الاتصال في المؤسسة: إلى أي حد يمكن ترشيد القرار ؟

" إن الاتصال هو الشرط الضروري لكل تنظيم إنساني" - Leavitt 

الأستاذ الدكتور / إدريس بولكعيبات
أستاذ باحث – جامعة قسنطينة

من المسائل التي تشغل المؤسسات الحديثة ضبط سياسة اتصالية. وهناك إشكاليات كثيرة تحيط بهذا الموضوع، منها انتشار الإشاعات ، وسط المرؤوسين وميل الرؤساء إلى حجز المعلومات، و إقحام التفاوض في قلب المشاكل الإعلامية بالمؤسسات .

ومن المناسب، قبل الخوض في تحليل هذه المسائل أن نبدأ بتحديد مفهوم التنظيم إذ يرى ب. روبنس P.Robbins "أن التنظيم هو وحدة من التنسيق لها حدود يمكن مشاهدتها و تعمل بطريقة مستمرة نسبيا، بدافع بلوغ هدف يتقاسمه الأعضاء المشاركون " (1) . وهذا التعريف للتنظيم ، لا يختلف عن ذلك الذي خص به ل . فون بيترتلانفي Bertalanffy .L.Von النسق، إذ يعرفه على أنه" مجموعة من العناصر تتفاعل فيما بينها (2) وقد أضاف لوك بوير إلى هذا التعريف، مايلي: 
مجموعة يمكن التعرف عليها، تتشكل من عناصر أو من مجموعات فرعية تتفاعل فيما بينها.
- متمو ضعة في محيط معين .
- تلبي وظيفة أو تقوم بنشاط ؛ 
- تتمتع ببناء .
- تتطور عبر الزمن .
- لها أهداف محددة، أو واعدة بتحقيق غاية (3) . 
و دون أن نخوض في النقاش الذي يمكن  أن يثور حول الفروق بين مفهومي: النسق و التنظيم، فإنه يمكن أن نميز خلال الأداء العادي للتنظيم أو النسق بين نوعين من النشاط: الأنشطة الفردية و الأنشطة الجماعية.
و كما هو معروف، فإن الإعلام ينتج عن وجود نشاط. و وجود هذين النوعين من النشاط في التنظيم يتطلب تحليلا على مستويين متكاملين:-
- على المستوى الفردي: يتم فحص الجوانب الإعلامية لنسق التسيير لكل مشارك، داخل مجال النشاط الذي أسند إليه خلال اقتسام المهام
- على المستوى الجماعي : يتم فحص الجوانب الإعلامية لأنظمة التسيير الجماعي المكلفة بشكل خاص بالتنسيق، أي التسيير لضمان الانسجام في محيط يتطور (4).
و لاشك أن الحديث عن نوعية الأنشطة التي يمكن أن تصدر عن الأفراد في التنظيم ، يقودنا بدوره إلى الحديث عن قنوات الاتصال و شبكتها التي يبدو أنها تتأثر إلى أبعد الحدود بالمخطط التنظيمي للمؤسسة. إذ أنه في العادة يعرض المخطط التنظيمي على الغرباء عن المؤسسة خلال الزيارات لمساعدتهم على فهم أسلوب إدارتها .
والواقع أن المخطط التنظيمي يكشف عن توزيع الوظائف، أي تقسيم العمل على الأفراد، بحيث يحدد علاقة السلطة فيما بينهم، أي اتجاه تنقل المعلومات. و تفترض هذه الشبكة وجود علاقة بين الرؤساء و المرؤوسين، و بين النظراء أي أولئك الذين لهم مواقع متوازنة من حيث سلطة القرار و تبادل المعلومات .
ويقدم المخطط التنظيمي صورة عن مدى استخدام عامل الترشيد بهدف التقليل من التكاليف و حشد الطاقة للوصول إلى الأهداف التي أنشئ من أجلها التنظيم . لكن هل المخطط التنظيمي يعكس ما يجري بالفعل في المؤسسة ؟ و لم يتردد لويس كيسنيل Louis Quesnel في" القول بأن المخطط آلتنظيمي L’organigramme لا يقول أبدا كل الحقيقة للأسف ، و لا يبدو من المبالغة التأكيد بأن كل المخططات التنظيمية الرسمية خاطئة ، فالخريطة ليست الأرض و المخطط التنظيمي ليس التنظيم " (5).
و أحيانا تبدل جهود ، خاصة من جانب الباحثين الذين يظهرون اهتماما بمؤسسة من المؤسسات ، لمحاولة تصحيح الانحراف عن المخطط التنظيمي النظري ، و ذلك بتسليط الضوء على الجانب المخفي من العلاقات التي لا يعترف بوجودها المخطط التنظيمي و الذي لا يعكس سوى المظهر الرسمي و الظاهر من شبكة العلاقات في المؤسسة ، و الجانب غير المرئي . إن الذي لا يعترف بوجوده المخطط التنظيمي يطلق عليه التنظيم غير الرسمي و قد كرست مدرسة العلاقات الإنسانية كل جهودها لتناوله بالبحث و الدراسة ، و يتشكل خاصة من علاقات الصداقة و المودة بين الأشخاص و الجماعات .
فما هي العلاقة بين هذين الشكلين من الاتصال ؟ 
يقول "دمتيري ويس Dimitri Weiss " "إن نسق الاتصال غير الرسمي لا يعزز في العادة الاتصال الرسمي ، بل العكس ، إنه في سباق معه ، و يعمل على إضعافه . صحيح ، أنه في بعض الأحيان يتم رصده و احتواؤه من طرف الإدارة التي تستخدمه في ظروف الأزمات لتمرير معلومات موجهة لتعزيز النظام الرسمي ، لكن الإدارة يمكنها أن تخلق نسقا " غير رسمي " ، خاصا بها ؛ بحيث يمكنها من دعم النسق الرسمي باستمرار و يوجه لتلبية حاجات معينة تتطلبها الضرورة البنيوية الوظيفية للمؤسسة " (6).
1- قنوات الاتصال :
تستعمل في العادة كلمة " قناة " في مجال محدد . إلا أن سلسلة الأشخاص الذين لهم ترتيب على نحو معين يستجيب للمخطط التنظيمي ، و الذين تمر بهم الرسالة المكتوبة أو الشفوية يمكن اعتبارها قناة اتصال .
و ينظر إلى القناة على أنها محايدة ، و إلى الأفراد الذين تمر بهم ، على أنهم سلبيون ، يمارسون حق النظر و الاطلاع عليها ، ورفعها إلى الذين هم في أعلى السلم دون تحريفها بالإضافة أو بالنقصان ، و قد قال شستر برنارد أن " إيجاد وسيلة أكيدة للاتصال لهو الواجب الأول على المنظم و هي البؤرة المباشرة في التنظيم الإداري " (7). 
غير أنه من الناحية العملية ، لا توجد قناة محايدة ، و خاصة إذا تعلق الأمر بنقل رسالة شفوية . و لهذا يحرص في التنظيم على الاعتماد بشكل أساسي و حاسم على أن تكون الرسائل مكتوبة للحد من إمكانية إدخال تعديلات عليها أثناء عبورها للقناة و قبل وصولها إلى الهدف .و إذا كانت هناك ميزة للرسالة المكتوبة و هو الانتقال في السلسلة مع الاحتفاظ بمضمونها كما صدر عن المرسل . إلا أن التعامل عن طريق الرسائل المكتوبة ، يفقدها الحرارة الإنسانية اللازمة ،كما يحرمها من عنصر التعزيز و الإقناع و بالتالي سيعرضها للإخفاق و يحول دون تحقيقتها للغاية المرجوة منها و هي انتزاع الالتزام من الأفراد بالاستجابة لمضمون الرسالة . كما أن الاعتماد بشكل أساس في التنظيم على ما هو مكتوب ، و ضرورة العبور عبر السلم التنظيمي ، يبطئ من سرعة انتقال المعلومات من المرسل إلى المستقبل. و هو ما يطلق عليه البعض بثقل الآلة البيرقراطية ، حيث تصل المعلومات متأخرة بسبب عوائق الإجراءات كما أن القرارات تأتي متأخرة هي بدورها ، أي بعد أن يكون الواقع قد تغير . 
و للإحساس بوجود هذه المشكلة ، هناك من يسعى في المؤسسات الحديثة إلى انتهاج طريق أخرى .
لأنها أثبتت كفاءتها في نقل المعلومات داخل التنظيم ، إذ يعتقد بيرتراند دونية " Bertrand Daugny و هو مدير عام سابق لشركة " مارسيل داسو إلكترونيك " ، أنه بفضل اجتماعات دورية مع مجموعات من الإطارات في مختلف المستويات ، يمر الإعلام الشفوي بشكل جيد و بالحد الأدنى من الخسائر "(8).
وهو ما يعطي زخما أكبر للرسائل بفضل الاحتكاك ؛ حيث تحصل على المزيد من التعزيز 
يقول دميتر ويس Weiss .D "إن النقابات الهامة فهمت هي بدورها أهمية الإعلام ، ولذلك تسعى لعقد اجتماعات للموظفين خارج أوقات العمل لتقوية الاحتكاك" (9).
و هكذا، فإن الإعلام ، حتى يكون فعالا يتعين أن يكون تشاركيا ، و أن يكون تفاعليا بين مرسل و مستقبل بحيث يتفوق الحوار على أية وسيلة أخرى للاتصال . و المهم في هذا ليس الوسائل المادية بل الاحتكاك . 
و يذهب ماك غريغور McGregor الى أن الصعوبات التي يتم مصادفتها في الاتصال 
داخل التنظيم ، ليست في الغالب سوى أعراض لصعوبات مخفية تؤثر على العلاقات القائمة بين الأطراف المعنية . و عندما يكون الاتصال دون مفعول ، يجب قبل شيء إعطاء أهمية لطبيعة العلاقات بدل الاهتمام بتحسين و سائل الاتصال " (10) . و في هذا الاتجاه أكدت كثير من الدراسات أن الذين يبحثون عن المعلومات إنما يبحثون بشكل خاص عن الاحتكاك .
2- نسق الاتصال و فعالية التنظيم : 
أجريت دراسات عديدة حول الاتصال في المؤسسات و ذلك لمحاولة الكشف عن احتمال وجود علاقة بين أداء المؤسسة و نسق الاتصال بها . 
و في هذا الشأن أكدت الدراسات التي أجراها معهد السوسيولوجيا بجامعة لييج من جامعة ستوكهولم حول العلاقات القائمة و كذا أعمال أدموند دالستروم E.Dahlstrom حول نسق الاتصال و تنظيم المؤسسة، أكدت أنه عندما تكون عملية تبادل المعلومات معطلة ، فإنه يترتب عنها نتائج مضرة(11). و لعل أهم دراسة علمية حول العلاقة بين نوع الاتصال و مدى تحقيق النتائج المرجوة في التنظيم هي تلك التي قام بها " بافلاس BAVELAS ؛ حيث أجرى " تجارب نالت شهرة كبيرة، تقوم على ثلاثة أوضاع يكلف فيها شخصان هما " أ " و " ب " بمهمة محددة : - (12)
" أ " ينقل إلى " ب " معلومات و تعليمات ضرورية و يتعين على" ب" تطبيقها على
أكمل وجه .
- في الحالة الأولى : 
" أ" يمكنه الإرسال و " ب" يمكنه الاستقبال ، لكن تبادل الحوار بينهما غير ممكن .(الاتصال يجري بصورة خطية) . 
- في الحالة الثانية : 
"أ" يرسل و " ب" يستقبل ، لكن ب يمكنه الاستعانة بإشارة ضوئية 
(خضراء أو حمراء) للإشارة إلى ما إذا كان قد فهم أم لا ما تم إرساله .
-
في الحالة الأخيرة: يجري الاتصال في الاتجاهين ، حيث يكون كل مشارك في الوقت نفسه مرسلا و مستقبلا.
 و أشارت النتائج إلى أنه في التجربة الأولى :"ب" لا يفهم ما يطلب منه و لا يستطيع أبدا تنفيذه . فالطرفان لهما انطباع سيئ الواحد عن الآخر ( بالنسبة لـ " ب" فإن " أ" لا يعرف كيف يجعل نفسه مفهوما . و بالنسبة لـ " أ" فان "ب" عاجز . في الحالة الثانية : " ب" يتمكن على العموم من إنجاز ( لكن ليس بسرعة ،و بعد مواجهة صعوبات ) . في الحالة الثالثة ، يتوصل "ب" إلى إنجاز المهمة ببساطة و الطرفان المتنازعان يمكن أن يصبح لأي منهما احترام لدى الآخر .
وأهم نتيجة يمكن استخلاصها من هذه التجارب التي قام بها" بافلاس " حول الاتصال في المؤسسة ، أن إصدار لوائح و قرارات صماء و توجيهها نحو التطبيق دون تعزيزها بالتوضيحات الكافية و السماح بخلق نقاش حول الجوانب المبهمة فيها ، يقلل من فرص نجاحها و الالتزام بتنفيذها
 3- المعلومات و ترشيد القرار:
إذا أخذنا الجامعة كنموذج لمؤسسة ، فإننا نجدها تواجه موسميا مشاكل تتعلق باتخاذ قرارات مبنية على معلومات غير كافية حول الواقع البيداغوجي الفعلي . فانه يتعين علينا أن تحلل نشاط الجامعة في ضوء المفهوم الذي كنا قد حددناه للتنظيم في البداية .
وفي ضوء ذلك يمكن أن نصنف نشاط الجامعة إلى نوعين :-
- فمن جهة ،هناك أنشطة فردية ،يقوم بها كل أستاذ و كل طالب و كل موظف بشكل فردي .
- و من جهة أخرى، هناك أنشطة جماعية ، تقوم بها النقابة و المنظمات الطلابية والمجالس البيداغوجية و النوادي و المجالس العلمية .
و لعل أكبر مشكلة تواجه المسؤولين على مستوى الجامعة هي : تسيير العملية البيداغوجية ؛ حيث تقدم تقديرات حول احتمالات استيعاب الأعداد الكبيرة للوافدين الجدد من الطلبة و التي هي بدورها مبنية على تقديرات تتعلق باحتمالات النجاح في البكالوريا بمختلف شعبها وبالمعدلات التي يمكن أن تتحقق ، كما أن هذه التقديرات تستند إلى ميول افتراضية و لا ستند إلى ميول حقيقية لدى الطلبة . و هذه العوامل مجتمعة تخلق عقبات و تؤدي إلى اتخاذ قرارات مرنة ، قابلة للتعديل إلى أن يتم رصد الواقع الفعلي للعملية البيداغوجية ، بعد أن تجري التسجيلات النهائية .و هكذا نلاحظ أن هناك مرونة في القرار في الجامعة ، خاصة ما يتعلق بالجانب البيداغوجي ؛ حيث يخضع للتعديل على فترة قد تمتد إلى ثلاثة أشهر. و ظاهريا تبدو هذه المرونة و كأنها تردد أو ارتباك في اتخاذ القرار . إلا أن المسألة في واقع الأمر ، تعبر عن مسعى لإخضاع القرار إلى المزيد من الترشيد . إذ ،يعاد بناء القرار ، و فق التغيرات التي يتعرض لها الواقع . و يمكن توضيح تطور القرار لتسيير العملية البيداغوجية على النحو الآتي :-
ح1 ح 2 ح3
ق1 +
ق2 +
ق3 +

حيث ق : تشير إلى القرار و ح : تشير إلى الحالة البيداغوجية .
فالقرار يتخذ على أساس الواقع البيداغوجي المدرك الذي يصعب دائما تمثيله بشكل دقيق ، 
من جراء كثرة التغيرات . و مع ذلك ، فإن المسؤولين يضطرون لاتخاذ القرار تحت ضغط الوقت بناء على تقديرات و توقعات و ليس بناء على واقع فعلي .
و هكذا ، ففي غياب معلومات دقيقة حول الحال التي ستكون عليها البيداغوجيا خلال العام الدراسي الجديد ، تتخذ قرارات لتسييرها ، على مراحل ، إلى أن يتجلى الواقع البيداغوجي الحقيقي ؛ و يحل محل الواقع البيداغوجي الافتراضي الذي شكل من خلال مجموعة من الإشارات مستوحاة من الماضي بالدرجة الأولى .
ووظيفة الإعلام تعبر عن العلاقات بين الحالات التي يكون عليها الواقع ، و الإشارة التي تمثله . لكن كيف تتخذ عملية اتخاذ القرار ؟ 
يجب أن نشير الى أنه يمكن تحليل عملية اتخاذ القرار ؛ و العقبات التي تواجهها من جراء ضغط الزمن ، و الاعتماد على المعلومات المتاحة حتى و إن كانت أقل من الحاجة .
و بحسب نموذج هربرت سيمون H.Simon ، فإن مجرى القرار يمر بأربع محاطات:(13)
1-الذكاء .
2- صياغة النموذج .
3- الاختيار .
4- التقييم .
وهذا النموذج يتطلب شيئين اثنين :-
أ‌-       ضرورة تحديد المشكل . 
ب- قصور العقلنة في البحث عن حلول .
بالنسبة لتحديد المشكل ؛ يواجه المسير دائما عقبة و هي أن المشاكل ليست دائما معروفة مسبقا ؛ و أنها قد تتحول إلى إشكال ، إذا كان الواقع الملاحظ لا يتناسب مع ما كان متوقعا . و في هذه الحال يتعين معرفة المشكل الحقيقي قبل العثور على الحل الجيد . 
أما إشكال قصور العقلنة في البحث عن حلول ، فإنها تطرح على المسير الاختيار بين عدد من القرارات الممكنة . إلا أنه يختار ذلك الذي يفترض فيه أن يقدم أكبر نفع ممكن ؛ حيث لا يسمح ضغط الوقت بجمع المعلومات المفيدة . و بالتالي ، فإن البحث عن الحل المرضي يبقى هو السبيل الوحيد أمام المسير . 
و إدارة العملية البيداغوجية في الجامعة لا يخرج عن هذا الإطار ، حيث تواجه دوريا ، و مع كل دخول جامعي جديد ، اشكال نقص المعلومات المفيدة . إذ أنها تتعامل مع واقع متحرك ، لا يستقر إلا بعد فترة قد تصل إلى ثلاثة أشهر ، لكن مع ذلك يجد المسير نفسه مضطرا ،للتعامل مع ذلك الواقع غير المعروف بدقة و يتخذ قرارات تتسم بالمرونة ، بحيث يمكن تعديلها حتى تستجيب للتغيرات المحتمل حصولها . 
4- حجز المعلومات و الإشاعة :
يحلم أغلب المدراء و المسيرين بالسيطرة الفعلية على ما يدور في المؤسسات التي يشرفون على إدارتها . و ذلك بسعي الجميع بجدية إلى مراقبة المعلومات المتداولة داخل الحيز .  فمن يملك معلومات أكبر حول موضوع ما يستطيع اتخاذ قرارات تؤهله للتكيف بشكل أفضل مع الإشكاليات التي يمكن أن تحيط بذلك الموضوع على عكس الشخص الذي لا يسيطر إلا على معلومات أقل، حيث يكون أكثر عرضة لاتخاذ قرارات غير مناسبة أو غير رشيدة . 
و تؤهل القرارات المناسبة ، الذين يتخذونها إلى التحصين و التموقع على نحو أفضل من أولئك الذين هم مسؤولون عن اتخاذ قرارات قد تزيد في تفاقم مشكل ، بدل تحجيمه أو السيطرة عليه ، مما قد يضاعف في الأعباء و التكاليف ، و يهدد المؤسسة بالابتعاد عن الأهداف . 
و ندعوكم لرسم صورة كاريكاتورية لمدير يريد أن يكون بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه. فهو يبذل جهده لدرء حصول الخلل و يسعى لمعرفة كل شيء . إن الوسائل المعروفة لتحقيق هذا الفضول الهادف هي و ضع آلات تصوير في كل مكان تراقب تحركات الأشخاص . و كذا ميكروفونات سرية في كل الزوايا للتنصت و تسجيل ما يدور بين الأشخاص من حوار. و يمكن استكمال هذا السيناريو بوجود جهاز مركزي تصب عنده جميع المعلومات التي يقوم بجمعها فريق من الأفراد ثم زرعهم على مختلف المصالح . لاشك، أن هذا السيناريو يجعل المؤسسة الاقتصادية قريبة الصورة من تلك التي يشكلها عامة الناس حول المؤسسة العقابية التي تكون فيها الرقابة عاملا مهما للتسيير و السيطرة على أفراد خطرين، يعد التضييق عليهم مستباحا لدرء تمرد قد يحصل .
لكن مؤسسة اقتصادية ما تريد أن تمارس الرقابة على هذا النمو ، تلقى مقاومة شديدة قد يجدها البعض مستحبة ، لأننا في عصر يعترف للإنسان بشيء من الحرية ويسمح بإمكانية تطوير أفكار (Un Contre Pouvoir) مخالفة قد تؤدي إن وجدت من يتبناها إلى بناء قوة مضادة ويفترض أن يكون للقوة المضادة إعلاما مضادا . 
لكن ما معنى وجود هذا الشكل من الإعلام في المؤسسة ؟
و هل له علاقة بالإشاعة ؟ 
نعود إلى بعض المسائل التقليدية كالبداية بالتعريف و ما يحبط به من تعقيدات . فالإشاعة هي على العموم المعلومة الزائفة ، أو المعلومة التي ينتظر التحقق منها . هذا هو المعنى الذي يفضله رجال علم الاجتماع أو علم النفس الاجتماعي . لكن الراجح في نظر المسؤولين هو أن الإشاعة تعتبر مرضا اجتماعيا ينشط خلال فترة الأزمات .
غير أن الدراسات تؤكد أنها ليست ظاهرة نادرة بل هي أسلوب يمارس بشكل دائم يعبر من خلاله الأفراد عن حقهم في الوجود، وعن حقهم في الاختلاف مع إدارة تسعى لإخضاع الجميع لسلطتها(14). 
وهناك من يرى أن الإشاعة لها علاقة بظاهرة أخرى وهي حجز المعلومات داخل المؤسسات ، حيث أن تأخر وصول المعلومات في الوقت المناسب ، أي في الوقت الذي يطلبه الأفراد يحرك الإشاعات من عقالها .
و من أجل خلق سيولة، اتجهت المؤسسات الحديثة إلى الاهتمام بمسألة تبادل المعلومات ، حيث خلقت و سائل للاتصال خاصة بها و أخذت هذه المسألة بعدا كبيرا، إلى أن أصبحت اليوم الحديث عن صحافة المؤسسة ممكنا ، إما في صورة جرائد أو قنوات تلفزيونية . إلا أن إدخال هذه التقنيات التي ترفع من درجة سيولة و تدفق المعلومات داخل المؤسسة لم يشبع كل انشغالات الأفراد. لقد أكدت دراسات حول الاتصال في المؤسسة ،أن أغلب الأفراد الذين توجه إليهم المعلومات يبحثون قبل كل شيء عن الاحتكاك ، أي الخروج من العزلة . 
كان كارل روجزر Karl Rogers يقول :"إذا أردت أن تفهم الآخر يجب أن تقبل المجازفة بتغيير رأيك "(15)
و الواقع ، أن مسألة السيطرة على المعلومات في المؤسسة ، تحدد و تقرر مدى قدرة الإدارة على فرض سيطرتها على ما يجري في حدود سلطتها النظرية .
فهل معنى ذلك، أن السلطة الحقيقية، هي تلك التي تملك معلومات عن التنظيم، أكثر من أي طرف آخر فيه ؟ 
لاشك، أن المسيرين هم أهم مصدر للمعلومات. إذ أنهم يعلمون أكثر من غيرهم حول ما يدور في المؤسسة. بل هم أيضا، أكثر من يعلم حول العلاقات التي يمكن أن تقوم بين المؤسسة و محيطها، أي المؤسسات الأخرى . 
وهكذا، فإن المشاكل التي تظهر في المؤسسات ، تكون لها أحيانا صلة بمدى سيولة المعلومات واستخدام وسائل الاتصال، وأحيانا أخرى، تكون لهذه المشاكل صلة بنوع العلاقات الاجتماعية القائمة بين مختلف الأطراف ولاسيما، الإدارة و النقابة . 
فهناك، إذن علاقة وظيفية بين الاتصال والعلاقات الاجتماعية داخل المؤسسة؛ حيث يؤدي الاتصال إلى محاصرة الإشاعات و إزالة سوء الفهم وبالتالي تخفيف أسباب التحفظ والحد من الحواجز السيكولوجية، كما يؤدي التفاعل الاجتماعي بين مختلف الأطراف إلى تصحيح المعلومات وإلى البناء المشترك للمعاني حول الكثير من القضايا التي تشكل محور اهتمام أفراد التنظيم. والخلاصة، أن فعالية الاتصال في المؤسسة يرتبط ليس فقط بتحسين و تحديث و سائل الاتصال و إنما يرتبط أيضا بمحتوى الاتصال ، أي ما إذا كانت المعلومات التي يراد نشهرها وسط أفراد التنظيم تقدم الإجابة على اهتمامات مختلف أطراف المشاركة؛ بحيث يسمح لها ذلك بالإحساس بالمشاركة والحق في إسماع الصوت .

المراجع:

1-Reix ( Robert ) , systèmes d’information et management des organisations , Wuibert , paris 1995 , P . 3 .
2-Boyer ( luc ) et autres , précis d’organisation et de gestion de la production , les éditions d’organisations , paris 1982 , p . 63 .
3-lbidem ; p . 63 .
4-o p cit ; p 4 . 
5-Weiss ( Dimitri ) , les relations du travail , dunod , paris , 1978 , p 284 . 
6-lbid ; p285 . 
7-إبراهيم عباس نتو ، المفاهيم الأساسية في علم الإدارة ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، 1980 ، ص 174 .
8-OP , cit ; p 286 . 
9-lbid , p 289 
10-lbid , p 290 . 
11-Albou ( Paul ) , problèmes humains de l’entreprise , Dunod , paris 1975 , p 67 . 
12-lbidem ; p 72 .
13-Reix ( R obert ) ; o p . cit , p 9 .
14-Chalvin ( Dominique ) ; L’entreprise négociatrice , paris 1978 , p 197 .
15-Weiss ( Dimitri ) ; o p cit , p 290 .