الصورة النمطية السلبية في الغرب عن المسلمين

بقلم أد / إدريس بولكعيبات و د/ ليلى بولكعيبات
جامعة قسنطينة -3

    المجتمع الاسلامي  يتسم بالتنوع في كل المجالات: البيئة، التنظيم الاجتماعي، الوضع الاقتصادي، الانتماء الطائفي و العرقي، درجة التخلف، النظام السياسي السائد.   
    و هو انتقالي؛ حيث يشهد مظاهر الصراع بين الأصالة و الحداثة. و هو بذلك  في حالة توتر بين قوى متناقضة ، فضلا عن كونه في حالة  من الصدام مع الغرب  على الصعيد الخارجي . 
     كتب الكثير  في الغرب حول الاسلام و المسلمين  تم خلالها رسم  صورة نمطية سلبية  حول هذه الشعوب.


الاستشراق نفسه لم يتحرر من صورة العصور الوسطى عن الإسلام التي ظلت في جوهرها دون تغيير.  اليوم  وسائل الإعلام الغربية تستغل  هذا الوضع لتخلط بين الإسلام كدين و بين الوضع المتردي للعالم الإسلامي.
  هذه الصورة النمطية  السلبية  تم  تعميقها ما أدى  الى تشكل ظاهرة الاسلامفوبيا  ، أي الخوف  من  الاسلام و المسلمين   و اعتبارهم  خطرا .   كتاب " صدام الحضارات "  "لهيغتنتونغ "  يلخص  هذا الموقف  . و هو موقف يزرع الكراهية  و يدعو للصدام  مع المسلمين باعتبارهم  يحملون ايديولوجيا معادية  للغرب  .  أحداث الحادي عشر من  سبتمبر  توظف كحجة لترسيخ  تلك الصورة . 
فما  المقصود بالصورة النمطية  ؟ و ما دور الاعلام في ذلك    ؟   

 1 – ما المقصود بالصورة النمطية ؟

الصور التي يحملها الفرد عن عالمه   تتشكل  عن طريق الخبرات الشخصية لكن  ليس دائما .  - هناك صور تحدد مواقف الأفراد   سابقة على التجربة ، أي أنها تشكلت لديهم عن طريق التنشئة و الثقافة التي ينتمون إليها ، و هي ما يطلق عليه الصورة النمطية  stéréotype . و في اللغة العربية هناك من يستخدم مفهوم " المستبقات " كمرادف للصورة النمطية ، و قد عرفها " أوتو كلينبورغ Otto Klineberg  " على أنها " أحكام سابقة على التجربة ، أي أنها مجموعة من العواطف و من ردود الفعل تجاه شخص أو شيء ما .
  ورد في معجم " Lexique d'information communication  " و الذي ألفه مجموعة من الباحثين الفرنسيين المتخصصين في الاتصال ، أن الصورة النمطية هي " نوع من الأفكار الجاهزة أو الأحكام المسبقة ، في الغالب جماعية متجذرة   ، و مستمرة ، و هي تصور مبسط للآخر . و يعود ذلك في العموم لقلق   إزاء ما يمكن أن يكون غريبا .
       ما يستنتج مما تقدم ،   أن الصورة النمطية ، لها خلفية جماعية .  و على هذا الأساس يذهب " أوتو كلينبورغ " إلى أنه في عالم غير متجانس ، تظل الصورة النمطية موجودة دائما   ، و أنها توجد حينما يكون هناك الغريب أو المختلف .
و قد طور " آمبري   Embrée و رويتر Reuter " هذه الفكرة إلى ما أسماه " كراهية المختلف "   و قد ذهب بعض الباحثين إلى أن كراهية المختلف تنشأ عن الفروق الثقافية ، حيث أن الفرق في القيم   ينشئ صورا من سوء التفاهم يساعد على خلق التعادي المتبادل
و هناك استخدام لمصطلحين في مجال الصورة ، و هما الصورة الذهنية و الصورة النمطية .
 و تختلف الصورة الذهنية عن الصورة النمطية في نقطتين   :
 أ- الصورة الذهنية يمكن تغييرها ، إذ أنها تتسم بالثبات النسبي ، أما الصورة النمطية فهي تقاوم التغيير فمن الصعب تغييرها.
 ب- غالباً ما تكون الصورة النمطية متحيزة ، فهي في الغالب سلبية عكس الصورة الذهنية التي تكون أحيانا إيجابية ، و في ظروف أخرى سلبية  .
   فالصور النمطية ليست مؤشرات صحيحة  عن الواقع ، و إنما هي بمثابة أحكام و تقييم لما نراه على ضوء تحيزنا و قيمنا و مبادئنا.

2– أي  دور لوسائل الإعلام  في تشكيل الصورة ؟

    الأفراد يخصصون في المتوسط ما لا يقل عن 6 ساعات يوميا للتعرض لوسائل الإعلام .  
  وقد أصبحت وسائل الإعلام الوسيلة الأساسية التي تقدم  التفسيرات إلى الناس خصوصا أنهم يبنون أفكارهم عن واقع لم يشاهدوه فعلا. و يرى " ويلبور شرام " أن حوالي 70% من الصور التي يبنيها الإنسان عن عالمه مصدرها وسائل الإعلام ؛ حيث :
- تقوم وسائل الإعلام بدور كبير في مجال صنع الصور لدى الجماهير . و هذه الأخيرة لم تعد أدوات لنقل المعلومات فحسب  و إنما أصبحت أدوات لتوجيه الأفراد و الجماعات و تكوين مواقفهم. و تسهم وسائل الإعلام بشكل أساس  في خلق و تكوين ما يسمى " بيئة الرأي العام " .   
-    وسائل الإعلام تقوم بتبسيط المعارف الجديدة و تقدمها للجمهور في جرعات سهلة الهضم  لعدم قدرة أي فرد على ملاحقة السيل الجارف من المعلومات .
-   يرى " والتر ليبمان  " وسائل الإعلام تساعد في بناء الصورة الذهنية لدى الجماهير  و في كثير من الأحيان تقدم هذه الوسائل بخلق بيئات زائفة في عقول الجماهير .
و هناك الكثير من العوامل التي تهيئ وسائل الإعلام لهذا الدور منها :
1- الانتشار الواسع ، و قدرتها البالغة على الاستقطاب و الإبهار ، حيث أسهمت تكنولوجيا الاتصال الحديثة في مد و اتساع نطاق تغطية وسائل الإعلام بمختلف أشكالها ، كما أسهمت في تغيير شكل و أسلوب عملها عموما و التلفزيون خصوصا .
2- السيطرة على  أوقات الأفراد ، و منافستها الشديدة للمؤسسات الاجتماعية الأخرى في مجال التأثير الجماهيري .
3- إيقاع العصر الحالي الذي يتسم بالسرعة من ناحية ، و بعزلة الأفراد عن بعضهم البعض ، مما يجعلها مصدر للشعور بالمشاركة و عدم العزلة .   
   و ترى " جيهان الرشتي "  أنه من الأيسر على وسائل الإعلام تقديم الصور النمطية ، بينما يصعب عليها تعديل أو تغيير هذه الصور .
و الصورة النمطية  تحقق  بعض الوظائف النفسية لدى الفرد :
1- قدر  كبير  من اقتصاد الجهد بما يقدمه من أطر عامة جاهزة ، تكفل له التعامل مع الآخرين و التنبؤ بسلوكهم دون إمعان النظر في خصائصهم الفردية .
2- يضيق من نطاق الجهل في التعامل مع الآخرين ، و ذلك لما يقدمه من معرفة مسبقة بما يمكن أن تكون عليه صورة الآخرين خلال تعاملهم معه .
3- تعميم و اختزال  الواقع ، و هما  من  الأهداف التي تتوافق  من بناء المعرفة الإنسانية   .    
و  يجب أن نميز بين عمل وسائل الإعلام التقليدية و وسائل الإعلام الجديدة ، حيث يزعم " ديفيد هيرمان سكوت " ، أن " الدعايات في الوسائل السمعية و المكتوبة لا تعمل كما يجب في الوقت الحاضر . فقد كانت صالحة عندما لم يكن  الإنترنت موجودا "   .
و يختلف  دور وسائل الإعلام  حسب  نمط الحياة الاجتماعية التي تتواجد بها ، فهي في المجتمعات المتخلفة ينتظر منها أن تعمل على تقديم صورة مرغوبة لسياسات التنمية حتى ينخرط فيها الناس و بالتالي فهي تحث على التغيير ، بينما في المجتمعات المتقدمة تركز أكثر على الضبط الاجتماعي من أجل إعادة إنتاج المجتمع ، أي أنها تحث على الاستقرار  .  

3–  ما  هي ملامح  صورة المسلمين  في الإعلام الغربي  ؟

   تعد السينما و التلفزيون من وسائل الإعلام الرئيسية التي تساهم في تكوين الرأي العام . فالسينما،  أثرت تأثيرا كبيرا في صورة العرب   و المسلمين في الغرب .  
-   و الصورة الرئيسية التي حاولت السينما ترويجها شعبيا في العشرينات عن العرب ، هي رقصة هز البطن و السرقة و القرصنة و الصورة الرومانسية ، كان هز البطن صورة لصيقة مقترنة بالعرب ، لاسيما في مصر ، في عدد من الأفلام مثل " الراقصة المصرية " (1920) ، " رقصة النيل " (1923) .
-   في الثلاثينات و الأربعينات ، شهدت الفترة ظهور موضوع جديد يصور العرب أوغادا غامضين يقاتلون " الأبطال " الفرنسيين و البريطانيين .
    كذلك شهدت المواضيع السياسية و السياسية – الدينية اهتماما ، فقد غدت الحرب الدينية و المغامرات التي تزج بالمسيحية و الاسلام موضوعا مركزيا لأفلام عديدة . و أشهر فيلم في هذه الفترة ، هو فيلم " الصليبيون " (1935) ، الذي يصور العرب المسلمين و هم يقاتلون المسيحيين في القدس ، و يظهر الفيلم كذلك ريكاردو قلب الأسد ، ملك أنجلترا ، و هو يقاتل صلاح الدين في فترة " حارب فيها المسيحية كلها ضد الاسلام كله "   ،  و جرى في هذا الفيلم تصوير صلاح الدين بصورة حسنة بصفته سلطان الاسلام العظيم .
-   بيد أن صورة النزوات عن العرب هي التي سادت سينما الأربعينات . فكانت أفلام " لص بغداد " (1941) ، و " علي بابا  و الأربعين حرامي " ( 1944) ، و " الليالي العربية ) (1942) ، و " ألف ليلة و ليلة " (1945) ، و " السندباد  البحري " (1947) ، من بين أفلام النزوات التي  صورت العرب في إطار من المكائد و المطاردات في الصحراء و المعارك و البساط الطائر و الجن و الخيول المجنحة ، و هي تضاهي ، بطريقة خيالية ، تقليد المستشرقين البريطانيين في القرن الماضي .
الصورة الرومانسية المبالغ فيها عن النزوات  و التي كانت في الأربعينات قد تضاءلت ، و لكنها لم تختف أبدا ، بل أفسحت المجال إلى صورة جديدة سيئة و غير متعاطفة في الخمسينات و الستينات مثل : " البدائية " و القسوة ضد اليهود .
-و مع أن عدد الأفلام الخاصة بالعرب كان أقل في الستينات ، و لكن فيلم " الخروج " مع فيلمين رائجين آخرين هما " لورنس العرب" (1962) ، و " الخرطوم " (1966) ، أسهمت كثيرا في رسم صورة العرب في تلك الحقبة . ففي فيلم " الخرطوم " يظهر العرب " كمتعصبين " بقيادة زعيم ديني متعصب هو المهدي و هم يقاتلون الجيش البريطاني. فضلا عن ذلك حاول الفيلم أن يبين " إنسانية " الانجليز و " قسوة " و " عدم انسانية " العرب الذين أظهروا كتجار رقيق و حملة رماح متوحشين .
   - و يبدو أن فيلم " لونس العرب " كان من أكثر الأفلام  رواجا و منه استمد كثير من الناس في الغرب ما يحملونه من صورة عن العرب  . و الصورة الأساسية التي أراد الفيلم أن يظهرها و يروجها هي " نمط الحياة البدوية " ، و " تفوق " الانجليز من خلال لورنس الذي لولاه لما استطاع " البدو " أن يكسبوا المعركة ضد الأتراك ، و يظهرون كمحاربين شرسي القسمات و ذوي أنساق غريبة من القيم تختلف عن نسق الإنجليز . أما الموضوع الذي يتراءى في الفيلم فهو عن الحكام العرب الذين يسعون وراء المنفعة و يفتقرون إلى المبدأ.
عدد من هذه الأفلام   عرض على شاشات التلفزيون التي قدمتها السينما الأمر الذي   أتاح للكثيرين في الغرب فرصة مشاهدتها و تشكيل صورة في أذهانهم عن العرب و المسلمين ، و لاسيما فيلم " لورنس العرب " و " الخرطوم "
و تظهر في التلفزيون أسوأ الصور عن العرب : منها صورة البدوي الآخذ بالثأر ، القاسي ، الجبان ، المنحط ، المهووس ، إلى صورة المبتز بواسطة النفط ، تلك هي للأسف الصورة المعروضة باستمرار على المشاهدين . يقول ج.شاهين : " أن تكون عربيا في أمريكا السبعينات تعني أن تكون أداة سخرية في وسائل الاعلام ، بخاصة التلفزيون "  .
   و في المسلسل التلفزيوني " فيغاس" (Vegas)، مثلا ، يظهر العرب كشيوخ أشرار ،، جبناء
و الثراء الفاحش و الحريم ، و كلها صفات منسوبة إلى العرب .
    - و لكن أكثر الأفلام التلفزيونية التي ظهرت عن العرب تهجما و تشويها ، فيلم : " القرصان The Pirate" .  اسم الفيلم ذاته هو تعزيز لصورة القرن السادس عشر عن العرب " كقراصنة " . و موضوعه عبارة عن تجميع لأسوأ الصور التي يمكن أن يتخيلها المرء عن العرب ( مثل الثراء الفاحش   و القسوة و التخلف و عدم الإنسانية و الجبن و الإرهاب و الطبيعة الرجعية للإسلام و تعدد الزوجات   ) .
و يسود تشويه الصورة العربية كذلك في البرامج  المعدة للأطفال مثل " طرزان ". ففي " طرازان " يصور العرب كقتلة و تجار رقيق و قتلة للرجال و النساء السود و كباعة  للصبيان السود عبيدا .
غير أنه  بعد حرب 1973 ، و بخاصة بعد زيارة السادات للقدس في 1977 ، قدم التلفزيون الأمريكي السادات بصورة حسنة ، فتزامن التغيير في تغطيته مع " التغيير في طريقة تعامله مع إسرائيل .
     -  و ثمة تطور أخير مثير للاهتمام في التغطية التلفزيونية ألا و هو العودة إلى صورة الاسلام القديمة كدين بربري و خطير على الديمقراطية الغربية و مصالح الغرب و يجري ابراز هذه الفوبيا عن الاسلام (Islamophobia) و تسويغه من خلال  ( الممارسة ) الخمينية لشريعة العقوبات الاسلامية .
  - الحرب الأهلية في لبنان تقدم كحرب بين الاسلام و المسيحية ، رجوعا إلى المنازعات القروسطية . و قد أظهر ادوارد سعيد في كتابه " تغطية الاسلام "  ،  كيف عززت و سائل الاعلام الحالية صورة   الفوبيا من الاسلام عن طريق تغطيتها للرهائن الأمريكيين و للخميني .   
-   الفيلم البريطاني " موت أميرة  Death of Princess" الذي عرض على قناة أي . تي .في يوم 9 أفريل 1980 ، يروج  لفوبيا من العرب و الاسلام (Arabophobia and Islamophobia) . و لقد سبب الفيلم توترا في العلاقات بين الحكومتين البريطانية و السعودية ، إذ سحبت الأخيرة سفيرها من لندن احتجاجا على الفيلم الذي هو بنظرها إهانة للإسلام .   و الفيلم   " وثائقي خيالي " ، و ( ليس وثائقيا صرفا لأن أشخاصه من الممثلين ) عن إعدام مشهور لأميرة سعودية شابة عن سوء تصرفها و هو يبث مفاهيم التفوق الثقافي الغربي ، و ذلك بإظهاره   شريعة العقوبات في الإسلام بشكل غريب ، قاس ، ناشز ، و بعيد عما يألفه  الانسان في الغرب  .
- و كان أحد الأفلام الذي قدم تقويما مقارنا للإرهاب  يثير الاهتمام هو " غارة على إينتيبي" (Raid on Entebee) ( 1981 )  ، كان الجمهور يشاهد طيلة الفيلم " البطولة " الاسرائيلية في الغارة على مطار" إينتيبي" في أوغندا ، حيث كان الفلسطينيون يحتجزون رهائن مدنيين لافتدائهم ببعض الفلسطينيين المسجونين في سجون اسرائيل . كان الفيلم دعائيا ، إذ أنه عرض الفلسطينيين " كإرهابيين " لا يرحمون ، و " قتلة " و قساة و غير إنسانيين من ناحية، و عرض الإسرائيليين كإنسانيين و ديمقراطيين و بطوليين .

  والخلاصة /  

  واضح أن العالم ة العربي و الاسلامي يواجه تحديا ثقافيا حقيقيا لقلب صورة العربي و المسلم التي هي صناعة استشراقية خالصة , و لمواجهة  ذلك لا بد من   ضبط استراتيجية ثقافية  تقوم كما  يقول  " السيد يسين "  على بلورة  مبادرة حضارية  تقوم  على  الاسهام   في حوار الحضارات.  و    غياب هذه الرؤية  هو  أحد أسباب تشويه صورة العرب  و المسلمين  في وسائل الاعلام  العالمية   . فنحن  نقنع برد الفعل على تشويه  صورتنا لأننا لا نملك  الفعل  "  .
ان هذه المداخلة   هي دعوة  أو نداء للانتقال من  رد الفعل الى  الفعل  .



ملاحظة  /   للموضوع  مراجع