لوثة لسانية واعاقة لغوية في فضائيات ....Aouiiiiii الجزائرية

د. لزهر وناسي
جامعة باتنة1 

يقف المشاهد والمتابع؛ للبرامج والحصص والوصلات الإشهارية التي تبثها القنوات و الفضائيات الجزائرية في هذا الشهر الكريم، مشدوها ملتاعا من هول الكارثة اللسانية و المجازر اللغوية التي تنضح بها هذه القنوات، و تشنف بها أسماع الجزائريين و الجزائريات، بكل غريب و عجيب ومضحك ومبك من الكلمات التي ليست كالكلمات، وعلى الرغم من هولها وفضاعتها؛ إلا أنها لم ولن تحرك ساكنا و تثبت متحركا في ضمائر أهل الحل والعقد والربط في هذا البلد، اللذين ألهاهم التكاثر في الأموال و الصراع على الكراسي .

فما تبثه هذه الفضائيات ؛ يبين بجلاء أن السياسات العامة للتعليم و التربية الوطنية ، لم تفلح في معالجة إشكالية الإعاقة اللسانية للجزائريين التي ترمى على شماعة الاستعمار البغيض . فبعد مرور أكثر من خمسة عقود على الاستقلال، والبدء في سياسة التعريب الشامل التي رامت إعادة بناء لسان الجزائريين و ترميمه و تخليصه من الرطانات التي علقت به من جراء السياسات الاستعمارية، على حد زعم أهل العلية من القوم ، الذي عربو الشعب، واحتفظوا هم بلسان المستعمر كغنيمة حرب وقفا عليهم و على ذرياتهم فقط - لأنهم طبعا ليسو من الشعب - تضمن لهم الاستئثار بخيرات السلطة والإدارة والحكم ، فكانت النتيجة إحداث شرخ لغوي بشكل عمودي ، بين بنيتين منفصلتين ؛ بنية فوقية مفرنسة حاكمة ، و بنية تحتية معربة محكومة، أفضتا في نهاية المطاف إلى اجتراح لسان جزائري بدعة في الألسن البائدة و الغاربة والقادمة ؛ هجين خليط كيماوي من همهمات غير مفهومة تشبه تعويذات السحرة ، وخلطة بتوابل من إنصاف كلمات متقطعة أعجمية وعربية ، بالكاد تؤدي معنى مستقيما أو تكون جملة مفيدة، أصبح أكثر رطانة لغوية ولوثة لسانية مما كان عليه الأمر على عهد الاستعمار، الأمر الذي انعكس بدوره على المخرجات اللسانية في الفكر و الثقافة والسينما والسياسة والعلاقات الإنسانية والروابط الأسرية ومجمل الحياة الاجتماعية، التي أصيبت كلها بتبعات تلكك الإعاقة اللسانية، التي أنتجت بدورها إعاقات شاملة في الأفكار والسلوكيات تكشف جانبا مؤلما من حجم المأساة اللغوية عندنا، و التي تحولت إلى ملهاة عامة تبعث على تندر و ضحك الأقربين والأبعدين على السواء .
ولا جدال؛ في ان هذه المأساة أنتجت أجيالا معاقة اللسان والفكر غبية التفكير ضحلة الإبداع، بسبب مباشر من تأثير الفقر اللغوي على ذلك ، وبوصف اللغة السليمة قناة نقل أساسية قيمنة بترجمة جيدة للأفكار التي تنقدح بها العقول و تتفتق عنها الأذهان في واقع الناس و المجتمعات ، فكلما اعتورت اللسان اضطرابات ورطانات ، أفضى ذلك إلى نقل مشوه للمعاني، وإلى ترجمة غير صحيحة للأفكار مهما كانت عميقة و حصيفة و مبدعة ، ويصبح الفكر بالنتيجة يعاني الاغتراب الدلالي الناتج عن عقدة اللسان . 
لذلك كانت حكمة الله بليغة في ابتعاث الأنبياء بالسنة أقوامهم للدلالة على متانة العلاقة بين مرتكزات الدعوات وقيامها ، و ضرورة نقلها السليم بلغات أقوامها.

ولأمر ما ؛ كانت في دعوة الكليم موسى -عليه السلام - لربه - عز و جل - بحل عقدة لسانه ، وإقراره بفصاحة لسان أخيه هارون ابلغ دليل على تلازم الفكر باللغة وشدة الارتباط بين قوة الفكر و سلامة اللسان و استقامته ...{ واحلل عقدة من لساني يفقه بها قولي ...} ،{...وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون.. . }.