الساق فوق الساق، أو حينما يكرر أمين الزاوي نفسه.. بمتعة


باديس لونيس

في روايته الجديدة "الساق فوق الساق في ثبوت هلال العشاق" الصادرة عن منشورات الاختلاف الجزائرية ومنشورات ضفاف اللبنانية، يواصل الروائي أمين الزاوي تمسكه بأسلوبه في السرد؛ غرائبية في الحكي، وجرأة في الطرح.
ولا يزال أمين الزاوي يشتغل على التيمات نفسها، ولا يزال وفيا للفضاءات نفسها، بل إنه يكاد يعيد نفس الشخوص في كل مرة بأسماء مختلفة (مستعارة) في كل مرة.
لستُ ناقدا،
ولكني مجرد قارئ يقول كلمته، حول رواية قرأها، لروائي يقرؤه،
كلمة يقولها في سطور قليلة؛

جاء في الصفحة 18 من روايته الجديدة:
"في قرية قصر المورو هذه، التي هي إمارة الجد الإفريقية التي عوض بها إمارته التي فقدها في الأندلس الأوروبية، سار عمي إدريس على تلالها، ومشى في سهوبها خلف قطعان المعز لسنوات حتى بلغ سن السقي والحرث، ولم يجلس على حصير مسجد أو مدرسة قرآنية يوما. كان يفضل مدرسة الراهبات التي قضى فيها بضعة أشهر عن الجلوس إلى الفقيه الأمازيغي الشيخ اعمر اومحند، الذي يحفظ القرآن عن ظهر قلب بلغة قريش ويعرف معناه ويفسره، ولكنه وبمجرد أن يضع رجله خارج مسجد القرية المركزية لا ينطق بكلمة واحدة بالعربية، كل حديثه اليومي بالأمازيغية.
يقال أنه سقط صغيرا في عشق مدرّسة راهبة في عمر أمه تامولت، حتى أضحى لا يفارق المدرسة، يمشي ظلا ثانيا للراهبة التي كانت رقيقة تجاهه، وربما هي الأخرى كانت تعشقه، كل هذا جعل جدي حمديس يمنعه من مواصلة الدراسة في هذه المؤسسة خوفا على عقله وقلبه ولغته ودينه كما يقول" .
هتان الفقرتان -أعتقد- تكادان تختزلان التيمات والفضاءات الحاضرة في الرواية، فالهوية ومثلما كان في رواياته السابقة تحضر بشكل غير مباشر ولكنها تؤثث المشهد بشكل فارق، إنها أشبه بخلفية تعطي للقصة عمقا مهما، وهي مهارة لم يؤتها إلا قليل من المبدعين، ولاشك أن أمين الزاوي منهم، وهو الذي يتعمد التطرق إلى تيمة الهوية (الأمازيغية-العربية) في كل مرة، إن كان ذلك تصريحا أو تلميحا، ثم يتركها دون أن يخوض فيها.
يحضر العشق (غير العادي) أيضا مثلما كان في روايته (نزهة الخاطر) مثلا. يحضر الدين بشكل لافت، بشكل روحاني من خلال اللغة المستخدمة، أو من خلال بعض الممارسات التي تحمل أحيانا مفارقات مستفزة للخيال وللأحاسيس. الثورة أيضا يصر الزاوي على توظيفها، وتخليصها من ثوب التقديس المبالغ فيه. بالاظافة إلى هذه التيمات لا ينس الزاوي أن يتطرق أيضا إلى الهجرة فهي فعل ثقافي ملازم لرواياته، يوظفها بهدوء تارة وبتوتر واضح تارة أخرى.
وتحضر القرية بشخوصها وممارساتها التقليدية/الغرائيبية في كل مرة مستندة إلى شرعية التاريخ والأثر. كما يحضر المنزل بجدرانه الحقيقية أو الثقافية، ويحضر المسجد بتناقضات محتوياته أو ربما بتعدد أدواره وتسامحه؛ يريد أن يقول الزاوي.
أما شخوص الرواية؛ فيجد الزاوي متعة كبيرة في استرجاع وإعادة بناء ملامحها عبر رواياته في عملية (قص/لصق) حتى يلتبس على القارئ إن كان يقرأ روايات أم انه في الأصل يقرأ رواية واحدة. فالعمة نفسها والعم نفسه والجد والجدة نفسهما، والأب...
وأما عني فيخيل إلي أحيانا أن الروائي فقط يقوم بلعبة تغيير الأدوار زيادة المتعة.
حتى القهوة لازالت تحتفظ بظهورها الآسر في رواياته؛ ولا يزال الراوي مفتونا بطقوس شرب جده لها؛
يقول:
"الواقع أنني أدركت، بعد سنوات، أنني لم أكن أشبه جدي حمديس في الملامح ولا في الشكل، ولكني كنتُ شبَهَهُ في طقوس شرب القهوة وفي حبها. لقد ورثتُ عنه إدمان شرب القهوة وطريقة اختيار الفناجين الخزفية الأصيلة التي تُشرب فيها". ص9

حين أقرأ رواية من روايات أمين الزاوي، يلتبس عليا الأمر وأشعر في كل مرة أني قد قرأتها من قبل، والحق أقول أني تمنيت في كل مرة أن أجدا رواية أخرى، ورغم ذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أنكر استمتاعي بقراءته.