الاتصال: هل هو فعل إبداعي؟*

بقلم : أ.د / إدريس بولكعيبات 
أستاذ باحث جامعة– قسنطينة

للاتصال وجهان، فأحيانا يستخدم كوسيلة و أحيانا أخرى يتجلى كغاية إنسانية. فنحن ندرك وجودنا من خلال اعتراف الآخر . و في كلتا الصورتين نجد " الاتصالي " يتداخل مع " الاجتماعي " بل أنهما يشيران في نهاية المطاف إلى شيء واحد . ف" الاجتماعي " يشير إلى "الفاعل" بينما يشير "الاتصالي " إلى الفعل . و الصلة بين الفعل و الفاعل هي أن وجود أحدهما يتوقف على وجود الآخر .

1-   الغاية و الوسيلة :

بذل " شوتز" جهدا لاستنباط الدوافع الأساسية للاندماج في المجتمع عندما ميز" بين ثلاث حاجات أساسية : الإدماج والمراقبة و المودة . وهي تساعد على إعطاء فكرة عن مجمل التصرفات الاجتماعية .
فحاجة الإدماج، قديمة وتظهر باكرا عند الطفل في شكل رغبة في الاتصال والاحتكاك وجهد متواصل ليصبح محط الاهتمام و يحظى بالعناية مع الخوف من الإهمال أو النسيان. و قد تمتد هذه الحالة في ريعان الشباب في صورة حرص متواصل على الانتماء إلى فئة معينة أو شعور دائم بضرورة تمتعه بالاعتبار و التقدير. و هو ما يفترض الاحتفاظ بمستوى كاف من المصلحة المتبادلة بين الشخص و بيئته. و تتصل حاجات المراقبة بوظائف السلطة والأم سواء أكان الأمر يتعلق بسيطرة الشخص على غيره للاطمئنان على تصرفاته أو على النقيض من ذلك شعوره بضرورة تسييره و حمايته من قبل الآخرين. 

إن الحاجة إلى المودة التي تظهر في سن الخامسة تهدف إلى إقامة علاقات عاطفية مع الغير .وكانت تصرفات الطفل العاطفية تنطوي بادئ ذي بدء على طابع غامض وأناني و لكن سرعان ما تتبلور فيها الشخصية و يتجلى من خلالها الهدف.(1)
وقد تفسر هذه النظرة دوافع الأفراد للعيش في الجماعات كما أنها تسلط الضوء على ظهور المجتمعات .
ومفهوم '' الاجتماعي " هنا ، ليس فحسب الشكل الذي يمكن أ ن تتخذه الحياة الاجتماعية وإنما طرق وأساليب استمرا رها و التعبير عن وجودها كذلك. وبهذا المعنى الواسع ''للاجتماعي'' يبدو الاتصال حاضرا ضمنيا .فاستمرار الحياة الاجتماعية و التعبير عنها يتطلب وجود شبكة من الاتصال يتخذها الأفراد ، وكذا طائفة من الرموز يتم من خلا لها أو عبرها التعبير عن المشاعر و الوقائع التي يتم بشأنها اتخاذ مواقف فردية أو جماعية .
لكن كيف يمكن أن يجري الانتقال مما هو فردي إلى ما هو جماعي؟ يذهب منظرو التفاعلية الرمزية إلى أن إن الحياة الاجتماعية تتكون من محادثات ، داخلية و خارجية . و قد لخص" هر برت بلومر" فرضيات هذا النموذج في العناصر الآتية : (2) 
- يتصرف البشر حيال الأشياء على أساس ما تعنيه تلك الأشياء لهم.
- المعاني هي نتاج التفاعل الاجتماعي في المجتمع الإنساني .
- المعاني تحور و تعدل و يتم تداولها عبر عملية تأويل يستخدمها كل فرد في تعامله مع الإشارات التي يواجهها .
هذه الفرضيات الثلاث تتطابق تقريبا مع الأقسام الثلاثة لكتاب " جورج ميد" " العقل و الذات والمجتمع" ونقطة البدء عند" ميد" هي مناقشة للخصائص التي تفرق الإنسان عن الحيوان . وقد استقر رأيه شأنه شأن الكثير من المفكرين على أن الفرق بين الكائنين ، إنما هو في استخدام اللغة أو ''الرمز الدال '' ولو طرحنا القضية بصورة أخرى لقلنا إن الرمز الدال هو المعنى المشترك وهو يتطور في سياق عملية التفاعل التي تتخلص هي ذاتها في سعي البشر لتحقيق التضامن فيما بينهم .و يضيف" ميد" شيئا شبيها بالعلاقة الجمعية التي تنشأ بين شخصين ؛ حيث تتطور في سياق تفاعلها اليومي إلى لغة خاصة بها تقريبا . و عنده هذا هو ما يجري في الواقع بصورة عامة . فالتفاعل الاجتماعي يولد المعاني والمعاني تشكل عالمنا . وهو ما يعني أننا نلخص عالمنا بما نخلع عليه من معان(3). 
إن الرمز الدال يمنح البشر القدرة على التأمل في ردود أفعالهم و الاستعداد لها في خيالهم و الرموز تمكننا من أن ننأى قليلا عن الأشياء الموجودة في العالم وأن نجري عليها التجارب في فكرنا . وهو ما يحدث كلما نوينا القيام بشيء ما . و وجود اللغة هو الذي يمكننا من الابتعاد والتفكير ثم الاختيار . وهذه النقطة توصلنا إلى عملية التأويل التي أشير إليها في فرضية "بلومر " الثالثة . و قد تحدثت حتى الآن عن '' المحادثات الخارجية''أي عمليات التفاعل تلك التي تخلق بواسطة عالمنا المشترك . لكن عملية التأويل الداخلي هي أيضا محادثة بين جزأين مختلفين من الذات أو بين وجهي الذات ( مصطلح "ميد" ) فلنتذكر أن الرمز الدال يثير في نفسي ردة الفعل ذاتها التي يثيرها في الآخرين(4).
أما "ارفنج غوفمان" وهو من حيث موقفه النظري في منزلة بين منظور مدرسة شيكاغو ونظرية الدور بشكلها الأكثر تنظيما . وكثيرا ما يصنف منظور "غوفمان" بالمنظور ''المسرحي '' ، وهو مصطلح يستخدمه هو بنفسه . فالأدوات ( أي التوقعات التي تكون لدى الآخرين عن سلوكنا في ظروف معينة) هي بمنزلة نصوص نقوم بتمثيلها ، ولذا فهو مهتم ببيان الأساليب التي نسلكها لأداء أدوارنا (5).
وهكذا فان البناء المشترك للمعاني ، من خلال عملية التفاعل الاجتماعي بين الأفراد ، يدور حول مسألة أساسية وهي الرموز و الإشارات التي تنقل المعاني .
وفي هذا الشأن يرى "بيرس" أن ثمة ثلاثة أنواع من الإشارات : الأيقونة
و المؤشر ( الدالة، العلامة ) والرمز. وتمثل الأيقونة موضوعها مثل النموذج أو الخريطة.
وهي تكون إشارة حتى وان لم يكن موضوعها موجودا ، تماما كما يمثل خط قلم الرصاص خطا هندسيا . أما المؤشر ، فانه يفقد طبيعته بسرعة كإشارة إذا ما تغير موضوعه لكنه يبقى إشارة حتى وان لم يملك مفسرا ( دالا ). وقد يكون مثالا عن ذلك صفيحة معدنية تحمل أثر رصاصة كإشارة على أن إطلاق نار قد حدث ولو لم يكن إطلاق النار قد حدث لما وجد الأثر . ولكن هناك في الحقيقة أثرا سواء إذا ما فكر شخص ما أو لم يفكر يعزو هذا الأثر إلى إطلاق النار . أما الرمز فهو إشارة مرتبطة بموضوع و ذلك مثل الكلمات أو إشارات المرور . وهي سوف تفقد طبيعتها كإشارة إن لم يكن لديها مفسر . ومن وجهة النظر هذه ، فان التفكير والمعرفة عبارة عن شبكات من الإشارات القادرة على إنتاج نفسها إلى مالا نهاية (6).
وبالتأكيد أن هذا الإنتاج من الإشارات الذي يتزايد يحصل في نطاق ثقافات وله ما يبرره ، فهو يتزايد عبر الصيرورة التاريخية . ولكن الأهم هو أن الرموز والمعاني المرتبطة بها لا يتم تداولها بشكل كامل بين مختلف شرائح المجتمع . فلكل عالم من الرموز ومن المعاني حيث تتعايش هذه العوالم متوازية ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال رد استمرار وتمسك الشرائح الاجتماعية برموزها والمعاني التي تشكلها بشان العالم إلى العزلة أو إلى ضعف فرص الاحتكاك .
وإنما يجب رده إلى مسائل أخرى ليست من صميم الاتصال. كالتباين في مستوى معيشة وممارسة أنشطة أو أدوار اجتماعية مفروضة أي هناك سقف وهو أقصى عمليات التفاعل، بحيث لا يمكن تجاوزه. ويتأثر الأفراد بهذه الأوضاع التي تحدد " الطاقة الكامنة للاتصال" لدى مختلف الشرائح الاجتماعية. ولهذا لا يمكن الحديث عن قدرة مطلقة للأفراد في الاتصال ومنه يتعذر حصول الاتصال، بل انه لا يوجد اتصال على اعتبار أنه محتوى وان وجد فهو دائما اتصال حول مسألة بعينها . وعليه، يصعب الحديث عن نزوع الأفراد إلى الاتصال المطلق. 

2-   الاتصال هو بناء للعالم :

الرمز هو دال على الشيء عند غيابه وعندما يتعذر استحضاره, نكتفي باستحضار صورته. والواقع أن الإنسان يواجه هذا المشكل, أي استحضار الشيء وهو مضطر في أغلب المواقف الاتصالية إلى استخدام الصورة . وعليه فـإن بناء الصورة هو الذي يقرر إلى حد بعيد مستقبل الاتصال. ومن هنا تكتسي مسألة بناء الصورة القدر الأكبر من الأهمية في تحليل الفعل الاتصالي . كيف يبني الفرد الصورة ، وهل أن ذلك هو بناء لواقع جديد غير الواقع الفعلي المدرك؟ يجب أن نعود إلى الرمز . فقد عرفه "غي رشيه " Guy Rocher- على أنه" ذلك الشيء الذي يحل محل شيء آخر أو أيضا على أنه ذلك الشيء الذي يحل محل شيء آخر أو يذكر به"(7).
وبدوره عرفه "جورج غورفيتش" G .Gurvitch في مقال له حول الرموز ضمن كتابه الأساسي la vocation actuelle de la sociologie" "
بقوله : '' إن الرموز الاجتماعية عبارة عن إشارات واعية حول أشياء غائبة "(8) ونلاحظ من خلال هذين التعريفين للرمز ، وجود تقارب كبير ليس فقط حول المضامين بل حتى حول استخدام الكلمات نفسها . ولعل أهم ما يستوقفنا فيها هو أن الرموز تستحضر أشياء غائبة ، أي أن الإنسان يشكل صورا ، ذهنية عن الأشياء التي ترصدها حواسه و يعطيها رموزا اجتماعية بحيث توحي بالمعنى نفسه عندما تستخدم من طرف جماعة اجتماعية . فنحن نتعامل فيما بيننا عن طريق الصور وليس عن طريق الأشياء نفسها . وبما أن الأفراد يشكلون الصور من خلال تجاربهم الخاصة أثناء الاحتكاك بالواقع فان ذلك يعطي الانطباع ، بأن تشكيل هذه الصور يكون عبارة عن '' أفكار شخصية '' على حد تعبير " كولي Cooley" ، أي التسليم بمبدأ'' التأويل الذاتي للمعنى'' .
وهكذا ، فان مسألة الاتصال تبدو و كأنها تزداد صعوبة ، لأنها في كل خطوة من خطوات الاتصال بالآخر يزداد احتمال تشويه الواقع الفعلي .
عندما يبلغ أحد الأفراد طرفا ثانيا بواقعة معينة فانه ينقل له صورة عنها ليس إلا. و هذا ما تفعله في العادة وسائل الاتصال الجماهيري . وعندما يتلقاها الطرف الثاني فانه يتلقاها في شكل صورة ثانية . فكلما انتقلت الرسالة بين عدد كبير من المتلقين ، كلما تعرضت لأضرار أكثر وكلما ابتعدنا عن الواقع الفعلي واقتربنا من أشياء هي في الأساس من صنع المتلقين الذين يتحولون إلى مرسلين. إننا نجري الاتصال ليس للحديث أو لتناول معلومات حول أشياء حدثت بالفعل وإنما نحن نجري الاتصال حول أشياء نريد أو نرغب في حصولها .وسنرى ذلك من خلال الخطوات التي يعطيها الفرد و هو يجتهد في بناء صور حول الأشياء . انه يقوي أو يرجح عن وعي أو غير وعي جوانب من الواقع المدرك و يحاول أن يبني من خلالها صورة .وهو يفعل ذلك ، إنما يقوم بدور شبيه بدور المهندس الذي يهذب بعض الأشياء في الطبيعة لأنها تعيق الصورة المثالية في ذهنه فبناء الصورة هو أبعد ما يكون عن الأمانة .و بالرغم أن هذا ما يحصل بالفعل مع أفراد المجتمع ، عندما يريد أي منهم الدخول في اتصال مع الآخر، فإنهم يتبادلون الصور عن واقع ، جزء منه على الأقل هو مساهمة أو إضافة من الفرد، ومن هنا يبرز سؤالان هما : 
-  ما هي أسباب هذا التدخل الذي يجعل الصورة تعبر عن واقع المرسل ؟ 
وهل الاتصال عمل إبداعي ؟ 
يمكن أن نغير الأسباب التي تؤدي إلى الإخفاق الدائم في نقل ''الواقع '' الذي نفقد الإيمان بوجوده المنفصل عن إدراكنا و حواسنا . إلا أننا نميل إلى تقبل الواقع أو جانب منه الذي يثير فينا الارتياح و الاطمئنان ، لأن ذلك يشعرنا بأننا في حالة من الانسجام مع المحيط أو البيئة .
إن الأفراد عندما يرصدون الواقع ، لا يفعلون ذلك بحياد ، وإنما يفعلون ذلك للتأكيد على أن معتقداتهم صحيحة ، أو أن الأشياء التي لهم منها مواقف معينة لها ما يبررها في الواقع . إن الأفراد يريدون أن يكون ما يحدث في الواقع ، دليلا على الأحكام التي يحملونها . ولذلك تنقصهم الأمانة فهم يغضون البصر عن الأشياء التي يمكن أن تتناقض مع تلك المعتقدات .
فمن هذه الناحية ، يعد نقل الصور تعبيرا آخر عن الثقة بالنفس و قوة الذات ولهذا تبدل جهود للتصدي لهذه المشكلة الجدية بتدريب المهنيين ، على القوة في الملاحظة وبناء الواقع بكيفية نمطية. و تبدو إعادة بناء الواقع في جميع الحالات رهن الرغبة في تغيير ذلك الواقع.
فالأفراد العاديون يعيدون بناء الواقع كامتداد لدواتهم و تأكيد سيطرتهم على المحيط و تماسكهم من الداخل .
أما الأفراد المهنيون في الاتصال، فإنهم يعيدون بناء الواقع وفق أنماط محددة مسبقا لا تتقيد بتسلسل الوقائع و لا بكمالها إنما تزعم أنها تهتم بالشروط الكافية التي لا يمكن أن تحصل بدونها .وعلى اعتبار أن المتغيرات التي تؤثر في الفعل الإنساني هي بالضرورة غير محددة وقد يظل أغلبها مجهولا للمتلقي ، حيث ستتكشف له مع الاحتكاك واكتساب خبرات جديدة ، فبناء صورة عما يحدث يستند في بالأساس إلى خبرات سابقة ، أي على سبيل المماثلة بين صورة لحادثة وقعت بحادثة في طور الحدوث أو الوقوع . وكأننا في نهاية الأمر نحول الواقع إلى شيء ثانوي في بناء الصورة، إذ أننا دائما نستنجد عن طريق إجراء المقارنات في بناء صورة لحادثة جديدة بصورة قديمة لحادثة حصلت قبل ذلك . 
فالخبرة الشخصية إذا تلعب دورا كبيرا في بناء الصورة. ولهذا يحق لنا أن 
نتساءل ما إذا كان القيام بنقل صورة عن الواقع هو عمل إبداعي .
لان النقل هو دائما نقل انطباعي . والتجربة الشعورية تبدو مسألة حيوية في هذا الشأن.
ونلاحظ أن عملية البناء التي قام به الصانع الأول، أي الذي احتك بالحادث لا يتوقف عند سقف معين، هو بناء غير متناه يريد كل متلقي المساهمة فيه على نحو ما .
و لعل هذه الفكرة تبدو أكثر تجليا عند محاولة كتابة التاريخ ، حيث تعاد كتابة الحادثة التاريخية العديد من المرات ، ومع ذلك تظل الكتابة بشأنها مفتوحة وليس ذلك دليلا على أن محاولة البحث عن الحقيقة عملا غير ذي جدوى، إنما ذلك دليل على أننا نريد أن نجعل الأشياء التي تحيط بنا بما فيها تلك التي لها صلة بالذاكرة مفهومة ومعقولة ، أي جعلها قابلة للفهم وفق مناهجنا المتجددة التي نضيفها لفهم العالم مع مرور الزمن. ولعل قول " ميشيل فوكو " أن الحاضر هو الذي يساعدنا على فهم الماضي يعبر عن المرونة التي تتمتع بها عملية بناء الواقع .

3-   علاقة التجاذب:

أوضحت النظرة التي ألقيناها على نماذج الاتصال أنه سادت صيغة المصدر –الرسالة – المستقبل ( م- ر- م ) في أغلب مراحل وسائل الاتصال ، إلا أن تغيرات جذرية لفهم هذه العملية حصلت في الربع الأخير من القرن العشرين . و قد حدث هذا التحول و التطور من المفهوم الذي يرتكز على المرسل و الرسالة إلى فكرة يكون محورها المستقبل و المعنى ، أي من منظور ذي اتجاه واحد إلى إطار دائري أو حلزوني ومن نظرة جامدة ثابتة إلى طريقة عملية موجهة للتفكير ومن نظرة ترتكز على الخطابة في الجماهير إلى نظرة تكتنف كل السلوك .
وفيما نترك النموذج القديم ( م- ر- م ) وراءنا فإننا نترك معه فكرة الاتصال و الرسائل أو المعلومات من مصدر إلى مستقبل و ننظر إلى الاتصال بدلا من ذلك على أنه عملية يعمل بها الأفراد ( ف ) ، و كل النظم البشرية و الحيوانية على إيجاد واستعمال معطيات البيانات ( ن ) ، ليحققوا ما يسمى باللاتينية ( كوميونس Communis) أي علاقة مشتركة مع البيئة و سكانها (ب) ، و يمكن أن نسمي هذا النموذج ف ــــــــــ ن ـــــــــــ ب (9).
رغم هذا التطور في مفهوم الاتصال ، و ذلك بجعله تشاركيا و مكافئا بين المرسل والمستقبل ، إلا أن هذا المفهوم هو نداء أكثر مما هو ترجمة لما يجري بالفعل بين البشر. فحقيقة الاتصال تبين وجود علاقة غير متكافئة بين المرسل و المستقبل مهما سعيا إلى تقريب الهوة ، لأن الاتصال هو نشاط يكتنف كل السلوك . وبما أن السلوك هو تعبير و انعكاس للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية و كل ما يمكن أن يساهم في تحديد و تكوين شخصيتهم ، فإنه لا يوجد اتصال على المستوى الفردي أو الجماعي يتسم بالتكافؤ . وفي هذه النقطة سنحاول فهم و تفسير لماذا لا يكون الاتصال متكافئا بين الأفراد . لن نردد مع جون بول سارتر J. P. Sartre الذي يقول'' إن الآخر هو جهنم '' إلا أنه يوجد أكثر من سبب لتفسير هذه الظاهرة وهي :

أ‌-      حقل السلطة : 

من خلال الاتصال يمكن أن نكتشف علاقة القوة بين المرسل و المستقبل .فشكل تدفق المعلومات و انسيابها هو الذي يحدد نمط علاقة القوة بين الطرفين ، بل انه لا يمكن فهم نموذج السلطة خارج الاتصال . لكن هل يمكن أن نقول أن الاتصال هو عرض من أعراض علاقة القوة ؟ أم أنه السبب الذي يؤدي إلى تحديد نوع تلك العلاقة ، أي بتعبير آخر هل هو سبب أم نتيجة ؟ في الواقع أن طرح المشكل على هذا النحو هو ضرب من ضروب التوتولوجيا tautologie ، أي البرهنة عن القضية ونقيضها في وقت واحد . غير أن الشيء الذي يبدو مؤكدا، هو أن هناك أشكالا من النظم الاتصالية الإعلامية تحقق الانسجام الوظيفي و البنائي مع أنماط من نظم السيطرة . فالنظم السياسية الشمولية يناسبها نظم اتصال تقوم على ضخ المعلومات في ا تجاه واحد ، في شكل توجيه الأوامر بينما النظم الديموقراطية يناسبها نظم اتصال تقوم على تقبل وإمكانية الإرجاع.
فالاتصال إذا، هو الوجه الآخر للعلاقات الاجتماعية القائمة بين الأفراد، لكن السعي للهيمنة و السيطرة على الإعلام و وسائل الاتصال يجب فهمها من خلال الآليات التي تعمل وفقها مختلف النظم. و في الإجمال يجب أن نميز بين النظم التوليتارية الشمولية، والنظم الدستورية التعددية. وهي التسمية المفضلة "ريمون آرون" الذي تساءل ما إذا كانت النظم الدستورية التعددية، ذات طبيعة أوليغارشية، حيث يقول '' أن الميكيافليين، لما فسروا الأنظمة الديمقراطية، على أنها هي في حقيقة الأمر أو"ليغارشيهات " من نمط معين. فالأقلية التي تحكم تقع تحت هيمنة الأغنياء وأصحاب الأموال ،المقاولين والصناعيين و هكذا ستكون الديموقراطية مظهرية ؛ لأن الأقليات التي تختفي في الظل تأخذ أهم القرارات.
والسؤال الآخر الواجب الطرح هو إلى أي درجة تعتبر الأقليات الحاكمة للأنظمة الدستورية التعددية مفتوحة أو مغلقة ؟ كل شيء محكوم بأنماط و مراحل تطور هذه الأنظمة كما هو الحال في بريطانيا و فرنسا ، حيث من الصعب اختراق الأقليات الحاكمة . هذه الأقليات هي اليوم أكثر انفتاحا مما كانت عليه في القرن الماضي ، لأسباب لها علاقة ببنية المجتمعات الصناعية. فكلما " تدمقرط" النظام أكثر ، كلما اتسع نظام التعليم ، كلما ازدادت فرص الترقية الاجتماعية .
إن الأنظمة الدستورية التعددية مرتبطة بالحضارة الصناعية ، حيث لا تعطي بكل تأكيد لكل المواطنين نفس الفرص للوصول إلى المواقع العليا ،كما أن هدف المساواة في الفرص لم يتحقق في أي مكان ، لكن الأقلية القائدة سياسيا لم تعد مغلقة ، حيث يوجد عدد من منافذ الولوج و الاختراق .
يقول المكيافيليون : إن الذين ينجحون في الأنظمة البرلمانية ، هم أولئك الذين لهم قدرة على الخطابة . ولذلك فان المحامين و رجال القانون ، الأساتذة ، لهم حظوظ في أن يكون لهم مستقبل مهني .
ما هي طبيعة السلطة التي يملكها القادة للتجمعات الصناعية ؟ 
في أي إطار تعد هذه الأقليات القائدة اقتصاديا ، تملي السياسة العامة للنظام ؟ 
هل الإصلاحات الاجتماعية ، مشلولة بسبب نشاط الأقليات المحظوظة اقتصاديا. إن هذه الأقليات لم تتمكن من منع حصول تطور اجتماعي الذي كانت دائما معادية له كما أنها لم تمنع حصول تطور في ا لتشريع الاجتماعي.(10)
وهذا النسق من السلطة الذي يقوم على نفوذ الأقلية ، ولكنها شرعية تقوم على إقناع الأغلبية عبر الاقتراع ، بما يتطلب الحاجة إلى تشكيل رأي عام في مجتمع تسوده الروح الفردية ، أي الحاجة إلى السيطرة على وسائل الاتصال ، بشكل غير مكشوف ، وإنما عن طريق التمويل وخلق مؤسسات خاصة منمطة للإعلام لتوهم المتلقين بأن الحقيقة واحدة .
النوع الآخر من النظم السياسية هي النظم التوليتارية، وهي أنواع لكنها تدين جميعا بما يسمى أفكار 1789، الديموقراطية والليبرالية. إنها جميعا تقوم على مبدأ السلطة و لو أن هناك اختلاف فيما بينها من حيث العقائد.
فعلى النقيض من النظام الدستوري التعددي، نميز ثلاثة أنظمة: 
 الأول يكون مناقضا للتعددية الحزبية بشكل عام.
 الثاني معاد للتعددية الحزبية، لكن مع حزب واحد ثوري مندمج مع الدولة.- 
 النظام الثالث معاد للتعددية الحزبية ، لكن مع حزب ثوري .وهدف هذا الحزب نظريا هو توحيد المجتمع في طبقة واحدة .
 النموذج الأول هو نموذج يتبنى أيديولوجية تقليدية و هو يسعى ليكون ليبراليا ، دون أن يكون ديمقراطيا ، لكنه لا يستطيع أن يكون ليبراليا .
 النموذج الثاني ، الذي يطلق عليه النظام الفاشي يدين هو بدوره لأفكار الديمقراطية و السياسة البرلمانية لكنه به حزب للدولة .
 النموذج الثالث ، هو النظام الشيوعي ، يلغي هو بدوره التعددية الحزبية . ويبرر ذلك بان التعددية ما هي إلا أوليغارشية مقنعة .
ويمكن تجميع هذه الأنماط بطرق متعددة ، فمن جهة هناك : 
الأنظمة المحافظة 
الأنظمة الثورية 
ومن جهة أخرى هناك الإبقاء على النظام القديم بوجود دولة محدودة لكنها مطلقة،ومن جهة أخرى أحزاب ثورية ، الدولة المناضلة ، بمعنى المتداخلة مع حزب (11) .
والاختلاف في إدارة السلطة بين الأنظمة الدستورية التعددية و الأنظمة الشمولية له انعكاس في الإعلام .

ب‌-  حقل الثروة: 

يعود الفضل إلى مدرسة فرانكفورت، أي المدرسة النقدية في تأكيد وجود صلة بين شكل الاقتصاد والثقافة السائدة في المجتمع وبالتالي نمط الاتصال .والواقع أن الفضل يعود أيضا إلى هذه المدرسة في لفت الانتباه إلى حالة الهيمنة في السياسة و الاقتصاد عبر الإعلام و الاتصال .
"في نهاية سنوات الستينيات، التيار الفكري المعروف منذ ذلك تحت اسم مدرسة فرانكفورت، طور نقدا جذريا للجوانب السياسية ، الاجتماعية و الثقافية المجتمع البرجوازي. هذه الإدانة للأشكال الجديدة للسلطة و بقايا الماضي القاسية، كان لها تأثير سياسي حاسم على الإيديولوجيات الثورية في ألمانيا الفدرالية المعاصرة'' (12).
ويعد " يورغن هابر ماس " J.Habermas من أبرز أقطاب هذه المدرسة ، حيث طور عام 1981 سوسيولوجية خاصة بالفعل الاتصالي ( الأداء، التصرف، السلوك، النشاط الاتصالي). لم يعد يجري تحليل الفعل ورد الفعل كنتاج لمؤثرات ، بل بارتباطها بأنظمة التفاعل الرمزي و بسياق الحديث والخطاب و الكلام . إذ لا تستطيع الآراء و الاتجاهات المصاحبة للفعل وحدها أن تفسر الواقع و الحقيقة. فقد رفض " هابر ماس" موقف " ادورنو" المتشائم الذي رأى أن " تحول السبب العقلي" إلى سبب ذرائعي و أدواتي Instrumental هو انحراف جذري.
ويرى "هابر ماس" أنه يتعين على السوسيولوجيا النقدية أن تدرس شبكات التفاعل في المجتمع المكون من علاقات اتصالية ( اتحاد في الاتصال يضم أشخاصا متعارضين وموضوعات متعارضة) وبدلا من '' الفعل الاستراتيجي '' الذي يرى أن العقل و الفعل مقيدان بشدة إلى النفعية والأهداف الذرائعية التي تشكل بموجبها وسائل الاتصال الجماهيري نظاما بامتياز )، اقترح هابر ماس نماذج أخرى من الفعل أو أشكالا أخرى من العلاقة مع العالم تحكمها معايير لها شرعيتها الخاصة، كالفعل الموضوعي والفعل المعرفي الذي يفرض على نفسه التزام الحقيقة ، أي الفعل ما بين الذوات الهادف إلى تحقيق الصحة الأخلاقية للفعل ، و الفعل التعبيري الذي يأخذ صدق الفاعلين كمسألة بديهية و أوضح أن الأزمة الديمقراطية ناجمة عن حقيقة الصور (الأشكال)(13).
و الخلاصة / أن الحياة الاجتماعية تبدو دائما أكبر من أن تختصر في التعبير عن خصومة أبدية يعلو فيها الصراع و التناقض فوق كل شيء. إن الحياة غنية وتقدم صورة أخرى ، إذ أنها تتجلى أحيانا في شكل " أركسترا " متناغمة، حيث تمنح فيها الفرصة للأعضاء ليشاركوا بالقدر الذي يسهمون في بناء شيء ذي مغزى ويبرز قدراتهم دون أن يجدوا أنفسهم في موقع المهيمن على الآخرين . 
وسواء حاولنا أن نفهم الفعل الاتصالي على أنه التعبير عن علاقة القوة بين طرفين ليست مصلحتهما واحدة وفق تحليل " هابر ماس " أو حاولنا أن نفهم الفعل الاتصالي على أنه تعبير عن الذات لتخرج من عزلتها و تمد الجسور مع الآخر لتشعر بالأمان وفق مدرسة "بالو ألتو"، فان الفعل الاتصالي يبدو دائما و كأنه فعل حيوي متجدد حتى في الحالات الأكثر نمطية منه . وعليه، فهو نوع من الفعل الإبداعي في أبسط معانيه .

الهوامش

1- جان ميز ونوف ، علم النفس الاجتماعي ، ترجمة هالة شبؤون ، منشورات عويدات ،بيروت ، ص 17-19
2ــ أيان كريب ، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابر ماس ، ترجمة/ محمد حسين غلوم ، عالم المعرفة ، رقم 244 سنة1999 ،ص132
3ــ المرجع نفسه ، ص 133
4ــ المرجع نفسه، ص 134
5ــ المرجع نفسه ، ص 135 
6 ــ ارماند ماتيلار و مشليه ماتيلار ، نظريات الاتصال ، ترجمة/ أديب خضور ، الناشر أديب خضور ، دمشق2003،ص36
7- Rocher ( Guy) ,L’action sociale , éditions HMH ,1968 , P88 
8- Gurvitch (George) , la vocation actuelle de la sociologie , P.U .F, Paris , 1968, T1,P 9
9ــ برنرت ،د، روبن . الاتصال و السلوك الإنساني ، ترجمة مجموعة من الأساتذة معهد الإدارة العامة 1991 ، الرياض ، ص 76-97
10- Aron ( Raymond ) , démocratie et totalitarisme , Gallimard,1972 , P7 . 
11- Ibidem ; P8. 
12- Ibid ; P9 . 
13- Gerhard ( Harn ) , école de Frankfort , ( article in Ency- clopaedia universalis) 1998.

*نُشر المقال عام 2010، وتم اعادة نشره على المدونة بعد إذن صاحبه.