نعي الصحافة "المستقلة"

عبد الكريم تفرقنيت
أكاديمي وكاتب صحفي

سيتم بيع إحدى أكبر الجرائد، وأكثرها انتشارا وسحبا على المستوى الوطني لرجل أعمال كبير، وستبدأ مرحلة جديدة في الاعلام المكتوب، ستزول فيها ملكية الصحفيين للجريدة ، وتتكرس صحافة المال، وصناعة النفوذ السياسي لرجال الأعمال، وستتبخر طموحاتنا نحو الاستقلالية والصدقية ...
أقصد بالصحافة "المستقلة" ، تلك الجرائد التي أنشئت بفعل تعليمة حكومة رئيس الحكومة الأسبق حمروش في مارس 1990 ، حيث تم السماح بإنشاء تعاونيات اعلامية مكونة من اعلاميين كانوا يشتغلون في الجرائد التابعة للقطاع العمومي (الحكومي ) بعد تسهيلات عديدة، أهمها تسبيق أجورهم لمدة ثلاث سنوات ، ودعمهم بقروض مالية وتسهيل عملية الطباعة ، وعدم دفع الضرائب لمدة خمس سنوات.


وحتى، إن كنت غالبا ما أرفض توصيف هذه الجرائد بالمستقلة، وأفضل كلمة جرائد خاصة، كون الاستقلالية كلمة تحمل معاني جوهرية تعني ابعاد طابع تبعية وخضوع هذه الجرائد لجهات مالية أو سياسية أو اقتصادية معينة ، وهذا ما يجعل من الاستقلالية صعبة التحقيق ...
لكن اذا اعتمدنا عامل النسبية ، فأنه يمكن اضفاء بعض الاستقلالية النسبية على هذه الجرائد عندما نقارنها مع جرائد أخرى خاضعة للحكومة أو تابعة لأصحاب أموال ورجال أعمال. فهي مستقلة نسبيا، وقد لاحظت أن درجة هذه الاستقلالية ترتفع وتنخفض حسب الظروف والمعطيات الموجودة على الساحة الوطنية من حدث لآخر ، ومن فترة لأخرى... 
ومن خلال تجربتي، أسجل أنني كتبت تعليقا أو شبه عمود "مجرد رأي" في جريدة " الخبر" ما يقارب ثلاث سنوات من سنة 2005 إلى سنة 2008 ، مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع ، ولم أتعرض فيه للرقابة رغم طابعه النقدي اللاذع ، فقد كان أخي وصديقي، رئيس التحرير عثمان سناجقي – رحمه الله - يوجه لي ملاحظات بعد صدور المقال في إطار نقاش ، وليس في إطار توجيهات . 
لماذا ننعي الصحافة " المستقلة" ، الآن ، فالنعي يكون بعد الموت ، وليس قبلها ، لكن في الموضوع الذي نتطرق إليه ، يبدو موت الصحافة " المستقلة " يكاد يكون واضحا وجليا ، وإن كانت بعض سكرات هذا الموت بدأت تظهر منذ مدة مثل بقاء هذه الصحافة دون أي تقدم في وسائلها وفي محتواها وفي قدراتها الاعلامية . 
لكن حاليا، ظهرت العلامة الكبرى لموتها بصفة نهائية ، حيث سيتم بيع إحدى أكبر هذه الجرائد وأكثرها انتشارا على المستوى الوطني ، بيع أغلبية الأسهم لرجل أعمال كبير، ، وقد وضعت اللمسات الأخيرة للعملية . و بيع جرائد أخرى في الطريق ...

وأسباب هذا الفعل القاتل، تتحمله عدة أطراف، أولها :السلطات العمومية التي لم تستوعب فكرة أن هذه الجرائد خرجت عن طوعها و ثانيها :أصحاب هذه الجرائد، الذين لم يواكبوا التطورات، وثالثها المجتمع المدني الذي لم يدافع عن صحافة كانت منبرا له ...
ومهما كان الحال، فان النتيجة المؤلمة والقاسية هي بداية زوال أفكار آمنا وساهمنا في التأسيس لها من خلال هذه الجرائد ، وهي حرية التعبير، الموضوعية الصدقية ، واحترام المواطن والقارئ أولا وأولا وأولا ...