عندما يمارس مفتي بشير لعبة السعادة

باديس لونيس

ما يعجبني في روايات مفتي بشير وخاصة الروايتين الأخيرتين؛ غرفة الذكريات ولعبة السعادة، هي الانسيابية في السرد وواقعيته دون الوقوع في فخ افتعال المواقف والأحداث ونجاحه رغم ذلك في تشويق القارئ وتوريطه مع تطور الحبكة وتطور الشخصيات وتعدد حالاتها النفسية.
في روايته الجديدة ذات العنوان الجاذب (لعبة السعادة أو الحياة القصيرة لمراد زاهر)، ولئن احتفظ الروائي بأسلوبه وهويته في السرد، ولئن بقي وفيا لموضوعاته المفضلة وتيماته التي طالما اشتغل عليها، ينجح مفتي بشير مرة أخرى في تقمص دور بطل آخر هو قروي مؤمن مسالم ويتتبع بشكل متقن تحولاته النفسية والفكرية والأخلاقية مع تطورات الأحداث وظهور المستجدات.

وفي ظل هذه التحولات  ومن خلالها يتطرق الروائي إلى قضايا فلسفية وحياتية مهمة كالخير والشر، والفرح والتعاسة، والأخلاقي وغير الأخلاقي، الجبن والشجاعة، الحب والخيانة، الفقر والغنى،،، يفعل ذلك بذكاء وقدرة كبيرة على الوصف الواقعي الموضوعي دون مبالغة منفرة، ولا افتعال مكشوف. يرسم لوحته الفنية بألوان تلك القضايا بريشة تنساب بإبداع كي تكمل ملامح المفهوم الرئيس والقضية المحورية وهي السعادة.
هو في الأخير ليس في منافسة مع القارئ كي يحاول إدهاشه والتحايل عليه، إن يدعوه بأدب لمرافقته والتماهي معه..
"لا أخفي أنني مثلكم جميعا رغبت في الخير، أو تصورتني كذلك. لا يوجد ما يجعلني مختلفا عن باقي القطيع، ولتعذروني إن وصفت الفئة الكبيرة من البشر بالقطيع، هذا لا يعني أنهم سيؤون، أو اختاروا ذلك بنباهة وذكاء، أغلب الظن أنهم وجدوا أنفسهم في هذه الجهة من الحياة، ولم يمنحوا أنفسهم فرصة اكتشاف الجهة الأخرى. سمعت طوال حياتي القصيرة عددا لابأس به من الناس يقولون هذا الكلام:
دعنا مرتاحين في يقيننا، دعنا مطمئنين. الحياة بلا قلق أحسن. وماذا ستنفعك الأسئلة"
ويحضر الحب في هذه الرواية بشكل محوري وفعال، فناريمان التي أحبها مراد زاهر حبا لا مثيل له، تمثل في الحقيقة أمله في هذه الحياة المتقلبة، هذه الحياة الجائرة والمخيفة؛ "وبالرغم من غرورها وعنجهيتها أعجبته، سحرته، جعلته يشعر بأن سماء صاخبة راحت تمطر فجأة على قلبه بعد سنين طويلة من الجفاء. وقال: ناريمان هي الحياة، هي ما كنت أنتظره من الحياة.
ناريمان هي الشعر، هي أجمل ما في الشعر
ناريمان هي الجنون، هي أبدع ما في الجنون."
ولكن هذا الحب العنيف الذي أتاه فجأة كي يوفر له السعادة المنتظرة، لا يفعل شيئا إلا أن يجعله يعيشا مفارقة صعبة وتناقضا داخليا يزيد من تمزيقه، بسبب سلبيته وجبنه واستكانته للخال الجشع القوي بشرعية التاريخ ودهاء السيد المسيطر.
في آخر الرواية يجد القارئ نفسه أمام مفاجأة غير متوقعة؛ نهاية سريالية مفجعة، ورغم ذلك يريد الروائي أن يقول أنها هزيمة حتمية لمثل هؤلاء من البشر.

الرواية الصادرة عن منشورات الاختلاف (الجزائر) ومنشورات ضفاف (لبنان) تستحق القراءة، على مدار 178 صفحة تحتويها.