علوم الإعلام والاتصال والدراسات الإسلامية: في إطار استراتيجية حضارية لتحقيق التكامل المعرفي*

 د/ليلى فيلالي
جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية

مقدمة
تعتبر علوم الاعلام والاتصال من العلوم الاجتماعية الحديثة التي ليس لها إرثا فكريا إسلاميا على خلاف العلوم الأخرى كالطب والهندسة وعلم الكلام والفلسفة والمنطق وعلم الاجتماع التي اقام قواعدها العلمية مفكرون مسلمون وساهموا في تطوير مناهجها وادواتها، الامر الذي ادى الى نشوء انفصام تام بين الفكر الاسلامي وعلوم الاعلام والاتصال التي لم تحظ بذات الدرجة والمكانة التي حظيت بها العلوم الاخرى ، ونتيجة لحداثة هذه المجال العلمي لم يتمكن الفكر الاسلامي من استيعاب  مفاهيمه ونظرياته في اطار الواقع العربي الاسلامي.
وتدعو الضرورة لتمكين علوم الاعلام والاتصال على مواجهة الظواهر أو الإشكاليات على نحو متكامل في مجتمعاتنا، بجعل المعرفة تتسق مع قوانين الواقع الاجتماعي والبيئي و أن تبلور العلوم ويعاد صياغتها على النحو الذي يكسبها الملامح الوطنية والقومية والحضارية .
من هنا تأتي أهمية التجاسُر المعرفي والتكامل بين حقل علوم الإعلام والاتصال  وبعض التخصصات المعرفية الأخرى، فالانفتاح أمرٌ لازِمٌ تفرِضه طبيعة هذه العلوم  باعتبارها مفترق طرق بين علوم كثيرة ولما تحظى به من أهمية بالغة في الأوساط العِلمية الراهنة، وباعتباره مجالٌ تساهم فيه كل الفعّاليات العلمية والثقافية والفكرية والتعليمية، بل وحتّى السياسية والمُجتَمعية في كلّ فترةٍ زمنية تأسيسا وتطوُّرا للعلوم الاجتماعية والانسانية.
لقد أصبحت مسألة التكاملية المعرفية والتجاسُر بين تخصُّصات العلوم الإنسانية تحظى براهنية كبيرة وعناية مُقدَّرَةٍ من طرف الأكاديميين والفاعلين التربويين والمتخصصين والمُدرِّسين على حدّ سواء، لما لذلك من كبير فائدةٍ تعود بالنّفع على مُتلقِّي المعرفيات بالفضاء التّعلُّمي (المدرسة أو الجامعة) وعلى التّخصّصات المُكوِّنة للعلوم الاجتماعية.
فتنطلق الإشكالية من هذا المنحى بحيث ترتكز على إبراز هذه الضرورة التكاملية للعلوم في إطار عملية تشخيصية لواقع معرفي يتميزبالنزعة المنفلتة عن السياق (Scientism)بمجتمعاتنا العربية الإسلامية لأن المعرفة بكل فروعها تمتلك أنساقاً تختلف وتتوزع باختلاف وتنوع الثقافات، ويبدو أن التجزيئيّين في هذه المجتمعات يغفلون التأسيسات الفلسفية للمعرفة، ويقصرون عن إدراك العلوم ضمن سياقاتها الاجتماعية.
ولاستجلاء الاستراتيجية الحضارية لتكامل علوم الإعلام والاتصال والعلوم الإسلامية قدمنا نموذجا عن النظريات الإعلامية التي تدرس الظاهرة الإعلامية والاتصالية من المنظور الثقافي القيمي للمجتمع، والتي تعطي الأولوية الفائقة للبعد الحضاري وتضمن الإشراف و التوجيه الثقافي القيمي للتقنية والتكنولوجيا. نظرية استوعبت مناهج وأساليبالعلوم الاجتماعية والإنسانية، وأقامت جسورا بين النظريات والمناهج الغربية و فكر وتصور المفكرين المسلمين،فغيرت التوجه نحو بناء فكر اتصالي وإعلامي حضاري يأخذ بنظرية التكامل المعرفي.
أولا: ﺇشكالالانفلات المعرفي عن السياقات
نجد  أنّ المعرفة بكل فروعها تمتلك أنساقاً تختلف وتتوزع باختلاف وتنوع الثقافات، يظل التجزيئيّون في العالم النامي يغفلون التأسيسات الفلسفية للمعرفة، ويقصرون عن إدراك العلوم ضمن سياقاتها الاجتماعية، فضلاً عن التساؤل عن معطياتها النهائية، ذلك أنّ التبعية الإدراكية التي هيّأت لها الثقافة الغربية المهيمنة، جعلت من العلم الغربي العلمَ الشرعي الوحيد، فجهل لذلك الكثيرون دور "المخصّبات الثقافية"، التي يمكن أن تفرزها الخصوبة الحضارية في الحقـل المعرفي، بل بما يمكن أن تقدّمه من رؤيـة «منحـازة» لجـانب من الواقع «الفيزيقي» أو الاجتماعي الإنساني – كما يشير إلى ذلك عبدالسميع سيد أحمد- لهذا نشأت في الوطن العربي نزعة واضحة في هذا المجال هي "العلموية"(Scientism)التي أصبحت تشكل جزءاً من العقلية العربية – وبخاصة النخبة المتعلمة والمتخصصة، ومؤدّى "العلموية" أنّ الوسيلة إلى التقدم الحضاري هي تداول "أرقى" و"أحدث" النظريات العلمية دون معرفة أسسها الفلسفية، أو دون التعرض للتغيرات التي يفرضها هذا التجديد العلمي على الأفكار العلمية والاجتماعية والسياسية، فيؤخذ العلم دون تاريخيته، وتتحول المادة العلمية كأنها جهاز مستورد أو قطعة تكنولوجية جديدة.([1]) 
إن الاقتصار على التخصص دون وعي بحقيقة الاتصال والتداخل والتبادل والتكامل بين المعارف والعلوم المختلفة، هو من عوامل تكوين الذهنيّة المحدودة، فقد يدهشنا أن ينقل أستاذ جامعي ومتخصص خبراً صحفياً واضحاً في مدلوله الدعائي، كما لو كان يبلغ عن حقيقة علمية، ونأسـف ونحن نقرأ أو نسمع بعض التفسيرات السياسية، التي كان يتورط بها ولا يزال عالم ديني منغلق على معرفته التخصصية، فبدا في تفسيراته في غاية السطحية.
وهكذا فالمتخصصون إذا ما تحصنوا في جزرهم المعرفية، كان ذلك بمثابة إقفال لنوافذ الرؤية العامة، من شأنه أن يكشف عن ثغرات ذلك الحصن في أول ظهور خارجي. حين يقودنا هذا التتبع نحو التكنوقراط(Technocratic)، تلك الطائفة العلمية التي تتساءل – كما يقول غارودي- عن الشيء: كيف يكون؟ ولا تتساءل: لم هو؟ وتجتهد في قضية الوسائل، وتذهل عن رؤية الغايات، سنقف ولا شك أمام نموذج مقنن للظاهرة التخصصية، حيث العقل الأداتي الذي يسكنه فكر منفصم لا يؤدّي بصاحبه إلا إلى عجز عن إدراك غائية العلم وأخلاقياته، فضلاً عن ارتباطاته السياقية، حتى لا يبدو أفراد هذا النموذج وسط المشهد العام وكأنهم مجموعة من العلمـاء الأميين - كما يصفهم د. مهدي المنجرة – يعجزون عن المشاركة ديموقراطياً في نسق القرارات الحاكمة، فضلاً عمّا يحدثه مكّونهم العقلي من قطيعة بين وجهات النظر العلمية: الطبيعية والإنسانية. ([2]) 
ولا نجادل في أنّ منطق التطور في إطار تعقيدات البنى الحضارية ومؤسساتها في الغرب قد أفرز هذه الفئـة وكرس أهميتهـا، غـير أنّ ذلك لا يهوّن من بؤس الدور الذي تضطلع به بوصفها أدوات معرفيـة معزولـة لا تمتلك ما يمتلكه الاستراتيجي وصاحب القرار، بل إنّ الآلية الحرفية التي يتحصّن بها هؤلاء سنراها أكثر انقطاعاً وأشد بؤساً في سياق النظـم التسلطية التي لا يحق للتكنوقراطي في ظلها تجاوز دائرة الاختصاص الذي اختاره أو أُعدّ له، اكتفاء بالانغماس في بحوث أو أنشطة دقيقة مقفلة تنتج تقنيات أو مشاريع قد لا يكون فيها للضمير مكان، كما في عمليات تحضير الأسلحة الجرثومية، أو في تجريب أحدث وسائل التعذيب وغسل الأدمغة، أو في الأساليب «الميكافيللية» التي يبتكرها تكنوقراط الاقتصاد؛ للالتفاف على أقوات الناس ومعايشها، أو نحو ذلك من أنشطة يؤديها التكنوقراطي بوعي أو بدونه، حتى إذا حدث واستيقظ – بفعل المراجعة أو تأنيب الضمـير – يهبّ منقلباً على ما صنعته يداه، كما حدث لـ«أوبنهايمر» وثلة من العلماء الذين أسهموا في تصنيع القنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما وناجازاكي. ([3]) 
ثانيا : ظاهرة تجزئة المعرفة وعوامل نشأتها:
انتقد هوركايمر العلوم الاجتماعية "البورجوازية" التي تتسم بتفتيت وتجزئة  العلوم ، من خلال فصلها عن بعضها البعض، كما انتقدت فراكفورت المداخل النظرية المنفصلة وحاولت خلق نظرية اجتماعية جديدة ،توضح العلاقات بين الأفكار والأطر النظرية من جهة، والبيئة الاجتماعية المحيطة من جهة أخرى ، أي أنها تضع الظواهر في سياقها الاجتماعي والتاريخي فيما يخص تطورها في المجتمع. ([4])
لقد عُرف المنـزع التجزيئي في تحديد المعرفة وإنتاجها قديماً وفي العصر الحديث، ولمعرفة طبيعة نشأة هذا المنـزع، لابد أن نشير إلى العوامل الآتية: ([5])
أ- الثنائيات الوجودية وتجزئة المعرفة:
يميز الفيلسوف الإنكليزي برتراند راسل( Bertrand Arthur William Russell)-مثلاً- بين الدين والفلسفة والعلم، ويعتبر أن كل واحد منها يمثل منهجاً في النظر، وحقلاً معرفياً يختلف عن الآخر. فالدين فيه غيبيات لا يكتمل الإيمان به من دون إيمان مسبق بها. في المقابل، يغيب هذا البعد الغيبي عن المنهج العلمي. وذلك لأن أهم ما يميز هذا المنهج أنه لا يتعاطى إلا مع ما هو قابل للملاحظة المباشرة، أو غير المباشرة. كل ما يقع خارج إطار الملاحظة لا يعتبر موضوعاً للعلم. بعبارة أخرى، الطبيعة، ومحاولة الاقتراب منها، ومعرفة قوانينها وأسرارها هي موضوع العلم. ما وراء الطبيعة، باعتباره ينتمي للغيبيات وغير قابل للملاحظة حتى الآن، لا شأن للعلم به، ولا يقع ضمن مواضيعه. تشترك الفلسفة، كما يقول راسل، مع العلم في منهجها العقلاني، واستقلالها المعرفي عن السلطات التقليدية الموروثة، مثل سلطة المؤسسة الدينية. وتشترك مع الدين في أنها تعتبر ما وراء الطبيعة موضوعاً يقع ضمن اهتماماتها. لكنها تختلف عن الدين في أن تعاملها مع هذا الموضوع ينطلق من منطق السؤال، وليس الإيمان المسبق. أي أنها أقرب بمنهجها العقلاني والنقدي إلى العلم منها إلى الدين. ([6])
تمثل النظرة الثنائية للإنسان ثنائية الخـالق والمخلوق، والدين والدنيـا، والحقيقة: أنّ الإنساني لا يمكن عزله عن الطبيعي، كما أنّ العيني لا يمكن فصله عن الغيبي، والتأليف بين هذه الثنائيات هو جوهر الأطروحة الإيمانية في الإسلام. لذا فإنّ وحدة المعرفة التي تعتمد الترابط بين الإنسان والطبيعة والكون والخالق، تقتضي النظر إلى الظواهر بشكل متداخل، لهذا فإنّ تزايد الجهود المنصبة على إنشاء المنظور التكاملي الذي يجمع المساهمات المعرفية للعوالم المختلفة، من شأنه أن يقلل من تحيّز كلّ تخصص وادعاءاته المعرفة المبالغ فيها، لذا فالأخذ بالتكاملية«Interdisciplinarrity» بدلاً من الأحادية«Reductionists» يعني: تبنّي مبدأ تعدد المؤثرات في السلوك الإنساني، وانطلاقاً من هذا المنظور يمكن التحدّث عن إعادة تنظيم المناهج التعليمية وتجديدها. ([7])
ب- النظرة الطبقية للاجتماع البشري وتجزئة المعرفة:
منذ أيام اليونان والرومان كانت المعرفة تجزّأ بناء على منظور طبقي، يتعاطى مع الأصناف المعرفية تبعاً للتقسيمات الاجتماعية، فما كان يطلق عليه بـ«الفنون السبعة الحرة» يقدّم لطبقة بعينها هي الطبقة الراقية في مقابل «المهن الحرة اليدوية» التي لا تليق بطبقة الأحرار، وكانت تقدم لمن هم أدنى، لهذا كان انتقاء المعرفة وتوزيعها يعكس توزيع القوة ومبادئ الضبط الاجتماعي على نحو تمييزي، لهذا يصح القول: "إنّ التوزيع الاجتماعي للمعرفة كان يظهر كلّما كان التصنيف الاجتماعي بارزاً وقوياً، فيما كانت توزع المعرفة بشكل متكامل كلما كان التصنيف الاجتماعي منخفضا".([8]) 
يذكر يورغين ميتلشتغاس( Jürgen Mittelstraβ )(*)أن "العلوم الإنسانية (science de l’homme) " تضم تخصصات المنطق، وعلم الأخلاق،وعلم النفس الفلسفي، وفي مقابل التصنيفات الكلاسيكية، تم الاعتراف في الوقت ذاته بالانشطار المتزايد للعلوم البحتة في إبدال العلوم الطبيعية. وتؤكّد الأقواس التصنيفية الموجودة بين الميتافيزيقيا وعلم الدين و"العلوم الإنسانية" و"العلوم الطبيعية" على وجود النظام القديم دون أن تتمكّن فعليّا من البرهنة عليه نسقياً. حيث أحيل نظام المعرفة في القرن18 على عناصر منفصلة و مجزّأة أكثر فأكثر، ويوافق ذلك أيضا المجهودات الحديثة من أجل تحصيل نظام للعلم، وهي مجهودات يُنظر إليها على أنها تتمة للمجهودات القديمة. ومن أمثلة ذلك: التصنيف الرباعيالذي يميز بين العلوم التجريبية الشكلية، العلوم الطبيعية، العلوم الأنثروبولوجي والعلوم الثقافية، والتصنيف الثلاثيالذي يميز بين العلوم التأويلية التاريخية، وعلوم السلوك النسقية. ويميز التصنيف الأول، ذو التوجه التناقضي، بين المواضيع والحقول العلمية، والتصنيف الثاني هو تصنيف ذو توجه معرفي، ويميز العلوم حسب الاهتمامات المعرفية وما انبثق عنها من وجهات نظر تحليلية، وانطلاقًا من هذه المنظورات التصنيفية المختارة يتغير أيضاً "نظام" العلوم. ([9])
والحقيقة أنّ قيام الحواجز بين أنواع المعرفة تبعاً للتصنيف الطبقي يعمل على تفتيت نظرة الإنسان نحو عالمه، والفلاسفة والتربويون الذين يعتمدون المناهج الدراسية على أساس المفهوم المطلق لمجموعة من أشكال المعرفة تتوافق والمجالات التقليدية للنظم المعرفية«Disiciplines» بما بينها من حواجز، يقعون في خطأ كبير، وهم لا يدركون أن نظم المعرفة إنّما هي بنى اجتماعية تاريخية، وأنّ الحدود بينها تعسفية ومختلفة، ولا ينبغي أن تكون لها الأولوية في المناهج الدراسية، وإنما تكون الأولوية للصلات التي يستطيع المتعلّم إيجادها بالعالم الطبيعي والاجتماعي دون قوالب تجريدية. ([10])
ج- النـزعة النفعية المباشرة وتجزئة المعارف والعلوم وتشعبها:
بات من المبرر الأخذ بالتخصصات وتوظيفها للأغراض العلمية، إلا أنّ الاحتباس في تلك الدوائر إلى درجة الحصر المعرفي واعتماد ذلك كإيديولوجية، هو أمر خاطئ، ولا يمكن عن طريقه الوصول إلى المعرفة الحقة، إلا أنّ هيمنة النـزعة النفعية المباشرة أخذت تدفع بالبحث العلمي وبنظام إعداد المناهج التعليمية نحو الدوائر التخصصية الضيقة التي كثيراً ما تدير ظهرها لمعلومات مهمة تحتويها العلوم الأخرى. 
لقـد سبق لأمريكا في معرض محاولتها إصلاح التعليم أن كرست تجزئة المعرفـة عبر تأكيدها على لون معين من المعارف، وذلك كرد فعل على تفوق الاتحاد السوفيتي في حقل الفضـاء، يوم أن تمـكن هذا الاتحاد في العام 1957م من إطلاق أول قمر صنـاعي، وقد تجلى هـذا الموقف بعد عقد مؤتمر ضـم أبرز العلماء والباحثـين، وتمخّض عنـه ظهور كتاب «برونر» المعنون«The Process Of Education» والذي نودي من خلاله باعتماد النظم المعرفية المستقلة، وبوضع الحواجز بين المواد التعليمية، لدرجة صارت معايير التفوق لا تشتق إلا من التخصص والتعمق في النقـاط المدرسـية الدقيقـة، الأمر الذي أدى إلى حصر التعليم في دوائر مغلقة، غير أنّه لم يمض غير عقد من الزمان حتى انقلب «برونر» على نفسه، وصار يعيد النظر في عمليات بناء المنهج، ويقول بضرورة اتباع الطريقة التي لابد أن يراعى فيهـا التوازن والدمج والتكامل بين النظم المعرفية المختلفة. ([11])
يرى الألماني يورغينميتلشتغاس (Jürgen Mittelstraβ)أن العلوم الإنسانية تقع اليوم على هامش النظام العلمي في وعي العامّة التي تعتبِر العلوم الطبيعية علومًا نموذجية كلّما تعلّق الأمر بمسألة العلوم، وتليها في ذلك العلوم الهندسية، ويرجع هذا إلى كون الإعلام العام والعالم الحديث عموما يرتبطان بنجاحات العلوم الطبيعية واكتشافاتها، وتكفي الإشارة هنا إلى قطاع الطاقة، وقطاع التغذية وقطاع الطب؛ لكي يكون هذا الأمر واضحا.
غير أن المخاوف والانشغالات تزداد عندما يتعلّق الأمر بنتائج هذه الاكتشافات والنجاحات كالنفايات وتلوث الغلاف الجوي، ذلك أن العلوم الطبيعية والعلوم الهندسية ترمز إلى تقدم العالم الحديث وإلى النتائج التي ينتهي إليها هذا التقدم في نفس الوقت. وتتعلّق الحداثة – باعتبارها شعار عصرنا هذا الذي يشكّك في حداثته البعض –بما تنتجه العلوم الطبيعية والعلوم الهندسية، وبما تقدمه العلوم الاجتماعية أكثر من اهتمامها بما  تنتجه العلوم الإنسانية، التي تتمتع حاليًّا، في الوعي الجمعي، باهتمام جوهري لكن باعتراف غير كاف في الوقت ذاته. وهكذا يُتَّفق أن توجد العلوم الإنسانية على خلفية كل حداثة مثيرة للغاية، وهو حكم ظالم ينبع من تجربة مضللة ومن كثير من الشك النسقي العلمي، ومن الشك التاريخي العلمي.([12])
وعلى خلفية النـزعة النفعية بات الانحصار في التخصص يظهر في البلاد العربية والإسلامية على نحو متهافت، لدرجة أضحى الكثير لا ينظر إلى المعارف والعلوم والمهارات إلا بعين تاجر المفرق: هذا «مربح» فهو علم، وهذا «غير مربح» فهو ليس علماً، وهذا المنطق قلل من شأن قيمة الآداب والفنون، وكانت النتيجة أن ظهر متعلمون متخصصون لكنّهم أميون في المجالات الإنسانية الحية. ([13])
حتى في الحالات التي حُشرت خلالها بعض المواد الإنسانية كالدين والتربية الفنية ضمن المناهج، كان يترسب في الذهن عند الكثير من الأساتذة والتلاميذ أنّ هذه المواد مواد هامشية ولا قيمة لها، لا سيّما في ظل النظم التي تعفي هذه المواد من معايير النجاح والرسوب. وبالمنطق التجاري المشار إليه أخذت القيمة النسبية للعلوم والمهارات تتباين من مجتمع إلى آخر، ومن حقبة إلى أخرى، وذلك بحسب معايير التوظيف ومقتضيات سوق العمل والمردود النفعي، وما يسود الواقع من أنماط اقتصادية وتجارية. ([14]) 
والحقيقة، أنّ القيمة النفعية للتخصصات ليست أمراً غير مرغوب فيه، إلا أنّ القيمة الحقيقية لذلك لا تتحقق إلا بمقدار ما يلبي التخصص الدقيق احتياجات التخطيط ومشروع التنمية، فضلاً عن إشباع الحاجات الحالية والمستقبلية للمجتمع، وهذا لا يتحقق من غير أن تُربط التخصّصـات المختلفة بعضها ببعض، وتتعاون بعيداً عن الفصل المتعسف. ([15])
ثالثا: الترابط والتكامل بين العلوم الاجتماعية والإنسانية واقع و حتمية
إنّ الترابط والتكامل بين العلوم الطبيعية والرياضية والحيوية بات حقيقة واضحة، كما أن الترابط والتكامل بينها وبين العلوم الإنسانية أصبح يقرّ به الكثيرون، أمّا فيما بين فروع العلوم الإنسانية نفسها، فلا أظنه يحتاج إلى مزيد من التأكيد، بل إن الترابط والتكامل بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية والحيوية أخذت تجليه الكثير من الدراسات، فبات من المعروف -منذ وقت مبكر- ضرورة أن يكون عالم النفس على دراية بالفسيولوجيا والبيولوجيا والوراثة والإحصاء، فضلاً عن الفلسفة والاجتماع واللغة، كما أنّ عالم اللغة أضحى معنيّاً بالمشكلات التي تتصل بحقل اختصاصه، كالتي تثيرها البيولوجيا والفسيولوجيا، ناهيك عن تلك التي تثيرها علوم النفس والاجتماع والإنثروبولوجيا، وقد صرنا نرى قنوات اتصال بين «الإبيستمولوجيا التكوينية» (تشكل المعارف ونموها) و«علم النفس التكويني»، كما غدت دراسة الإبيستمولوجيا المذكورة ضرورية لمعرفة البنيات المنطقية والرياضية والحركية، حتى أن أحد المراكز العلمية في جنيف لم يتردد في إقامة تعاون بين علماء النفس والمنطق والرياضيات والفيزياء والسبرنتيك. ([16])
فإن عطفنا على المتخصص في الفلسفة، الذي تشغله قضايا لها مكانها في علوم الفيزياء والبيولوجيا والنفس والأخلاق الطبي، فإنه لم يعد بإمكانه التعامل مع تلكم القضايا بشكل متطوّر دون الاطلاع على أحدث النظريات التي تطرحها العلوم المذكورة، كما أنّ دراسة التاريخ يمكن أن تستفيد من الجيولوجيا والأحياء، فضلاً عن العلوم الأخرى كالاجتماع والأنثروبولوجيامعلم النفس والاقتصاد.
ويتيح تكامل المعرفة ضمن هذه العلوم للمؤرخ توضيح المتغيرات التي حدثت في الماضي، بل يمكننا القول: إنّ المختص في العلوم الإسلامية، كالفقية مثلاً، حريّ به -إذا كان حريصاً على تحري الصواب في استنباطاته الشرعية- أن يقف على أرض صلبة من المعرفة الإنسانية والطبيعية والطبية، ولو بالقدر الذي يتعلّق بالحالات أو الوقائع التي يتصدّى لها، لتلاقي بذلك «الحقيقةُ الشرعية» «الحقائقَ الإنسـانية» و«الطبيعية» و«الطبية» دونما تصادم؛ حتى الأديب، لا يمكنه الانعزال عن حقول العلم الأخرى، إنسانية كانت أو طبيعية، إذا ما أراد أن يصف المشاعر الإنسانية بدقة، ويصور دراما الحياة بشكل فذ. ([17])
وقد نشر هانس روبيرت ياوس(1997-1921) (Hans Robert Jauss)نص "نموذجية العلوم الإنسانية في حوار التخصصات" في كتاب "مسالك الفهم"Wege des verstehens" سنة 1994، وهو آخر كتاب ينشر له قبل وفاته. في هذا النص دعا ياوس إلى تجديد العلوم الإنسانية من خلال إعادة تعريفها بواسطة وظائفها، والتي من ضمنها الوظيفة التكاملية. تتجلى هذه الوظيفة التكاملية في إثارة الحس النقدي والفكر التركيبي لدى الطلبة من خلال درس الفلسفة وعلم الاجتماع، والمطالبة بخلق جسور بين مختلف المناهج، مما يؤدي في النهاية إلى إنجاز حوار تخصصات علمي.وطرح عدة تساؤلات بشكل أدق هي: ماهي التساؤلات التي تواجهها العلوم الإنسانية؟ ماهي منافذ المعرفة التي تفتحها؟ وماهي المناهج التي كونتها وجعلتها في متناول البحث العلمي؟ باختصار: لماذا ندعي أن العلوم الإنسانية لا يمكن لها الاستغناء عن غايتها أبداً: وهي الثقافة الانعكاسية؟([18])
وتقدم النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت–بدورها- مدخلا متكاملا لدراسة العلوم الاجتماعية، لتسد الثغرة التي خلقها التفتيت الناتج عن التقسيمات التي وضعها الأكاديميون ذوو الاتجاه الوضعي بين التخصصات المختلفة ، المتداخلة. وتنتقد مدرسة فرانكفورت هذا الانفصام بين العلوم الاجتماعية لأنه أسر عن محدودية المعرفة، إلى جانب ضعفها علميا.
و قد شرح هوركايمر مبدأ التكامل في تعريفه للفلسفة الاجتماعية بأنها النظر لحياة البشر في ضوء انتمائهم لجماعة معينة، وليسوا كأفراد فحسب، بل يجب الاهتمام بالحياة الاجتماعية للبشر ، في إطار الدولة والتشريعات، والاقتصاد، والدين والسياسة، أي باختصار دراسة كل المكونات المادية والروحانية للثقافة الإنسانية. واهتم هوركايمر أيضا بتطوير برنامجا بحثيا يجمع عدة مداخل ليدرس المشكلات الاجتماعية والسياسية ،والذي على حد قوله يجمع الفلاسفة ، علماء الاجتماع ،علماء الاقتصاد ، الإعلام والاتصال، والتاريخ وعلم النفس...إلخ في شكل رابطة بحثية تتعاون لتطوير المناهج التي تفتقر للنظرية الكلية.([19])
نلاحظأن الفلاسفة والمفكرين الغربيين يؤكدون على الصفة التكاملية المميزة للعلوم الإنسانية لأنها  تصل بين المنطق والنحو وعلم الاجتماع والسياسة في إطار ما أسماه بعضهم بحوار التخصصات كما أنهم اعتبروا أنللمرجعية الثقافية أهميتها الكبيرة في بناء العلوم، حيث يرى هانس روبيرت(Hans Robert Jaussβ)"أن المبدأ التكاملي قد احتلَّ الدرجة الأولى، في حين تزايد مطلب تصنيف كل معرفة مجردة في حقل اختصاص معين، في أفق شامل “للفكر الموضوعي”. ونشأت العلوم الإنسانية في الأصل حوارية، فقد سهل فن التأويل كمبدأ منهجي مشترك بينه وبين العلوم الإنسانية وكمذهب لفن الفهم، والتفسير والممارسة، كفن لتأويل عقائدي، الحوار بين النص والمفسِّر وبين الماضي والحاضر. وقد حرر فن التأويل الحديث نفسه لفن تأويل حواري، مع  شلايرماخرSchleiermacher، وفي نفس الوقت كفن كوني، من افتراضات الإنجيل وقانون تأويله".([20])
لابد أن نعرف صفة التعدد المعرفي فيها (Mulitydisciplinary ) وهو يعني المعرفة المستندة إلى عدد من الحقول، وهذا التعدد هو مدخل من أهم مداخل التكامل المعرفي الذي يفترض أن تطور المعرفة الإنسانية جاء أساساً نتيجة لمسارين:([21])
المسار الأول: تقسيم المعرفةإلى حقول أساسية تتفرع إلى حقول ثانوية، ثم إلى قطاعات فرعية، ويمثل هذا المسار النقاء التخصصي الخالص.
المسار الثاني: هو إعادة الدمج والتركيب مابين المعرفة المنتجة في الحقول المختلفة (في المسار الأول) وقطاعاتها الثانوية والفرعية ويمثل هذا المسار ما يسمى بالتخصصات الهجينة ويلحظ أن المسار الأول يجسد آلية التحليل في حين يجسد المسار الآخر آلية التركيب " والإعلام من هذا النوع من الظواهر المعاصرة التي تتطلب منهجاً تكاملياً في البحث والتعليم والتفكير.
إنّ ظهور ما يسمّى بـالعلوم البينيةInterdsciplinary» »التي تعبر عن ارتباط مجال عـلمي «أعـلى» أكثر تعقـداً بمجال علمي «أدنى»، إنّما يعكس حالة متقدمة من التمثيل المتبادل والصلة المرموقة بين أفرع العلوم وتأكيد تكاملها. بل ظهر ما يسمى بـ «العلوم الميتامعرفية»، وهي العلوم التي تطفو فوق أجناس المعرفة وفروعها المتخصصة، ومثالها علم الانبثاق أو الطفور«Emergence»الذي يخترق حواجز التخصص ويتناول نطاقاً هائلاً من المجالات المعرفية، فمن ممالك النمل ولغته إلى بنية المخ وكيفية عمله، ومن تخطيط المدن ونمط تطورها، إلى تصميم ألعاب الفيديو وزيادة تفاعلها، ومن سلوك الحيوانات إلى تطور البرمجيات، ومن الإعلام إلى الإعلان، وهكذا. ([22])
تعدقضيّة التكامل المعرفي قضيّةٌ فكرية و منهجية، من حيث أنَّها ترتبط بالنشاط الفكري والممارسة البحثية وطرق التعامل مع الأفكار. ولكنَّ الغرضَ من معالجة قضية التكامل المعرفي ومنهج هذه المعالجة سوف يحدّدان الحقل المعرفي الذي يمكن أن تصنّف فيه هذه القضية. فقد يصنّف التكامل المعرفي في الحقل الفلسفي أو في فرع أو أكثر من فروع الفلسفة: علم الوجود أو علم المعرفة أو علم القيم، ويأخذ في هذه الحالة بُعداً نظرياً تجريدياً. وقد يصنّف أيضاً في واحد من حقول النشاط الحضاري للمجتمع، عندما يكون الغرض توفير الموارد الضرورية وتحويلها إلى نشاط سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي لتيسير سبل الحياة العملية للناس، وعندها يأخذ الموضوع بُعداً اجتماعياً تطبيقياً. لكن النظر إلى موضوع التكامل المعرفي ربَّما يقتصر على زاوية التعامل مع الحقول المعرفية المتعددة، ومستوى الحاجة إلى كل منها في تصميم برامج المؤسسات التعليمية ومناهجها، فتأخذ القضية بعداً تربوياً تعليمياً... وهكذا.
وتعدُّ صعوبة وجود علماء يقدمون نماذج للبحث العلمي ضمن رؤية وحدة العلوم وتكاملها، أحد المعيقات المهمة في تعميم العمل ضمن هذه الرؤية وتوسيع مجال تطبيقاتها. وتَظهر هذه الصعوبة بوجه خاص عند البحث عند مدرسين يحسنون تدريس مادة معينة من منهجية التخصصات المتداخلةinterdisciplinary، أو المنهجية العابرة للتخصصاتcross-disciplinary..وسوف تقفز بعض التخصصات وبعض الحقول المعرفية، وبخاصة تلك المتعلقة بطبيعة الفكر الإنساني، وتاريخ العلوم، والاقتراض الثقافي، وطبيعة القيم، ومبادئ الأخلاق، وعلم الجمال، وأنماط التنمية البيئية والبشرية، والأديان المقارنة، وغيرها من الموضوعات، التي تَطرح أسئلةً جوهرية حول الوجود الإنساني: أصله وسيرورته ومصيره، إلى دائرة الاهتمام والنظر في تصميم البرامج المناهج الدراسية.([23])
وعلى كل حال فإنَّ ثَمَّة بُعديْن لعلمية التكامل المعرفي؛ بُعْداً إنتاجياً، وبعداً استهلاكياً. فالتكامل في بعده الإنتاجي صورة من صور الإبداع الفكري الذي يحتاج إلى قدرات خاصة. فمثلاً التكامل بين معارف الوحي والعلوم الإنسانية والاجتماعية في صياغاتها الغربية المعاصرة، يحتاج إلى العالِم الباحث إلى معرفة كيفية تنـزيل أفكاره على الوقائع والأحداث، ضمن إطار ثقافي حضاري معاصر، وهذا الفهم والتحديد والكيفية جهد تحليلي تفكيكي أساسي. لكنَّ الباحثَ سوف يحتاجُ في الوقت نفسه إلى فهم الواقع الذي يتعلق بمجال معرفي معين، أو قضية محددة: اقتصادية أو اجتماعية أو تربوية...كمّاً وكيفاً. ([24])
 وهذا يعني بالضرورة قدرة الباحث على تفكيك القضية وتحديد عناصرها وفهم آليات عملها وافتراضاتها النظرية الكامنة. وهذا التفكيك في المجالين شرط ضروري مسبق، إذا تحقق سيكون أساساً لتحقيق التكامل المعرفي بين المجالين في عملية تركيب نقدية إبداعية، يرافقها عادة تقويم للعناصر التي ستدخل في التركيب الجديد، وإنشاء شبكة العلاقات التي تصلها أو تجمعها أو توحدها لمقصد جديد، أو غاية جديدة. ([25])
أما البُعد الاستهلاكي من عَمَلية التكامل المعرفي فيتعلَّق بتوظيف الأبنية الفكرية التي يقوم عليها التكامل في فهم الظواهر أو القضايا موضع الدراسة، وتمييز العناصر المميزة للمعرفة في إطارها التكاملي، وتسهيل نَقل هذه المعرفة إلى الآخرين. والفرْق بين البُعدَيْن الإنتاجي والاستهلاكي من التكامل المعرفي، شبيه بالفرق بين العالم الفيزيائي الذي يكتشف القانون العلمي، والعالم التكنولوجي الذي يطوِّر الآلة التي يقوم عليها القانون من جهة، والمعلم الذي يعلم مادة الفيزياء، والفنِّي الذي يعمل في المصنع الذي تستخدم فيه الآلة من جهة أخرى. ([26])

رابعا :أزمة بحوث الإعلام والاتصالبالدول العربيةو النامية
تتعرض بحوث الاتصال في دول الجنوب وفي قلبها العالم العربي ـ لأزمة مركبة تتمثل في النقل والاقتباس والتبعية للتيارات الأميركية والوظيفية في دول الشمال المتقدم تكنولوجياً استناداً إلى رؤية خاطئة فحواها "أن العلم لا وطن له". وهذه الرؤية قد تنطبق ـ جزئياً ـ على العلوم الطبيعية، ولكنها بالقطع لا تنطبق على العلم الاجتماعي الذي يتأثر بالخصوصية الثقافية لكل مجتمع، فضلاً عن اختلاف معدلات التطور الاجتماعي والاقتصادي والبيئي, علاوة على الأحداث التي حكمت السيطرة التاريخية لكل مجتمع وحددت خلفياته الثقافية ومنظومة القيم والأنماط السلوكية لشعوبه وجماعاته. وهذا الوضع يطرح تحدياً أساسياً لمعظم المسلّمات النظرية التي تنطلق منها البحوث الإعلامية العربية ذات الطابع التجزيئي والتفتيتي للظواهر الإعلامية والتي اعتاد معظم الباحثين الإعلاميين العرب على تناولها بمعزل عن السياق المجتمعي الذي أنتجها وأثر فيها كما تأثر بها، فضلاً عن إهمال التوجهات الإيديولوجية للباحثين. ([27])
ويرى عالم الأديب الألماني  بورخارتشتاينفاكس (BurkhartSteinwachs)أننا مازلنا بعيدين عن تخصص علمي ثقافي إنسي اسمه علوم الإعلام وتشكل هذا التخصص لا يمكنه أن يتحقق إلا من خلال تعاون مشترك؛ فعلوم الإعلام التي تبحث عن ثقافة التواصل في بنائها ووظيفتها، في تأثيرها وتاريخها ستكون مثالاً لإنشاء جديد لعلم من أجل تجاوز حدود التخصصات المستمر وفي نفس الوقت من َأجل توجه جديد وعلمي ثقافي للعلوم الإنسانية. ([28])
وبهذا قد وجهت العديد من الاتهامات إلى الكثير من الباحثين في المجتمعات النامية بأنهم يستوردون نماذج ومناهج البحوث الغربيةالتي تتسم بعدم تلاؤمها مع السياق الثقافي والحضاري للدول النامية، فضلا عن اختلاف المشكلات التنمويةالتي تواجه المجتمعات عن تلك التي تواجه مجتمعات الشمال المتقدم صناعيا وعلميا وتكنولوجيا مما يكشف عن أزمة تعاني منها بحوث الإعلام في الدول النامية، وتتواصل حلقاتها منذ الستينات إلى الآن:
1-سماتالبحوث الإعلامية في الدول النامية:([29])
أ‌- لا تتجاوز البحوث الإعلامية في الدول النامية إطار المسلمات التقليدية التي تطرحها المدرسة الأمريكية مثل المحاكاة والتقليد وتغيير الاتجاه والقدرة الذاتية على النمو وخصوصا في بحوث الإعلام والتنمية.
ب‌- تنتمي أغلب البحوث إلى الرؤية التي تأخذ النموذج الغربي للتحديث مما يعكس فهما جزئيا مشوها لقضية التنمية ودور الإعلام في التغير الاجتماعي والثقافي في العالم الجنوبي.
ت‌- تتجاهل هذه البحوث النظم الاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمعات النامية
ث‌- تركز هذه البحوث على الأفراد وتتجاهل الوحدات الاجتماعية.
ج‌- تركز هذه البحوث على المداخل الوظيفية وأساليب التحليل الكمية وعلى الأخص تحليل المضمون.
2-أسباب أزمة بحوث الإعلام والاتصال:
وتتجلى أسباب أزمة بحوث الإعلامية والاتصالية على الصعيد الأدائي في مجالي السياسات والممارسات الإعلامية عالمياً ومحلياً، وتعزى أساساً إلى أسباب عدة أبرزها عدم التوازن في انسياب المعلومات من الشمال إلى الجنوب، ورسوخ الاتجاه الرأسي الأحادي الجانب للإعلام من أعلى إلى أسفل من المراكز الدولية في الشمال المهيمنة على التكنولوجيا المتقدمة والمعرفة والتراث الإعلامي إلى الأطراف الأفقر في الجنوب ومن الحكومات إلى الأفراد والشعوب، ومن الثقافة الغربية المسيطرة إلى الثقافات التابعة.
ففي ظل الثورة العلمية والتكنولوجية، وفي إطار المحاولات المستمرة التي تقودها القوى المتحكمة في السوق العالمية من أجل عولمة الثقافة والتعليم والدين وسائر مكونات المنظومة الحضارية التي كانت تحتفظ باستقلال نسبي خارج دوائر السوق العالمية وقيمها، وفي ظل الهيمنة السياسية والاقتصادية للمؤسسات المالية الدولية والشركات المتعددة الجنسية والدول الثماني الكبار بزعامة الولايات المتحدة, وفي ظل الصراع الثقافي والتحديات الحضارية، تبرز فجوة العقل الإعلامي. لم تعد تكنولوجيا الاتصال والمعلومات تشغل موقعاً مركزياً فحسب في شبكة الإنتاج, بل أصبحت تشغل موقع القلب في استراتيجية إعادة تشكيل منظومة العلاقات الدولية؛ على المستوى السياسي بالترويج لما يسمى بـ"الشرعية الدولية"، وعلى المستوى الثقافي بإعلاء شأن الثقافة الغربية، خصوصاً الطبعة الأمريكية منها وتهميش ثقافات الجنوب. وعلى المستوى الاتصالي بالترويج لما يسمى بـ"القرية الاتصالية العالمية" متساهلاً عن عمد حيال التفاوت الحاد بين معدلات التطور الإعلامي والاتصالي بين أجزاء العالم شمالاً وجنوباً، سواء تمثل ذلك في تكنولوجيا الاتصال أم في الإشباع الإعلامي. ([30])
وعند محاولة تفسير أسباب أزمة البحوث الإعلامية والاتصالية تبرز أمامنا الحقائق التالية:([31])
1- عدم القيام بالبحوث الأساسية التي تبرز علاقة العمليات الاتصالية بالواقع المجتمعي في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم والثقافة في المجتمعات النامية.
2- عدم الربط بين الدراسات الإمبيريقية والإطار النظري الذي يفسر أسباب الظواهر الإعلامية من خلال إبراز علاقتها بالظواهر الاجتماعية والثقافية.
3- إجراء البحوث الإعلامية خارج إطار النظرية الاجتماعية والتاريخية العامة للمجتمع.
من خلال ذلك تتجلى لنا أبعاد الوظيفة الاجتماعية والثقافية المنوطة بالبحوث الإعلامية للقيام بأدوارها في إثراء المعرفة العلمية في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية أولا، ثم النهوض بالإعلام كمهنة وكحقل علمي متخصص ثانيا.و إذا كان على علوم الإعلام والاتصالأن تنهض بمهامها فإن الضرورة تستلزم إعادة تنظيم بيته من الداخل حسب الباحثة عواطف عبد الرحمانالمتمثل في:([32])
الاهتمام بإرساء بنية بحثية تقوم على نظام متكامل ومتسق يضم مجموعة من الفرضيات والأفكار والمناهج وأدوات التحليل وأدوات البرهنة ترتبط بصورة جدلية بالظواهر الإعلامية في سياقها المجتمعي والتاريخي. ولتحقيق ذلك الهدف تبرز مجموعة من الشروط العلمية التي تستلزم:
أ‌-  تعددية المداخل المنهجية وتنوع الأدوات البحثية.
ب‌-  وضع الفروض بعيدا عن المسلمات التقليدية المستقاة من البحوث الإعلامية التي أجريت في سياقات اجتماعية وتاريخية أجنبية.
ت‌- مراعاة دراسة السياسات الإعلامية في ضوء السياسات الثقافية والتعليمية والسياسية والاقتصادية
ث‌-  مراعاة السياق العام الذي تعمل في ظله وسائل الإعلام.

خامسا: تجليات تكامل علوم الإعلام والاتصال والعلوم الإسلامية

يتكون الإنسان من «جسم» و«عقل» و«روح» و«وجدان»، ولا يصح النظر إلى عناصره بشكل مجزأ، ومن ثم فالتعرف على الحقيقة الإنسانية لا يمكن أن يتمّ دون استحضار تلك المكوّنات جميعاً، كما أنّ النمو الإنساني لا يتم إلا من خلال نمو تلك العناصر بشكل متكامل، وهذا مطلب يقود تربوياً إلى ضرورة التعامـل مع المعرفة عـلى نحو متكامل، لذلك لابدّ من هذا المعتـقد عند مقاربة مختلف الظواهر الإنسانية والكونية للوصول إلى فهم أكثر شمولية ودقة. 
ويشكل كتاب "منهجية التكامل المعرفي: مقدمات في المنهجية الإسلامية" الذي ألفه الدكتور فتحي حسن ملكاوي، واحدا من المشاريع الفكرية التأصيلية والمعرفية، وتتجلى قيمة هذا المؤلف، في كونه يتناول قضية إشكالية، ذات أبعاد ﺇبيستيمولوجية ومعرفية، حيث أن الكثير من الدراسات والأبحاث الصادرة مؤخرا، من طرف مفكرين وباحثين كبار، بدأت تطرح إشكالية التكامل المعرفي بين العلوم، سواء على المستوى النظري أو المستوى التطبيقي، فالتقرير العالمي للعلوم الاجتماعية، الصادر عن منظمة اليونسكو سنة 2010 والمعنون ب "تقاسم المعرفة"، تحدث في إحدى توصياته، عن ما سماه ب "موجة ما بعد التخصصات" "والتي تقتضي نهج مقاربة جديدة ومبدعة، تستحضر جميع التخصصات، سواء منها في حقل العلوم البحثة أوالطبيعية أو في العلوم الإنسانية. ([33])
بيد أنهذا الكتاب لا يستحضر هذا التكامل المعرفي في بعده الدمجي بين التخصصات فحسب، بل إنه يطرح قضية تجديدية في العقل المعرفي الإسلامي، وذلك بالنظر إلى الطموح الذي يرنو إليه صاحب المشروع، "فالمؤلف،يحاول أن يقتحم عقبة التأليف في هذا الموضوع، ليبني برنامجا للتمكين للوعي بعلم المنهجية، وللتدريب على التفكير والبحث في قضاياها، ولممارسة هذه المنهجية في التعامل الرشيد مع مسائل العلم والمعرفة في المجالات المعرفية المختلفة، فهما وتوظيفا وتطبيقا".
 ولعل المؤلف؛ حينما أراد اقتحام هذا المجال، فإنما كان يستحضر من بين ما يستحضر، الإشكالية اﻹبيستيمولوجية التي يتخبط فيها العلم المعاصر؛ حيث أن عهد الحداثة؛ وإن كان ناجحا في تحقيق وعوده في زيادة المعرفة والتقدم في متطلبات الحياة المادية الخارجية، فإنه بالمقابل خلف آثارا سلبية في عدة مجالات، ومن بينها المجال المعرفي والعلمي، حيث  أن تغير البراديغم الحاكم للعلوم، في اتجاه التجزئة المستمرة للمعرفة، والإغراق في التخصصات الدقيقة، " ولد أنظمة تربوية تبحر في أجزاء الحقيقة المختزلة؛ والراهنة؛ والمباشرة؛ لكنها مفتقدة للوحدة التاريخية للصورة الكبيرة الكلية" ولعل القولة التي استلهمها المؤلف من أحد اﻹبيستيمولوجيين المعاصرين "أوتيكي" تعبر عن هذا الواقع المعرفي المتسم بالتجزيئية المعرفية، والتي تقول: "في الوقت الذي أصبحنا فيه أناسا نعرف أكثر فأكثر عن الأشياء الأقل فالأقل، فإننا في الوقت نفسه للأسف أصبحنا أناسا نعرف  أقل فأقل عن الأكثر فالأكثر".([34])
وقد حاول الباحث مهديكلشني(*) التصدي لهذه الإشكالية وتفكيكها في اتجاهين مترابطين، الأول يتعلق نبضه بما يسمى الطابع التجريدي والحيادي للعلم، والثاني يتعلق بالكشف عن طبيعة رؤية الإسلام التكاملية إلى العلم. ([35])
الاتجاه الأول: حاول الدكتور مهديكلشني التأكيد والإصرار على أن العلم الحديث ليست له هوية متجردة وحيادية بالمطلق وبشكل تام، وإنما يتأثر بالعصبيات والتحيزات الفلسفية والدينية، بالأنساق القيمية وفرضيات الميتافيزيقيا. ويعتبر أن الذين لا يُقرون بهذه الحقيقة فإنهم لا يمتلكون خبرة واطِّلاعاً كافيين على شؤون العلم. وقد فات هؤلاء -حسب قوله- ما تتركه الأيديولوجيا والاتجاهات الفلسفية من أثار في نظريات العلم ومعطيات التجربة.
الاتجاه الثاني:عمل مهديكلشني الكشف عن طبيعة رؤية الإسلام إلى العلم، وكيف أن هذه الرؤية لا تفصل بين الدين والعلم أو بين الأخلاق والعلم، وتربط بين مختلف العلوم بطريقة تكاملية تستند إلى رؤية كونية توحيدية إلى العالم.
وتلخص رؤية الباحثمهدي كلشني من هذا الموقف في العناصر التالية: ([36])
1- سعة العلم في الإسلام، وفيه يؤكد كلشني على أن العلم الذي يعنيه الإسلام واسع لا حدَّ له، ولا يضع الإسلام حدوداً للعلم، لكنه يدعو المسلمين إلى البحث عن العلوم المفيدة والنافعة فقط.
2-تخطئة تقسيم العلوم إلى دينية وغير دينية، وفيه يرى ا كلشني أن المنهج الإسلامي يمتاز برؤية شمولية، فهو لا يفصل بين المعرفتين العلمية والدينية، فسائر العلوم التي تنطوي على منافع وفوائد معتدٍّ بها، يمكن اعتبارها معارف دينية، وبالتالي فإن تقسيم العلوم والمعارف إلى دينية وغير دينية لا يستند إلى أساس سليم.
3- الربط بين مختلف العلوم، وفيه يعتقد كلشني أن علماء المسلمين كان سعيهم دائماً إلى الربط بين مختلف العلوم، وذلك لتقديم مفهوم منسجم عن الطبيعة.
تبدو العلاقة بين علوم الإعلام والعلوم الدينية، قضية ذات خصوصية إسلامية في المقام الأول، لكونها تطرح أمامنا أبعاد الأزمة التي يعاني منها الباحثون المسلمون المعاصرون، في علوم الإعلام والاتصال وعلوم الشريعة على السواء. فطلاب علوم الإعلام والاتصال عندما يبدؤون دراستهم الأكاديمية يجدون أنفسهم أمام إشكالية خطيرة، تتعلق بقبولهم المبادئ العلمية الحديثة القائمة على التجربة التاريخية الغربية، والتي تأسست على افتراض أساسي مؤداه: أن ثمة تعارض بين العلم والدين، حيث يرتبط العلم باليقين العقلي في ظنهم، بينما يرتبط الدين باليقين الوجداني، ومن ثم يقف الدارس لعلوم علوم الإعلام والاتصال حائراً بين قبول هذه المبادئ، وبين المبادئ الإسلامية التي لا ترى أي تناقض بين العقل والوحي. وهنا تبدو الإشكالية الجوهرية؛ كيف يلائم الباحث بين ما تطرحه النظريات من أفكار ورؤى، وما تستند إليه من منهجية علمية ترفض المصادر المعرفية الدينية ولا تعترف إلا بالمنهج العلمي التجريبي الحسي، وبين ما يؤمن به من أفكار دينية تتناقض في جوهرها مع النظريات الإعلامية والاتصالية الكبرى، وتقوم على منهجية مختلفة تعتمد الوحي مصدراً معرفياً بجانب المعرفة التجريبية الواقعية والحسية.
     إن هذه الأزمة التي تواجه طلاب علوم الإعلام والاتصال وعلوم الشريعة في مجتمعاتنا الإسلامية، الذين يدرسون ضمن النسق الأكاديمي الحديث، قد تنامت في سياق رؤية علمانية فُرضت على الساحة العلمية في ظروف تاريخية وعلمية معلومة، وهذه الرؤية ادعت أن العلوم الاجتماعية والإنسانية بمناهجها وآلياتها يجب أن تظل مستقلة عن الدين، لكونها وليدة التفكير العقلي المحض، ولا ينبغي أن تتطور إلا في هذا الإطار العلمي العقلاني، حتى تستطيع أن تستجيب للمطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع في مختلف الظروف والأزمان دون تقيد بنصوص دينية ثابت. ونتيجة لهذه الافتراضات تم إقصاء علوم الشريعة عن العلوم الاجتماعية، بل عن الواقع الاجتماعي المعاصر، حتى كادت تتحول إلى علوم تراثية لا صلة لها بعصرنا الراهن وواقعنا الحي، لولا جهود بعض علماء الدين المتفتحين الذين سعوا دائماً إلى تضييق الفجوة بين الفكر الديني والفكر الاجتماعي على أساس أن الظاهرة الاتصالية  هي ظاهرة اجتماعية .
وللوصول إلى حلول مجدية لهذه الأزمة، ينبغي أن نكون على وعي تام بأن علوم الشريعة التي نسجت حول الوحي الإلهي من فقه وتفسير ولغة وأصول وعقيدة وكلام وسواه- وحاول واضعوها تقديم تفسير دقيق لمراد الله من وحيه الكريم، يجب أن تتطور لأنها غير أزلية ولا كاملة بتاتًا، وقد اكتنفها ولا يزال يكتنفها قدرٌ غير يسير من النقص والقصور، تأكيدًا على كونها إنتاجاتٍ بشرية ومعارف إنسانية غير معصومة بأي حال من الأحوال عن الخطأ والنقص والقصور، ولذلك، فإنها كانت ولا تزال تشهد يومًا بعد يوم المزيد من المراجعة والتحقيق والتصحيح والتكميل والتجديد على أيدي علماء الأمة ومفكريها عبر التاريخ الإسلاميالعريض. ([37])
كما ينبغي أنيُدرك جيداً أن تحقيق التكامل بين علوم الشريعة والعلوم الاجتماعية والإنسانية من حيث المنهج والموضوع والفلسفة، بات يمثل ضرورة قصوى، ومن الجدير بالملاحظة أن ثمة علماء وباحثين قد تنبهوا لهذا الأمر، ومن ثم برزت محاولات عديدة لتطوير رؤى علمية تكشف عن كيفية تحقيق هذا التكامل، على أساس أن هذا التكامل يرمي إلى تخفيف حالة التشتت المرجعي الذي يعيش فيه الواقع الإسلامي المعاصر نتيجة الفصام بين علوم الدين وعلوم الدنيا، باعتبار أن هذا التكامل سيحول دون تعميق حالة الغياب والانسحاب الحضاري الذي تعيش فيه أمتنا منذ أمد طويل نتيجة فصل أبنائها بين شؤون دينها وشؤون دنياها. ([38])

1-   تكامل علوم الاعلام والاتصال والعلوم الإسلامية : إمكانية الانبعاث
يشكك آخرون في علاقة الدين بعلوم الإعلام والاتصال إن علمًا أو عملاً. فالمنتسبون(الأكاديميون والمثقفون)  لهذه العلوم يرون أن هذه العلوم  تدرس ما هو كائن وتنطلق من الواقع، وأن الدين يقدم "ما يجب أن يكون"، ومن ثم فالمساران لا يتقاطعان. وبعضهم يغالي فيجعل الدين مختصًا بالغيوب والآخرة والإيمانيات اليقينية فقط، بينما علوم الإعلام والاتصال هي مرتع الخلافات والشك والمتغيرات، وهي قلب العالم المشاهد الملموس والدنيا. فالطبيعتان غير متسقتين. والسؤال الذي يطرحه هذا الجدل هو سؤال "الدين"، وخاصة الإسلام، وهل طبيعته حقًا لا تمتزج بميدان الاعلام والاتصال بوصفه واحدًا من ميادين الحياة الإنسانية؟
وقد تم التأكيد على أن هذه القضية باتجاهها إلى الحسم، ولن نقف عند هذه الأسئلة التي أشبعت جوابًا بل تفنيدًا لمنطق السؤال نفسه. والحسم هنا باتجاه تأكيد هذه العلاقة بتنويعاتها وصورها المختلفة، ونفعيتها بل ضرورتها بالنسبة إلى الإسلام والمسلمين. مع الفهم الدقيق والعلمي لطبيعة الإسلام وتحريره من تكلفات الأيديولوجيات، وأن الفهم المتجرد والمتعمق للحياة وتنقيته من أساطير الآخرين، من شأن هذا أن يجلي التصور الصحيح لدور الاعلام والاتصال في المجتمعات في ضوء الحضور الطبيعي للدين والتدين.فحين يكون الإشكال بين الاعلام واقعًا والدين علمًا أو عملاً، فلا شك أن ثمة علاقة وإن تأثرت باتجاهات الإعلاميين والمتدينين. فرجل الاعلام  المتدين فكرًا وسلوكًا يصل بينهما بحكم اتصالهما في نفسه: عقله وعمله. والإعلامي غير المتدين -لا وعيًا ولا سعيًا- كما المتدين المغيب إعلاميا لا وعيًا ولا سعيًا، كلاهما يفصلان بحكم حال كل منهما. ومن ثم فالمتدينون الإعلاميون يحسمون أمرهم، ويتوجه سؤالهم إلى: كيفية ترتيب هذه العلاقة (بين فهمهم للدين وفهمهم أو عملهم الإعلامي) ترتيبها في أذهانهم بطريقة علمية ممنهجة، قبل تفعيلها في حياتهم العملية أيضا بطريقة واعية منظمة. في الحالين هناك عوز إلى الطريقة العلمية الممنهجة سواء لمعمار العقل، أو لرشاد العمل.([39])
إن علوم الإعلام والاتصال من العلوم الجديدة التي تبحث لها عن هوية خاصة بها، انطلاقا من أن نشأتها كانت بعد تقاطع عدة علوم كالعلوم السياسية وعلم الاجتماع، والفلسفة وعلم النفس..  فلو عدنا إلى المؤسسين الأوائل لهذا التخصص فنجدهم من حقول معرفية أخرى: "لاسويل" من العلوم السياسية، "لازرسفيلد" من علم الاجتماع، "لوين" من علم النفس الاجتماعي، و "هوفلند" من علم النفس، و"ماكلوهان" من النقد الأدبي، و "إدوارد برناي" في مجال الزراعة...  
إلا أن هذه العلوم شهد عدة تنظيرات، منها ما كان مستندا إلى الفكر الاجتماعي بصفة عامة ومنها ما استند إلى الممارسة الإعلامية بشكل خاص ومنها ما اشتغل أصحابها بالظاهرة الاتصالية على مستواها الكلي macro level، ومنها ما جزأّ أصحابها نظرتهم إلى العملية الاتصالية إلى مستوياتها الضيقة micro level.([40])
وقد استقر في الأذهان على أن الإعلام مرادف للرقص والغناء والتسلية والعبث، أو كما يقول آخرون " فن الكذب" وهذه الأطروحة بقدر ما يغلب عليها الطابع الانفعالي (ردود أفعال سريعة) بقدر ما هي عبارة عن نقد اختزالي، حيث يختزل الإعلام كله تحت مفهوم "سلبي"  فتحصل الغفلة عن التعدد والتنوع والتطور المذهل في مجال الإعلام وفنونه ونظرياته. وطبعا هذه الاطروحات أو الأحكام المسبقة لم يعان منها الإعلام فقط، فقد عانى علم النفس هو أيضا من تلك الأطروحة التي تختزله في " فرويد والجنس"، وعلم الاجتماع عندما كان يختزل في " دوركايم والانتحار".بينما هناك مدارس فرعية عدة حتى في إطار الفرويدية نفسها. كما أن تخصصات علم الاجتماع في الغرب وحده قد وصلت إلى 50تخصصا. ([41])
2-   نظرية الحتمية القيمية في اﻹعلام  والبعد المتكامل للظاهرة الاتصالية
تعد الحتمية القيمية في دراسات الاتصال مجهود فكري أكاديمي يتبناه عدد من الأكادميين المهمومين باغتراب علوم الاتصال وغيره من العلوم الاجتماعية عن واقع وبيئة المنطقة.ومن بينهم البروفيسور عبد الرحمان عزي، ومفكر اتصالي جزائري ، أستاذ بجامعة الشارقة حاليا وكان أستاذا بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.
وتقوم الفكرة على ربط الفكر الفلسفي الاتصالي بالقيم البيئية التي تجري فيها معالجة القضايا الاتصالية...في اتجاه ربط البحث والتنظير بالبيئة.وتصبح أي دعوة للحديث عن عمومية universality الفكر الاتصالي دعوة قابلة للتجريح...ويصبح التطبيق الحرفي للنظريات الاتصالية الحالية واستعمالها المطلق لتفسير كل حالة، في كل موضوع وبيئة، أمر فيه كثير من ضعف الوعي أو غياب الإدراك بخصوصية البيئة وقيمها الاجتماعية.([42])
أ‌- مرجعية الفكر الإعلامي  لدى مؤسس النظرية:
جاءت نظرية المفكر الجزائري "عبد الرحمن عزي" -كمساهمة عربية إسلامية- في مجال الأبحاث الإعلامية المعاصرة و كنقد وثورة على المحاولات العربية التي اقتصرت على إسقاط النظريات الغربية على خصوصية المجتمع المحلي، أو في إعادة قراءة التراث فيما يسمى "بالإعلام الإسلامي". في ظل هذا الواقع الأكاديمي الذي اتسم من بكثير الجمود ظهر المفكر و المنظر ّ عّزي عبد الرحمان ليحرك المياه الراكدة في نهر الأبحاث العربية- الإسلامية في مجالي الاتصال و الإعلام ، بمجموعة من الدراسات العلمية التجريبية والأصيلة والمترابطة. أما الرابط بينها فهي أنها كانت تستند إلى متغير رئيسي واحد هي القيم التي مصدرها الدين؛ ما أنتج نظرية جديدة في علوم الإعلام والاتصال هي: نظرية الحتمية القيمية في الإعلام . ([43])
تجدر الإشارة إلى أن نظرية الحتمية القيمية في الإعلام ليست هي ما اصطلح على تسميته "نظرية الإعلام الإسلامي" حيث يرى عبد الرحمن عزي في معرض إجابته عن أحد الأسئلة الموجهة إليه على الموقع الإليكتروني الخاص بهأن الفرق بين الاتجاهين يكمن: ([44])
أولا: في المنهجية، فالإعلام الإسلامي يقوم على سرد النصوص بذاتها دون إتباع منهجية محددة في قراءة النص أو ربطه بواقع الظاهرة الإعلامية المعاصرة، وكان ذلك عاملا في وصول هذا الطرح إلى طريق شبه مسدود، حيث لم ينتج نصا معرفيا بارزا، وإنما توقف عند باب الوعي بالمشكلة. أما الحتمية القيمية في الإعلام فتوظف عدد من الأدوات المنهجية التي ولدتها النظريات الاجتماعية والاتصالية الحديثة في الغرب، فهي تسعى إلى التجديد في قراءة النصوص وربط ذلك بواقع الظاهرة الإعلامية القائمة في المنطقة العربية والإسلامية.
ثانيا: أن تقليد الإعلام الإسلامي يكاد يقصي التجربة الغربية (الأكاديمية أو الممارسة في الميدان)، أما الحتمية القيمية فهي تتفاعل مع المعرفة الإعلامية الغربية بشقيها وتحاول أن تطرح نفسها بوصفها صوت آخر يتعايش وينافس النظريات القائمة؛ أي أنها تسعى إلى تجاوز صفة المحلية إلى إيجاد مكان لها في التراث المعرفي الأكاديمي السائد لدينا وفي الغرب.
ولا شك أن كل باحث -كما أشار عبد الرحمن عزي نفسه- متأثر عن وعي أو غير وعي بخلفيته وتجربته ومجموعة من المؤثرات الثقافية المتعددة كالمكان والزمان ،([45]) لذلك فإن فكر البروفيسور عزي لم يكن لينفصل عن البيئة التي نشأ وترعرع فيها فقد ذكر أنه فطم في بيئة بني ورتيلان الامازيغية الواقعة شرق الجزائر( مفعمة بالتعاليم الدينية وحفظ القرآن). كما أن إقامته بأمريكا بعض الوقت واحتكاكه المباشر مع أتباع مختلف النظريات جعله -كما اعترف بذلك هو نفسه- يدخل إلى مجال التنظير في الاتصال تحت تأثير بعض أدوات المنهجية الغربية. وقد رأى أن ذلك أمرا عاديا إذا اعتبرنا أن المنهجية تولد أدوات أو طريقة عقلانية أو واقعية في الوصول إلى مجموعة من الحقائق النسبية. فالأدوات تملك مجالا مستقلا، أي محايدا نسبيا .([46])وقد مكنته تلك الأدوات من النظر إلى الذات والثقافة من زاوية نبش في التراث.
تنصهر في النسق الفكري لهذه النظرية أربعة مكوّنات رئيسية: ([47])
1-   التراث العربي والإسلامي؛
2-   ابستيمولوجيا الاتصال والإعلام؛
3-   الفكر الفلسفي والاجتماعي الغربي المعاصر في القرن العشرين متمثلاً بالمدارس الاجتماعية التالية:  المدرسة البنيوية، والمدرسة الظاهراتية، ومدرسة التفاعلات الرمزية، والمدرسة التأويلية النقدية؛
4-   الفكر الإعلامي القيمي من خلال بعض الحفريات في الفكر الحضاري لمالك بن نبي، والتواصل القيمي في مذكرات الشيخ سيدي الحسين الورتلاني والأخلاقيات الإعلامية في الرؤية النورانية النورسية.
وهذه المكوّناتا لأربعة، بالإضافة إلى فروع معرفية أخرى ومعرفة الدين، تشكل في مجموعها مرجعية فكرية للنص عند عبد الرحمن عزي وتصوغ إشكالية طرحه للظاهرة الإعلامية.  لذلك، فإن فهم الظاهرة الإعلامية عند عبد الرحمن عزي يكون  مبتوراً ما لم تكن هناك معرفة متمكِّنة بمرتكزات فهمه أو نظريته، أي بمعنى  الاطّلاع، على الأقل، على موارد التأسيس وهي متنوّعة. فمفاهيم عبدالرحمن عزي  وليدة النسق الذي ينتمي إليه.  فأحياناً هي مفاهيم بلباس فلسفي تراثي (كالمخيالالإعلامي ومفهومالرأيالعاموالعصبية)أومفاهيممستلّةمنالدلالةالقرآنية(كالإبلاغوالكتلةالإيمانية)، أومفاهيممتخصصةفيحقلالإعلاموالاتصال، (كالمجتمعالجماهيريوالمجتمعالمعلوماتي أومجتمعالخدمات...) ،أومفاهيممشتقةمنأطروحاتبعضالشخصياتالفكريةكمالكبن نبي(الزمنالإعلاميوالمكانالإعلاميوالخوفالإعلاميوالرأسمالالإعلاميالرمزي).... لكنآلية ضبطمفاهيمنظريةالحتميةالقيميةفيالإعلامتتمثلبالقيمةالتيتدفعهذهالمفاهيمإلى معالجةالظاهرةالإعلاميةوالاتصاليةضمنالسياقاتالحضاريةالقريبةمنها،أوهيالمعيار الذييقيسويقيّمويفسّرهذهالمفاهيممنخلالتجلياتالظاهرةالإعلامية. ([48])
حيث يؤكد الباحث عبد الرحمان عزي ذلك قائلا:" كتبت عن النظرية الاجتماعية الغربية الحديثة وابن خلدون، كما استوقفتني إسهامات مالك بن نبي في دراسة "المشكلة الحضارية" وإبراز الترابط البنيوي بين (الإنسان والتراب والزمان)، فأضفت في دراسة أخرى عامل الإعلام في نظريته وبنيت مفهوم "الأهلية القيمية" في دراسة مجتمع عصر المعلومات".([49])
ورغم أن إسهامات العلماء المسلمين الأوائل في نظرية الاتصال غير واضحة إلا أن عبد الرحمن عزي وجد في مناهجهم ما كان سندا أساسيا في تطوير نظريته، وحظيت نظرية الحتمية القيمية بأهمية بالغة في الأبحاث الإعلامية، حيث أنها حاولت تخطي الخلل النظري في النظريات الغربية التي تدرس فقط الجانب المحسوس، وهذا لا يعبّر عن الواقع كما هو بل يعبّر عن جزء من هذا الواقع وبالتالي تكون النتائج جزئية كما أن نظرية الحتمية القيمية حاولت تحديد الأسس النظرية لدراسة أثر وسائل الإعلام عبر محدد واحد وهو الرسالة الإعلامية وارتباطها بالقيم .
ويؤكد المفكر عبد الرحمان عزي مجال اهتمامه فيقول:" لقد انشغلت بهم التراث إلى حين، ولم يكن هذا الانشغال معرفيا بل منهجيا، وأعني بذلك أنني لم أكن أهتم بالمسائل والإشكالات التي تعامل معها العلماء والباحثون المسلمون الأوائل، كابن طفيل وابن خلدون ، وبن القيم ومالك بن نبي...إلخ، ﺇنما بمقاربتهم أي منهجيتهم في دراسة الظواهر، وقد بدت لي مناهجهم متطورة ولكنها ناقصة في التفاصيل، وذلك ما استكملتُه بالمناهج الغربية المعاصرة التي هي أكثر تطورا ليس في المقدمات النظرية، ولكن في أدوات التحليل ، وبتعبير آخر تجدني أمزج بين "العقلية الشرقية " و"المنهجية الغربية".([50])
وقد برز ذلك –بجلاء- في كتابه المعنون ﺑ" الفكر الاجتماعي المعاصر والظاهرة الاتصالية :بعض الأبعاد الحضارية([51])، والذي عرض فيه أربع نظريات اجتماعية غربية هي التفاعلية الرمزية، الظاهرتية، البنيوية والنقدية ختم كتابه بفصل عنون ﺑ الواقع والخيال في الثنائية الإعلامية :نحو تأسيس فكر إعلامي متميز، مما يدل على البعد التكاملي المعرفي لدى عبد الرحمان عزي و المرجعية التأصيلية لنظرية الحتمية القيمية في الإعلام.

ب‌-              التوجه  المنهجيو المفاهيميالحضاري البارز في نظرية الحتمية القيمية في الإعلام :
إن القارئ و المتمعن في دراسات و أبحاث المفكر الجزائري عبد الرحمان عزي يجد هذا الهاجس الجوهري المركزي " الرسالة هي القيم "  أي أن يكون الاتصال دائما حاملا للقيم الثقافية و الروحية التي تدفع بالإنسان والمجتمع إلى التقدم .
لن يفشل المتأمل لكتابات عبد الرحمان عزي المختلفة حول الظاهرة الاتصالية في التعرف على القاعدة القيمية الثابتة التي تستند عليها تحليلاته وتفسيراته ورؤاه حول الاتصال "كظاهرة اجتماعية".إن معظم كتاباته عن أفكار نظرية الحتمية القيمية، تغرق نفسها في العودة إلى الآيات القرآنية لتفسير المفاهيم وعناصر الأفعال والسلوك الإنساني ذو الارتباط بالاتصال، بل إن بعضها يستوجب التوقف والتأمل لأنها بالفعل تجعل القارئ يعمل التفكير، من ذلك مثلا  تناوله لموقع السمع في الظاهرة الاتصالية باستلهام الآيات القرآنية التي تناولت السمع ، مشيرا إلى تميز السمع على البصر بالاستدلال بالآية الكريمة « ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون»([52]) مشيرا إلى أن الآية الكريمة ربطت الصم بفقدان بالعقل ، والعمي يفقد البصر فحسب. كما يشير إلى أن العلم اليوم أثبت أن السمع يمثل نسبة 45% من السلوك الاتصاليالإنساني. ([53])
إن المنهج القيمي الذي يتبناه عبد الرحمان عزي يعتبر أن دراسة القيم هو الدليل الأقوى في فهم الثقافة. فالبعد القيمي يسعى إلى تأطير الوضع انطلاقا من الخيال، فهو يدرس ماهو كائن بناء على ما ينبغي أن يكون، فالأصلهو الثقافة (أي الرسالة) وإنما المجتمع قد يضفي صيغة اجتماعية على الثقافة أو يتحرك بدون ثقافة (أي ثقافة غير واعية)...إن المنهج الذي نستكن إليه ينطلق من الداخل ويكون التدخل الذاتي أساسي وهو ما لا يتفق بالطبع مع النظرة التقنية للبحث، وأن الباحث ملاحظ مستقل عن الموضوع، إن البحث في تحليلنا فعل قيمي...لأن الحياة الاجتماعية في الأصل تأسيس قيمي، يستتبع ذلك أنه من خلال الفعل القيمي يمكننا تجربة الحياة الاجتماعية بكيفية دالة. ([54])
يبدو واضحا تفرد هذه النظرية بمجال اشتغالها والتساؤلات التي على الباحث طرحها و الانطلاق منها، فهي تختلف عن كل النظريات السابقة في ان على الباحث الانطلاق من القيم كمتغير رئيسي ، على أن مصدر القيم هو الدين وليس الإنسان، الذي لا يكون مصدرا للقيم وإنما أداة تتجسد فيه. لذلك فهي إيجابية دائما ولا يمكن أن تكون سلبية كما ترى بعض الاتجاهات الفكرية.
فتهتم نظرية الحتمية القيمية-إذن- بكل الظواهر الإعلامية والاتصالية ولكن من منظار قيمي. مع إعطاء الثقافة مكانة محورية وأساسية، وأصلية ،"فالأصل هو الثقافة" ([55]) كما أعلن ذلك عبد الرحمان عزي بقوله : "وفي منظورنا فإن الثقافة سلم يمثل مستواه الأعلى القيم...ويكون مصدر القيم في الأساس الدين، فالإنسان لا يكون مصدر القيم ، إنما أداة يمكن أن تتجسد فيها القيم. يستتبع ذلك أنه كلما ارتقت الثقافة إلى مستوى القيم ارتبطت بالدين بالضرورة. ([56])
ويعرف الثقافة بناء على ما سبق بأنها " معايشة الواقع انطلاقا من القيم، ويكون النشاط العقلي وسيلة تحقيق الترابط بين القيمة والسلوك" ([57]) لأن النشاط الذهني يصبح البوثقة التي تولد المعرفة والفكر والحضارة استنادا إلى تلك القيم. ومن ثم تحقيق حركة الترابط بين القيم المستندة للدين، إلى النشاط العقلي المرتبط بالتفكير والمنطق إلى الفعل والسلوك الناتج عن تفاعل القيم مع النشاط العقلي.
كما عرف عبد الرحمان عزي الثقافة –أيضا-بإبراز البعد الحضاري فيها على "أنها كل مايحمله المجتمع(الماضي) وما ينتجه (الحاضر والمستقبل) من قيم ورموز معنوية أو مادية، وذلك في تفاعله مع الزمان (التاريخ) والمكان(المحيط)انطلاقا من بعض الأسس(القيم) التي تشكل ثوابت الأمة وأصولها(البعد الحضاري)". ([58])
و يقترح إثر ذلك المنظر عبد الرحمان عزي علاقة تقوم على الجاذبية بين الثقافة ووسائل الاتصال ، على اعتبار أن وسائل الاتصال تمثل العالم الرمزي (اللغة ،الصورة...)بينما تتمثل الثقافة بواقعين معنوي (يمثل البعد الحضاري)، ومادي(يمثل البعد السلوكي)... ويستكمل القضية بتوضيح تأثير الاتصال ووسائله في الثقافة. ففي تقديره تنقسم الآثار بين السالبة والموجبة. وتتمثل الآثار الموجبة في تعزيز القيم ودعمها وعلى الصعيد السالب يصف عبد الرحمان عزي عدة مثالب أهمها: تحييد القيم وإبعادها من التأثير على السلوك. ([59])
وتمثل مفاهيم الحتمية القيمية في الإعلام رموزاً تُشير إلى المنظومة الاتصالية والإعلامية  القريبة من البعد الحضاري الذي ننتمي إليه، وتساعد الآن على صوغ تفسيره لنا من زاوية الإنتاج والإبداع الذاتي المستقل قيميّاً عن الآخر  وقد كان هذا الموقف نفسه قديماً تجاه اليونان. فالعرب ترجموا الثقافة الإغريقية أيام إسحاق بن حنين فكانوا ذواتاً ناقلة فقط، ولكن بعد ذلك بفترة وجيزة جاء الكِندي وبدأ الإبداع والإنتاج الذاتي المستقل عن اليونان. فالكندي ترجم الثقافة اليونانية ولكن بوصفه "ذاتاً"  عاقلة ومبدعة وليس بوصفه ذاتاً ناقلة ومقلّدة.  ومع هذا الأخير (أي الكندي) لم تعد الثقافة اليونانية مصدراً للثقافة العربية بل تحوّلت الثقافة اليونانية الإغريقية إلى موضوع كباقي الموضوعات والمنابع في ذلك الوقت. من هذا المنطلق، لا تنظر الحتمية القيمية في الإعلام إلى النظريات الإعلامية الغربية كمصدر لها، وإنما كموضوع له خصوصية وله بداية ونهاية.  لذلك يؤمن أصحاب هذه النظرية بإنتاج المعرفة في إطار قيم معينة، لا استهلاكها كما هي مستوردة. وفي مسعى الإشارة إلى بعض هذه المفاهيم سنحاول الآن إجلاء أوجه استعمالها كما وردت في  أبحاث عزي عبدالرحمن المتعدّدة حتى يكتشف القارئ كيفية تبلورها في ذهنه وكيفية توجيهها لفكره ومراميه.  ونشير في النهاية إلى أن عرض هذه المفاهيم يقف عند حدودالتعريف وبعض التفسير وقليل من التأويل. ([60])
ويمكن، بمقتضى مفاهيم نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، دراسة أفكار الفعل المعرفي من زاوية الأنا وليس الآخر، ومن رؤية أصيلة تراعي كل ما هو دخيل. فهي تندرج في أبحاث عزي بمنطق خاص وتنمو لا بالاستعارات التي يتعاطاها الخطاب الإسلامي الإعلامي الذي يؤسس للظاهرة الإعلامية بمفاهيم من الدّاخل في غياب شبه تام لمفاهيم خارج الوعي بالمشكلة. إن المنظومة المفاهيمية عنده هي من داخل الظاهرة (الوعي بالمشكلة) ومن خارجها (الوعي خارج المشكلة).  إذاً ،فإن الأنا والآخر يؤطّران معاً مفاهيم عبدالرحمن عزي من أجل رؤيةٍ أو من هجملائموآنيٍّللظاهرةالإعلاميةعندنا .إنّ التمعّن في دراسات عزي يلحظ الأهمية التي يوليه المفكر الحضارة مالك بن نبي وعالم الاجتماع ورائد علم العمران ابن خلدون.  هذان العالمان بالأساس يطبعان معظم أعماله ويلازمانه كثيراً في صوغ مفاهيم الظاهرة الإعلامية. ولعل المفاهيم الأخيرة كالمكان الإعلامي والزمن الإعلامي والمخيال الإعلامي من بنات أفكار هذين الأبوين. ([61])
يتضح، أن مفاهيم المنظومة المعرفية الإعلامية لنظرية الحتمية القيمية في الإعلام المنتسبة لثلة من الباحثين في حقل علوم الإعلام والاتصال في الوطن العربي بقيادة العلامة عبد الرحمن عزي تَميل أكثر إلى المعيارية، ويحكمها المنهج المعياري (Normative Model) أو أنها تندرج ضمن المقاربات  المعيارية. بمعنى أنها أدوات رمزية نحكم بها على كون الظاهرة (هنا الإعلاميّة أو الاتصالية) مرغوباً فيها أو غير مرغوب فيها حسب فهمنا المتواضع للواقع.  وقولنا بأن هذه المفاهيم معيارية معناه، أيضاً، أنها تقع خارج نطاق الفحص التجريبي والإمبريقي كما أنها لا تخضع للقياس المباشر للظاهرة، فالقياس الوحيد الذي يضبط هذه المفاهيم هو القيمة التي مصدرها الدين فتكون هذه المفاهيم دالّة قيمياً أو غير دالة. ([62])
وتشكل مفاهيم نظرية الحتمية القيمية منظومة مفهمية جديدة في حقل علوم الإعلام والاتصال تعكس الموروث الثقافي والمعرفي القيمي الإسلامي  و تختلف عن ما يرد من الأدبيات الغربية التي سادت المنظومة المعرفية الأكاديميّة الإعلامية والاجتماعية في بلداننا منذ سبعينيات القرن العشرين.
فما ينبغي أن يكون عليه الإعلام في كتلة المجتمع الإسلامي و غير الإسلامي، هو أن يكون الاتصال نابعا  ومنبثقا  من  الأبعاد  الثقافية  و الحضارية  التي  ينتمي  إليها  المجتمع،  فالرسالة تكون هادفة نافعة إذا ما تمت في إطار أو تصور أو فكر أو انتماء .
و يقول عبد الرحمان عزي بأنه قد اتضح بأن الإسلام يقدم أنموذجا إعلاميا يقوم على فلسفة مغايرة لتلك التي تميز الإعلام الحالي ويوفر نظرة عن كل مكون من مكونات الإعلام، فالرسالة الإعلامية في الإسلام تهدف إلى تكوين الإنسان معرفيا، كما تتصف بالصدق والإنصاف، بحيث نجد صفة الصدق في الإعلام تستلزم: ([63])
صدق الخبر:الذي يعني الالتزام بالحقيقة والابتعاد عن الإشاعات والدعاية المغرضة حتى لا يصبح المجتمع في ريبة وشك.
صدق الصياغة: فالإعلام في صياغته للخبر ملتزم بأمانة الكلمة، فلا يعمد إلى التهويل أو استخدام أسلوب الإثارة أو الإيحاء بغير الحقيقة المجردة.
ولقراءة النظرية وفهمها فهما صحيحا قدم نصير بوعلي  في إحدى دراساته ما اصطلح عليه "بمفاتيح" النظرية، وتتمثل هذه المفاتيح استنادا إلى المقاربة البنيوية في: ([64])
1-إن نظرية الحتمية القيمية في الإعلام كبنية تتضمن عناصر البناء التالية:
أ‌-                   علوم الإعلام والاتصال كمادة خام.
ب- الفكر الاجتماعي المعاصر في القرن العشرين كمادة مستوردة.
ج- التراث العربي الإسلامي على سبيل الاجتهاد وليس النقل كمادة محلية.
د- القرآن الكريم بمثابة الاسمنت الذي يمسك النظرية بإحكام.
2- أسبقية النظرية ككل على الأجزاء: فنظرية الحتمية القيمية في الإعلام هي ذلك الكل المركب من دراسات وأبحاث نظرية عبد الرحمن عزي، ويستحيل فهمها ما لم يكن هناك إلمام بعدد معتبر من دراساته التي تزيد عن خمسين دراسة تنطلق كلها تقريبا من إشكالية واحدة هي كيفية فهم الظاهرة الاتصالية والإعلامية فهما قيميا وحضاريا.
3- أسبقية العلاقة على الأجزاء أو القيمة المحددة لها: تتضح هذه النظرية أكثر عند إمعاننا النظر في العلاقة التي تحكم دراسات عزي عبد الرحمن، لأن ذلك سيقود إلى التغلغل في الدواخل وتوليد المعاني العميقة للنظرية(...) وتعتبر القيمة هي الحلقة أو العلاقة بنيويا التي تمسك أبحاث المفكر وتجعلها مساقط لا تتحرك إلا ضمن دائرة النظرية.
4- إن عناصر نظرية الحتمية القيمية لا تحمل أي معنى إلا في إطار السياق العام؛ أي يجب استحضار العوامل الاجتماعية والثقافية والحضارية والتاريخية التي ساعدت على تبلور هذه النظرية.
من هذا المنطلق يمكن اعتبار اعلام الفكرة عند عزي عبد الرحمان يتكون في الموضوعية و يتجسد في العلمية ويتركز على الذاتية ، وإن مرتكزات البعد الفكري لديه تتمثل في الشمولية في الرؤية، التفكير في المعاني ، والإحاطة بمــــــعاني الشيء، الوعي المطلوب، استخدام العقل لإدراك الغايات و أخيرا الارتكاز إلى القيمة ( القيم ) . ([65])
يبدو أن أطروحاتعزيمجاليخضعأكثرللتأملالفلسفي، وتقترحهذهالمفاهيمتأويلاًيعطيلهامعنىيجعلهاذاتمغزىفيالبيئةالفكريةوالأكاديمية. معالإشارةإلىأنهذهالنظريةالإعلاميةلاتلغيالنظرياتالإعلاميةالأخرىالمعروفةعلى الساحةالعربيةوالغربيةبلتلتقيمعهاعلىبعضالمستوياتالإمبريقيةوالمنهجيةوالمعرفيةوتفترقعنهاعلىمستوىالقيمة. أيالمعيارالحضاريوالقيميالذيتتحركفيإطاره محتوياتومضامينهذهالنظرية،فهيبخلافنظريةالعالمالكنديمارشالماكلوهان كمتغيرأساسيفيالظاهرةالإعلامية. كماتعّدهذهالنظرية،أي"الحتميةالقيمية"،نقداًغيرمباشرلنظريةالحتميةالتكنولوجيةالمنتسبةإلىمارشالماكلوهان،باختلاف الأزمنةطبعاً،فنظريةماكلوهانتعبّرعنالتطورالتكنولوجيوالتقنيالذيميّزظهورالتلفازوالكومبيوتروتطورهمافيالستينياتوالسبعينياتمنالقرنالماضيوظهورمفهومالقرية الكونية  (Village Globale) فيأدبياتماكلوهان،بينماتعبّرالحتميةالقيميةالمنتسبةإلى العلّامةالعربيعبدالرحمنعزيعنصراعالأفكاروالأيديولوجياتوالقيمبينكتلةالمجتمع الغربيوكتلةالمجتمعالعربيوالإسلاميفيالتسعينياتمنالقرنالماضيوأوائلالألفيةالثالثة. في الأخير نقول، إن فهم واستيعاب مضامين هذه المفاهيم (وهي كثيرة) يشترط فهم السياق (Context)  الذي وردت فيه، وفهم السياق يقتضي توليداً للمعاني العميقة والدّواخل في النص مع شرط آخر أيضاً هو امتلاك القارئ لنظرية ذاتية فكرية وفنيّة عالية([66])

ج‌-   الدور التكاملي لبحوث الإعلام والاتصال: ما يجب أن يكون
من خلال ذلك تتجلى لنا أبعاد الوظيفة الاجتماعية والثقافية المنوطة بالبحوث الإعلامية للقيام بأدوارها في إثراء المعرفة العلمية في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية أولا، ثم النهوض بالإعلام كمهنة وكحقل علمي متخصص ثانيا. و إذا كان على علوم الإعلام والاتصال أن تنهض بمهامها فإن الضرورة تستلزم إعادة تنظيم بنيته  من الداخل وهناك عدة  مهام عاجلة:
1-   ضرورة تجديد أبعاد هذا التخصص بدقة، وقد أبدى بعض علماء الاجتماع والاتصال اهتماما بهذه النقطة في السنوات الماضية، ولكن لم يتم حتى الآن الاتفاق على وضع مفهوم دقيق للنواة الأساسية لهذا التخصص. ([67])
2-   الاهتمام بإرساء بنية بحثية مستقلة تحظى بالاعتراف والاحترام اللائق من جانب فروع المعرفة العلمية الأخرى في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال إرساء نظام متكامل ومتسق يضم مجموعة من الفرضيات والافكار والمناهج أدوات التحليل والبرهنة ترتبط بصورة جدلية بالظواهر الإعلامية في سياقها المجتمعي والتاريخي والحضاري.
3-   تعددية المداخل والمقاربات المنهجية وتنوع الأدوات البحثية. ([68])
4-   وضع الفروض بعيدا عن المسلمات التقليدية المستقاة من البحوث الإعلامية التي أجريت في سياقات اجتماعية وتاريخية أجنبية.
5-   دراسة العمليات الاتصالية في إطار تكاملي لا يستبعد أي طرف من أطرافها، وتشمل منتج المادة الإعلامية –الوسيلة- المضمون-الجمهور-السياق المجتمعي والتاريخي والحضاري.
6-   العمل الجماعي في إطار البحوث الإعلامية، ومع التخصصات الأخرى وتكوين فرق بحثية تقوم برصد وتوصيف وتحليل الظواهر الإعلامية وتقييم الجهود البحثية وتطوير المناهج والأساليب البحثية بما يتفق مع واقع واحتياجات المجتمعات العربية والإسلامية. ([69])
خاتمة:
نستخلص مما سبق  أننا مازلنا بعيدين عن تشكل تخصص علمي إنسانيحضاريفي حقل علوم الإعلام والاتصال، وبناء هذا التخصص ضمن سياقه الثقافي والاجتماعي والقيمي لا يمكنه أن يتحقق إلا من خلال تعاون وتكامل معرفي ومنهجي مشترك بين العلوم الإسلامية وعلوم الإعلام والاتصال، وبالرغم من أن هذه العلوم  تبحث عن ثقافة التواصل في بنائها ووظيفتها، وفي تأثيرها وتاريخها فهي تواجه تحديات لتكون مثالا لتأسيس مقاربة جديدةتعكس تجاوز حدود التخصصات المعرفية، وفي ذات الوقت تعمل على تشكيل توجه علمي ثقافي جديد في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية.
و تثار هنا قضية الوعي و المسؤولية العلمية والأخلاقية للباحثين الإعلاميين العرب المسلمين لتجاوز الأزمة التي تعترض علوم الإعلام والاتصال من خلال التصدي لتناول التراث العالمي في هذا المجال بمنظور إيبيستيمولوجي متكامل، فضلاً عن ضرورة إعادة النظر في رصد مفردات أو إشكاليات بيئتنا الاتصالية والثقافية والتمييز بين إيجابيات التراث المعرفي الغربي وسلبيات تعميمه، خصوصاً في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية وعلى الأخص حقل الاتصال والإعلام. ويستلزم ذلك إجراء مراجعة نقدية للتراث العلمي في بحوث الاتصال التي أجريت في الإطار العربي ومحاولة استكشاف أسباب تكرار مواضيع معينة وتجاهل مواضيع أخرى أكثر أهمية وأكثر عمقا التصاقاً بواقع الإعلام العربي.
وتتم الإجابة عن الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الواقع الإعلامي بالوصول إلى تأسيس الأطر النظرية الملائمة والقادرة على تفسير الكثير من الظواهر الإعلامية التي يزخر بها العالم العربي الإسلامي، ومن ثم الوصول إلى الإجابات الصحيحة مع عدم إغفال الاهتمام بدراسة تاريخ الإعلام العربي كموروث ثقافي وفقا لسياقاته الاجتماعية والفلسفية والسياسية والفكرية والأخلاقية والقيمية. وهذا هو السبيل الوحيد الذي يتيح لنا إمكان التوصل إلى بناء نسق نظري  معرفي عام يفسر الواقع الإعلامي العربي الإسلامي المعاصر في إطار استمراريته التاريخية والحضارية.
فالتكامل المعرفي في جامعاتنا العربية والإسلامية من شأنه أن يسهم في تكوين النظام المعرفي الخاص بمجتمعاتنا ومن ثم يعمل على تجذر العلوم وفقالاستراتيجية حضارية تسعى إلى رسم المنظور التكاملي للعلوم الذي يحتاج إلى كثير من الإضاءة والتحليل في بحوث مستقبلية.

قائمة المراجع:
1-      القرآن الكريم :سورة يونس ، الآية42 .
الكتب:
2-     عبد الرحمان عزي ، الفكر الاجتماعي المعاصر والظاهرة الاتصالية :بعض الابعاد الحضارية، ط1، دار الأمة ، الجزائر،1995.
3-     عواطف عبد الرحمان، النظرية النقدية في بحوث الإعلام، دار الفكر العربي، القاهرة، 2002. عبد الرحمان عزي ، دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر علامي متميز، سلسلة كتب المستقبل العربي28،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2003.
4-     نصير بوعلي،الإعلام والقيم: قراءة في نظرية المفكر الجزائري عبد الرحمن عزي، دار الهدى، عين ميلة-الجزائر 2005م
5-     نصير بوعلي ، الإعلام والبعد الحضاري: دراسات في الإعلام والقيم، دار الفجر ،الجزائر ،2007.
6-     محمودمحمدقلندرومحمدبابكرعوض: اتجاهاتالبحثفيعلمالاتصال،دارالفكر،دمشق،2009.
7-     السعيد بومعيزة حوار مع عبد الرحمان عزي على موقع البوابة العربية لعلوم الاتصال www.arabmedia studies ، " عودة إلى نظرية الحتمية القيمية الإعلامية واستنطاق الصامت"،في  كتاب إعداد نصير بوعلي وآخرون: قراءات في نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، دار إقرأ، قسنطينة- الجزائر، 2009، ص177-200.
8-     محمود قلندر، "الحتمية القيمية الإعلامية :مقاربة أصيلة لعلوم الاتصال"، في نصير بوعلي وآخرون، قراءات في نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، منشورات مكتبة إقرأ، قسنطينة ،2009.
المقالات:
9-     عبد الرحمان عزي، " ثقافة الطلبة والوعي الحضاري ووسائل الاتصال: حالة الجزائر"، المستقبل العربي، بيروت، العدد164، أكتوبر1992.
10-عبد الرحمان عزي، "الإعلام والبعد الثقافي : من القيمي إلى المرئي"، المجلة الجزائرية للاتصال، معهد علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر، العدد13، جانفي–جوان 1996.
11-عبد الرحمان عزي ،"نحو تكامل العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية " ، مجلة التجديد ، العدد2، السنة الأولى، الجامعة الإسلامية العالمية، ماليزيا، يونيو1997.
12-نصير بوعلي، " مفاتيح نظرية الحتمية القيمية في الإعلام؛ مقاربة بنيوية"، مجلة كنوز الحكمة، العدد الثاني، مؤسسة كنوز الحكمة، نوفمبر 2009.
13-            عبد الأمير بكر تركي، "استخدام مداخل التكامل المعرفي في التطوير التنظيمي لمنظمات الخدمة العامة"، مجلة كلية بغداد للعلوم الاقتصادية، العدد 12،2006.
المواقع الإليكترونية
14-حسين زين الدين، " نحو نسق فكري إسلامي" ، مؤتمر التكامل المعرفي الحلقة الدراسية الإقليمية، السودان - الخرطوم: بين 7 - 9 أكتوبر 2009م، مجلة الكلمة: العدد66، شتاء 2010، http://www.kalema.net/v1/?rpt=943&art، تاريخ الزيارة 13/08/2015. 
15-حنان عبد المجيد،" العلاقة بين علم الاجتماع والعلوم الدينية "، دورة: بين علوم الشريعة والعلوم الاجتماعية والإنسانية والكونية، المعد العالمي للفكر الإسلامي،19يونيو،2012
16-http://arabic.iiit.org/Default.aspx?tabid=71&articleType=ArticleView&articleId=88، تاريخ الزيارة 22/08/2015.
17-            خالد الدخيل، "الفلسفة والدين... ابن رشد وراسل"، مجلة شؤون خليجية، العدد51،18أكتوبر2015 ، http://alkhaleejaffairs.news/main/Content/%D8، تاريخ الزيارة 20/10/2015.
18-            رضوان ضاوي، " قـــراءات: ثقافة العلوم الانسانية "،موقع رباط الكتب، 23 مارس 2013، http://ribatalkoutoub.com/?p=985، تاريخ الزيارة: 10/10/2015.
19-زكي الميلاد، "التكامل المعرفي بين العلوم في رؤية علماء الطبيعيات المسلمين المعاصرين"، مجلة الكلمة: العدد65، خريف 2009، http://www.kalema.net/v1/?rpt=915&art، تاريخ الزيارة 15/09/2015.
20-عواطف عبد الرحمان،"فجوة العقل الإعلامي"، مجلة الحياة، العدد15223، 02/12/2004،
21-http://daharchives.alhayat.com/issue_archive/Hayat%20INT/2004/12/28.html،تاريخ الزيارة:22/09/2015.
22-عمر عبيد حسنه، "توطين العلوم في الجامعات العربية والإسلامية رؤية ومشروع"الفصل الخامس:- التكامل بين العلوم وبناء المناهج التعليمية، الموقع إسلام ويب : المكتبة الإسلامية، د.ت،http://library.islamweb.net/newlibrary/display_umma.php?lang=&BabId=1&ChapterId=6&BookId=2116&CatId=201&startno=0، تاريخ الزيارة 22/07/2015.
23-فتحي حسن ملكاوي، "قراءة في كتاب: منهجية التكامل المعرفي: مقدمات في المنهجية الإسلامية"، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط: الأولى، الرباط، المملكة المغربية، 2012، 10/8/2012.
http://www.nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?Id=145، تاريخ الزيارة : 25/07/2015
24-فتحي حسن ملكاوي، "قراءة في كتاب: منهجية التكامل المعرفي: مقدمات في المنهجية الإسلامية"، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط: الأولى، الرباط، المملكة المغربية، 2012، 10/8/2012.http://www.nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?Id=145، تاريخ الزيارة : 25/07/2015
25-فتحي حسن ملكاوي، "مفاهيم في التكامل المعرفي"، المركز العربي للأبحاث والدراسات، الأربعاء 10 أغسطس 2011، http://www.veecos.net/portal/index.php?option=com_content&view=article&id=6512:2011-07-25-21-27-28&catid=24:sceintific-articles&Itemid=21، تاريخالزيارة22/07/2015
26-مدحت ماهر الليثي،  "العلوم السياسية" ومنهجية البحث فيها!"، دورة بين علوم الشريعة والعلوم الاجتماعية والإنسانية والكونية، المعد العالمي للفكر الإسلامي،19يونيو،2012
27-http://arabic.iiit.org/Default.aspx?tabid=71&articleType=ArticleView&articleId=88، تاريخ الزيارة 22/08/2015.
28-محمود قالندر،" التكامل المعرفي وتوطين العلوم الحديثة:الحتمية القيمية في طرح النماذج التطبيقية: مقرر الاتصال والمجتمع نموذجا"، جامعة البحرين،موقع نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، د.ت، https://sites.google.com/site/valuemediadeterminismtheory/tawtin، تاريخ الزيارة:23/09/2015
29-http://sites.google.com/site/valuemediadeterminismtheory
30-نصير بوعلي ،"مفاهيم نظرية الحتمية القيمية فيالإعلام: عند عبدالرحمن عزي: مقاربة نقدية"، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ،العدد422 ، السنة36، أفريل 2014www.caus.org.lb/.../mustaqbal_422_nasir_bou_ali.pdf تاريخ الزيارة 13/07/2015. 
31-هـانس روبيـرت ياوس،  "السـؤال المفتـوح والجـواب الحتمـي نموذجيـة العلـوم الإنسـانية فـي حوار التخصصـات"،ترجمه عن الألمانية رضوان ضاوي، موقع أرنتروبوس : الموقع العربي الأول للأنثروبولوجيا والسوسيوأنثروبولوجيا 24 فيفري2015  http://www.aranthropos.com، تاريخ الزيارة: 12/09/2015.
32-يورغين ميتلشتغاس، " العلوم الإنسانية في نظام العلم" ،ترجمة رضوان ضاوي، ، مجلة جيل للدراسات الأدبية،لبنان، العدد الأول، ديسمبر2013، http://jilrc.com، تاريخ الزيارة 02/10/2015.