ج -الحرص على تحقيق الانسجام بين المفاهيم الحدسية ، أي التي تبنى عليها المعرفة و المفاهيم المرتبطة بالظواهر محل الدراسـة .
و لعل هذا التصور ينسجم مع التصنيف الأنجلو-سكسوني للمفاهيم . فهؤلاء " يميزون المفاهيم الاسمية أو الظواهرية التي لها صلة بالمجال الذي يتعين تحليله مثلا : الثقافة الشخصية ، عن المفاهيم المنهجية التي تتعلق بعملية البحث ذاتها من مثل الصدق ، النظرية. و يميز "نورت روب " بين المفاهيم عن طريق الحدس التي يرتبط معناها بموضوع إدراكه بصورة مباشرة و المفاهيم عن طريق المسلمات و التي يرتبط معناها بنسق الفرضية و الاستنباط المتعلق بالنظرية التي تشكل المفاهيم جزءا منها ". 
والحقيقة أن العلاقة بين هذين النوعين من المفاهيم ضرورية ،حيث يتعين وجود انسجام بين
الذات العارفة وموضوع المعرفة . إن درجة التوافق بين هذين النوعين من الوجود تحدد درجة الصدق في المعرفة التي تحصل نتيجة هذه العلاقة.

للموضوع مراجع