البروفيسور لعربي فرحاتي في حوار حصري لمدونة "عن كثب": طبيعة النقاشات بين النخب العلمية عندنا يتحكم فيها غياب القلق المعرفي الإيجابي الضروري لأي انبعاث جامعي عربي خارج الباراديغم العلمي الغربي

في إطار النقاش المفتوح الذي دعت إليه مدونة عن كثب حول وضعية البحث العلمي في الجامعات الجزائرية، يسعدني ويشرفني أن يكون افتتاح هذا النقاش بهذا الحوار المتميز والعلمي الهادئ، مع أحد أعمدة جامعة باتنة البروفيسور لعربي فرحاتي عضو هيئة تدريس شعبة علم النفس بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية. فمتابعة مفيدة وممتعة، عسى أن تستفز افكاره ورؤاهم زملائي وأساتذتي للمشاركة في هذا الحوار والنقاش الذي نبتغيه أن يكون حضاريا علميا وحرا.

البروفيسور لعربي فرحاتي

مدونة عن كثب: قدمتم منذ أيام محاضرة بجامعة البليدة تحت عنوان"مسار جودة الجامعة الجزائري"، انطلاق من هذه المحاضرة، كيف تقيمون واقع البحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية وتوجهاته في المنطقة العربية عموما ، وما موقع الجزائر من ذلك؟



البروفيسور لعربي فرحاتي:

 بداية أشكركم وأحييكم على فتح هذا النقاش الهام حول البحث العلمي في جامعاتنا وأعود إلى سؤالكم، فالمحاضرة التي القيتها في جامعة البليدة والتي كانت حول مسار جودة الجامعة الجزائرية. يمكن إدراجها ضمن الرؤى النقدية لتجربة الجامعة الجزائرية  من الداخل في ضل تطبيق معايير الجودة. حيث أرقني كثيرا الاقصاء المتكرر لجامعاتنا من التصنيف العالمي، وحاولت أن أقف على مسافة واحدة من رؤية الايجابيات والسلبيات في تجربتنا. حتى أتمكن من إدراك أفضل للموقف الموضوعي حيالها .
فالتجربة باختصار وكما هو معلوم اعتمدت صيغت "ضمان الجودة " في تطبيق نظام ( ل.م.د) من حيث هو في ذاته نموذج حديث من نماذج جودة التعليم الجامعي يوصف بالعالمي، وهي صيغة تهتم بالشروط الموضوعية للجودة بدلا من الاهتمام بالمنتوج ذاته،ويعتقد أنها صيغة بإمكانها أن تجيب عن أسئلة المنهج وأسئلة البحث العلمي وأسئلة التدريس وأسئلة المحيط، ولذلك نجدها تجربة أكثر تركيزا على تهيئة الشروط الفيزيائية للجودة وتكييف النظام وإعادة الهيكلة. فاهتمت في مجال الزمن البيداغوجي بالمراحل فقلصته عبر  تقنية التكثيف، وفي مجال هيكلة المعارف، استحدث الميادين والشعب وفرق التكوينمنتجة للعروض التكوينية، واهتمت بالبحث العلمي فأسست المخابر العلمية ومشاريع البحث متعددة الصيغ .

وبهذه المرفولوجيات الهيكلية توارى تدريجيا عهد الوصاية الفوقية فيتقرير المعرفة العالمة والمعرفة الجامعية التدريسية لصالحاللامركزية، وابرز ايجابية نسجلها في هذا المجال هو تحرير البرامج الجامعية (المناهج) من الهيمنة المركزية وافساح المجال للحرية الأكاديمية للأساتذة في أن يتشكلوا بحرية في جماعة تكوينية، ووضعهم إزاء مسؤولية مواجهة صعوبة إنتاج عروض التكوين وهيكلة المعرفة العالمة في نطاق التجربة السوسيولوجية المحلية، وهو ما قاد الجامعة إلى التنوع فيالتكوين، وإطلاق المبادرات المحلية، واستعادة الثقة في الأستاذ المكون، ومن المفترض بهذه الإجراءات الهيكلية أن يتحول الأستاذ الجامعي من مسوق وسيطللمعرفة، إلى باحث منتج للمعرفة، أو مستهلك واع، وتتحول الجامعة من الرقابيةوالتنظيمية إلى إدارة التنوع، وإلى هيكلة للوسائل الديداكتيكية، وفلسفة التحسين المستمر للتنوع المعرفي في المسارات من أجل الاختيار الحر، ويتحول الطالب إلى زبون يختاروفق حاجاته من العروض التكوينية،ووضعت الجامعة في تأهب للمنافسةوالمكافحة من أجل البقاء محليا ودوليا، وافتكاك مكانة في التصنيف العالمي، حيث تعددت جهات التقويمات والمحاسبات ( اسرية، اجتماعية، مؤسسية، حكومية، دولية )
غير أن تجربة جودة الجامعة ـ بما هي اقتباس من تجربة عالم الاقتصاد ـ تعاني عالميا عوائق سيكولوجية، وخطورة سوسيولوجية، فالعوائق تتعلق بصعوبة تقبل جملة من التحويلات القسريةفي نطاق قيم السوق( تحول الطالب إلى زبون والأستاذ إلى عارض للبضاعة والمعرفة إلى سلعة والجامعة إلى مؤسسة للتسويق والتقويم إلى مراقبة ...الخ .  وتقابلها مخاطر التوجه السوقي العالمي يمكن اختصارها في ما أسميه مشروع التفكيك اللبيرالي( تفكيك الهوية، تفكيك المؤسسة، تفكيك الفرد، تفكيك القيم، ...الخ ) .
وتعاني التجربة محليا من القفز على الواقع وأسئلة الاصلاح الهيكلي ضمن مناخ بالغ الرداءة ومواجهة قاتلات أو مهلكات الجودة( الغش، الصراع اللغوي، الهدر الجامعي، البيروقراطية، الإكراه، اليأس، التصلب المعرفي، الإستهتار،اللامعيارية طلابية..الخ) .
وأعظم ما تعانيه التجربة في مجال تحرير المناهج هو الضعف الشديد للأستاذ في كفاءة النقل الديداكتيكي وانعدام خبرة تكوين البرامج وغياب ملمح الخريج وجهل كلي بالمحيط وحاجاته وبالتالي بقي التدريس تقليدي كما هو في شكل محاضرة يتبعها محاضرة اخرى تسمى التطبيق. 
والحديث عن جودة البحث العلمي بعد هذه التجربة حديث ذو شجون وقد يكون مؤجلا في سياسة الوصاية الى أجل غير مسمى، ويكون الحديث عنه بالتالي سابق لأوانه حيث غياب كلي لفلسفة البحث وضبابية قاتمة في أهداف المخابر العلمية وإسقاط كلي لتحفيز  الباحث وتجهيز المخبر وفق شروط الجودة ...الخ. 
وتعاني التجربة من قصور في مواجهة سؤال المحيط حيث قزم في شحت المناصب،وقزم الطلب الاجتماعي في ما هو راهن وامتصاص البطالة وافتكاك طاقة الرضا، وإجراء فتح شكلي للحاضنات المهنية وغياب كلي للشريك الاقتصادي والاجتماعي. 
وأمام هذه الصعوبات بقيت تجربة (ل،م،د ) بما هي تجربة في الجودة متعثرة إن لم نقل متأزمة بما تعيشها من مقاومات طبيعية للإصلاح من حيث هو إصلاح هيكلي بيروقراطي يحشد كل امكاناته لاستنبات نظام جامعي من أصل ليبرالي في قيمه، ومقاولاتي مفتوح في محيطه، وقائم في توجيهه البيداغوجي على تربية الاختيار ودينامي في سوسيولوجته ومفتوح غير يقيني في علومه،... واستنباته عنوة في مجتمع مركب فاقد لمشروع مجتمعي، مغلق في مؤسساته، قائم في نظامه التوجيهي على توزيع المناصب ، يقيني دوغمائي في علومه المستعارة . فانتهى الاصلاح بعد أزيد من ثلاثة عشرة سنة إلى أشبه ما يكون بالمغامرة ـ إن لم نقل مقامرة ـ تهدد التجربة ذاتها .فنحن أمام سؤال الجودة من جديد . ولا أعتقد أن يكون للترميم أية فائدة ما لم نطرح الاصلاح كما لو أنه يواجهنا على مستوى الانتقال من التأسيس البيروقراطي للجامعات الذي طال أمده أكثر من خمسة عقود، إلى تأسيس المشروع المعرفي للجامعة، ومن الطبيعي أن ذلك دونه خرط القتاد كما يقال يتعلق بمواجهة العقبة من حيث هي بمفهومها القرآني ليست إلا الحرية من البيروقراطيات والهيمنات واليقينيات والدوغمائيات ...
ولذلك طرحت في المحاضرة السؤال من جديد مفاده ما ذا نحتاج ؟ 
هل نحتاج إلى الخوض مع الخائضين؟ أم إلى إصلاح الإصلاح ؟ أم ثورة على الإصلاح ؟هذا ما نهدف إلى معرفته من الحوارالجامعي المسئول إن شاء الله

مدونة عن كثب: لماذا برأيكم لا نشهد نقاشات علمية جادة على الساحة الأكاديمية في المنطقة؟ وإلى أي حد تساهم النخبة في استمرار هذا الوضع؟



البروفيسور لعربي فرحاتي:

في الحقيقة توجد نقاشات بين النخب العلمية وتوجد مقاربات عدة متنوعة للمشكلة ولكن واقعها " جعجعة بلا طحين" كما يقال، وإن بدت في بعضها جادة وذكية، لسبب جوهري ـ كما أرى ـ  يتعلق بغياب المشروع العلمي للجامعة تبعا لغياب مشروع المجتمع المتوافق عليه، وانهاء أزمات في الهوية الوطنية والعربية وهيمنة المنطق البيروقراطي. فهذه الوضعية جعلت منا ذوات ومؤسسات وسياسات مغلقة متماسفة (مسافات) ولو تجاورت وتقاربت،وكاد النخبوي أن يصبح مجرد كائن للاستعمال والتوظيف البوليتيكي، خاليا من الذهنية الحوارية، كما نرشح غياب الدهشة والإندهاش المعرفي، أو ما يسمى بالقلق المعرفي الإيجابي الضروري لأي تأسيس وانبعاث جامعي عربي خارج الباراديغم العلمي الغربي، من حيث هو باراديجم في غير تناغم ولا تساوق مع هويتنا المعرفية السيكولوجية من حيث هي تلك ما يطلق عليها في التفكير المؤسسي بـ "الثنائية الحرجة" وتقتضي إعادة قراءة التجربة الغربية العلمية المستعارة ـ في الانسانيات خاصة ـ في نطاق تجربتنا التاريخية السوسيولوجية والسيكولوجية، سيما وأن الإقرار بأزمة هذه العلوم تأكد في أكثر من دراسة عربية، وتبقى عوامل القدرات الذاتية كالذكاء والارادة في مواجهة المشكلة وبيروقراطية البحث وصنمية التقنيات المنهجية عوامل معيقة مضافة مثقلة لكل وثبة، لا تساعد على انتاج البراديجم العلمي،وقد يعود سبب هذا الغياب للتوتر المعرفي إلى عوامل تاريخية وسياسية بما فيها غياب الحرية الفكرية والأكاديمية الناقدة وتقدير الذات الأكاديمية، وبعضها إلى ضعف التكوين العلمي للنخب العربية،تبعا لغياب هدف انتاج المفكر في منظومة الجامعات العربية وترك ذلك للطفرات والصدف. فغابت بالتالي الجرأة اللازمة لمواجهة الصعوبة واقتحام العقبة عن كل ما يمكن أن نصنفه ضمن النخبة .

مدونة عن كثب:  تتعدد وتتنوع المجلات العلمية المحكمة التي تصدرها مختلف الجامعات العربية، ولكن يبدو جليا أن ما ينشر فيها لا يعدو أن يكون اجترارا وتكرارا، متى نشهد بحوث نوعية تخرج من النمطية السائدة؟



البروفيسور لعربي فرحاتي:

المظهر التعددي للمجلات الجامعية المحكمة لا يعدو أن يكون تعددا للواحد، فلا يتردد أي ملاحظ ولا يحتاج إلى أي جهد إضافي بأن يصف ما ينشر بالسطحية والرداءة ـ مع الاحتفاظ بالنسبية ـ وأعتقد أن ذلك يعود إلى جملة من الاكراهات كإكراهات الترقية، وإكراهات الوقت، وإكراهات أو صنمية التقنيات المنهجية وبيروقراطية البحث العلمي على حساب المضمون، وكذا تأثيرات وهم الرقم والغلو في الامبيريقيات وتجزيئ الظواهر والانحياز إلى ما أسميه بثقافة "الصاندوتش وهات من الآخر" فكل ذلك وغيره مما أعده حجب لرؤية الكليات وضعف في فقه سنة الوصل وانفصال الأشياء في نطاق التجربة التاريخية الزمنية اللازمة للتنظير العلمي وتكوين جهاز مفاهيمي ابستمولوجي واللازمة لتحويل المعرفة العالمة إلى سياسات مهنية وأدوار اجتماعية منتجة .

مدونة عن كثب: ما هي قراءتكم لمستقبل البحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجزائر؟ وما هي اقتراحاتكم في سبيل تفعيل البحوث المنتجة على مستوى الجامعات الجزائرية؟



البروفيسور لعربي فرحاتي:

قد تكون قراءتي متشائمة للوضع إلا أنني أريدها أن تكون محفزة لتحمل مسؤولية اقتحام العقبة وما أدراك ما العقبة، انها فك رقبة . الحرية .
والحرية تقتضي :
إعادة النظر في الاصلاح الجامعي في نطاق التجربة التاريخية وتحديد وظائف للتعليم العالي والبحث العلمي في نطاق المشروع المجتمعي، ويقتضي ذلك وضع العلم الجامعي موضع المهام التالية (الاصالة، الجدة، التنوع، الفعالية الوظيفية الحضارية) وبهذا يتسنى لنا امكانية نقل الجامعة من البناء البيروقراطي المؤسسي وانتاج كم هائل من القوانين إلى بناء جامعة الفكرة وانتاج كم هائل من المعارف لتصبح الجامعة قوة للمجتمع، لا قوة للدولة الانتفاعية الريعية المتحالفة اليوم مع الموركانتليزم.
مجرد رأي قد لا يخلو من الانطباعية
والله أعلم .