المرحلة الانتقالية التي طال أمدها في الجزائر

بقلم/ أ.د إدريس بولكعيبات

بعد أيام ستحل ذكرى ثورة نوفمبر التي قامت ضد الظلم الاستعماري الذي طال أمده. وهي مناسبة للوقوف مع الذات والاستفهام حول ما كان و ما سيكون. ومنذ اليوم الأول للاستقلال و الخطاب السياسي متخم بكلمة " المرحلة الانتقالية ". و هي كلمة للتهدئة و التسكين حينا وهي كلمة لتقديم وعود جديدة حينا آخر. المهم أن هذه الكلمة كانت الأكثر تداولا على لسان السياسيين على امتداد خمسين سنة حتى تحولت الى كلمة مبتذلة بل ممقوتة وإشارة سيئة على الدوران في المكان وعلى أن الخروج من النفق لازال بعيدا.
هذه الكلمة تنطوي على الكثير من الغموض. و قد أردت تسليط بعض الضوء على دلالاتها التي يتستر خلفها السياسيون ؛ حيث حولوها الى مترس يردون به مطالب الأمة التي لا تنتهي .

إن مفهوم المرحلة الانتقالية يكتنفه بعض الغموض، ومن المناسب توضيح المعاني المختلفة التي يحملها ، وتحديد أي منها ينطبق على بنية المجتمع الجزائري.
في أحد الكتب الأساسية التي وضعها قائد الثورة البلشفية التي لم تعمر أكثر من قرن وهو "الدولة والثورة" ، نجده يشير بمفهوم المرحلة الانتقالية إلى المرحلة التي يتم فيها تجاوز البنية الرأسمالية و سيطرة الطبقة العاملة على السلطة ، قبل الانتقال إلى بناء مجتمع جديد تنحل فيه الدولة ؛ حيث يقول : " فيما مضى كانت المسألة تطرح بالشكل الآتي: يتوجب على الطبقة العاملة لكي تكسب حريتها أن تسقط البرجوازية ، و أن تظفر بالسلطة السياسية وأن تقيم ديكتاتوريتها ، أما الآن فتطرح المسألة بشكل مختلف بعض الشيء. إن تجاوز المجتمع الرأسمالي ، يستحيل دون (مرحلة انتقال سياسية) ولا يمكن لدولة هذه المرحلة أن تكون غير الطبقات الدنيا .(1)
فالمرحلة الانتقالية بهذا المعنى، مرادفة لمفهوم ديكتاتورية الطبقة الدنيا التي تسود أثناء تجاوز نمط إنتاج رأسمالي. ووفق هذا الطرح، فإن المرحلة الانتقالية ليست هدفا في ذاتها، ولكنها فترة لا يمكن تجنبها على اعتبار أن عملية الانتقال إلى نمط إنتاج مختلف لا تتم بصورة آلية ، بسبب تعقد الحياة الاجتماعية واستمرار التناقضات الناتجة عن التفاوت بين القطاعات الاقتصادية.
و قد حددت السمات الأساسية التي تجمع البلدان التي كانت تسعى للتحول إلى مجتمعات تقوم على العدالة الاجتماعية في الآتي : (2)
1- وجود أحزاب ببرامج تقوم على العدالة الاجتماعية في موقع القيادة .
2- وجود تحالف بين العمال والفلاحين.
3- فرض الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.
4- انتهاج التخطيط في الاقتصاد.
غير أن هذه السمات لا تتوفر بشكل تام في مجتمعات العالم الثالث التي يعد المجتمع الجزائري من ضمنها . رغم أن ميثاق 1976 الذي صاغه الرئيس بومدين تحدث كثيرا عن وجود نية لبناء مجتمع يقوم على العدالة الاجتماعية في الجزائر.
وبسبب قصور مفهوم " المرحلة الانتقالية " بالمعنى الذي ذكرناه ، وعدم انسجامه مع الخصائص التي تتميز بها البنية الاجتماعية في بلدان العالم الثالث في مقدمتها سيادة نمط إنتاج سابق على الرأسمالية ، فإنني أرى أنه من المناسب استخدام مصطلح " المرحلة الانتقالية " بالمعنى الواسع الذي استعمله "شارل بيتلهايم Charle Beitelheim " حيث استخدم المفهوم ليصدق على وضعيتين : (3)
- شكل انتقالي جذري ، و يتم في حالة انتقال نمط الانتاج الرأسمالي إلى نمط يقوم على الملكية الجماعية ، أي مرور المجتمع من مرحلة تاريخية معينة إلى مرحلة أخرى ، عن طريق تغيير علاقات العمل و العلاقات بين الطبقات ، حيث يحل جهاز للدولة محل جهاز آخر له شكل طبقي من نوع آخر.
- وهناك شكل انتقالي أقل شمولية وهو غير محدد المضمون، ويكون تحت شكل انتقال اقتصاديات المجتمعات التي كانت خاضعة للسيطرة الاستعمارية والتي دخلت مرحلة ما بعد الاستعمار .( 4) وبهذا المعنى الواسع ، فإن الشكل الثاني للانتقال يصدق على البنية الاجتماعية للجزائر التي مرت بمرحلة استعمارية طويلة من 1830 إلى 1962.
وعلى اعتبار أن النشاط النقابي جزء من النشاط العام للمجتمع ، فإن الأهداف وأساليب العمل تتأثر بنمط الإنتاج السائد وبطبيعة البنية الاجتماعية ، فما هي خصائص البنية الاجتماعية للبلدان التي مرت بتجربة الاستعمار المريرة والتي تعرف أيضا بالبلدان المتخلفة أو العالم الثالث؟
إن أهم هذه الخصائص هي:
1- تفكك نمط الإنتاج الذي كان سائدا فيها.
2- وجود بنية اجتماعية مشوهة.
3- تدني مستوى المعيشة. (5)

- تفكك نمط الانتاج: 

إن نمط الإنتاج الذي كان سائدا في بلدان العالم الثالث قبل السيطرة الاستعمارية ، هو نمط إنتاج سابق على الرأسمالية . فقد عمل الاستعمار على تفكيك بعض الجوانب منه، وشكل بدلها قطاعا رأسماليا حديثا يتمثل في الفلاحة، ليس من مهمته إشباع الحاجات المحلية، وإنما القصد منه خلق قطاع للتصدير، وكان من نتائجه سيادة منتج واحد على الباقي . وقد أدى هذا الوضع المفتعل إلى حدوث نمو غير متوازن وعجز في إشباع الحاجات . فعلى سبيل المثال اشتهرت مصر والهند إبان الحكم الاستعماري بتصدير القطن ، أما الجزائر فإنها كانت معروفة بتصدير الخمور نحو الميتروبول (فرنسا).

- البنية الاجتماعية المشوهة:

تصدعت البنية الاجتماعية لبلدان العالم الثالث بتفكك نمط الانتاج الذي كان قائما ؛ حيث اضطرب التركيب الطبقي الذي كان سائدا قبل السيطرة الاستعمارية و أدت سياسة تجريد الفلاحين من أراضيهم وتحويلها إلى مزارع موجهة أساسا للتصدير كما حدث في الجزائر، إلى تحويل طبقة الفلاحين الصغار إلى عمال في الفلاحة أو في الصناعة ، كما عرفت طبقة الحرفيين في المناطق الحضرية نفس المصير، بسبب منافسة المصنوعات الواردة من الميتروبول، وقد أدى هذا الاضطراب إلى سيطرة أشكال من الوعي الاجتماعي الذي يعود بالعلاقات الى عصر المجتمع التقليدي .

- تدني مستوى المعيشة:

تعاني البلدان المتخلفة من تدني مستوى المعيشة ، لعدم وجود فعالية في الاقتصاد وهذه ظاهرة معقدة . و يرى بعض الاقتصاديين أن شعوب التي استرجعت سيادتها حديثا وقعت في حلقة مفرغة ، ومن المستحيل الإفلات منها ، ويذهب الاقتصادي " لا بنشتاين "(6) إلى أن قصور انطلاق اقتصاديات هذه الشعوب يعود إلى وجود عوامل داخلية تكبح جهود التنمية، ومن بين هذه العوامل :النمو الديمغرافي السريع الذي يمتص الفائض من الإنتاج ويعيق كل تحسن ، ويبقي مستوى إشباع الحاجات عند حده الأدنى . وتعتبر الجزائر بالنسبة لهذا الجانب من بين الدول التي توجد بها نسبة عالية من النمو الديمغرافي ، إذ بلغت نسبة المواليد 3.2 % (7) في السبعينيات من القرن الماضي . و رغم تراجعها قليلا في التسعينيات إلا أنها لاتزال أكبر من النمو الحقيقي للاقتصاد.

ملاحظة / للموضوع مراجع