رقعة شطرنج الشرق الأوسط ..... أقطاب ، فواعل ، وبيادق

د.لزهر وناسي

يمكن تسمية القرار الأممي 2254 بشأن حل الأزمة السورية بقرارا " تسوية واشنطن – موسكو "؛ وقد سبق وأن كتبنا حول لحظة الطلق السورية وألام مخاض شرق أوسط جيوبوليتيكي جديد بعنوان كيري –لفروف ينهي سياكس- بيكو، ويعيد رسم الخرائط الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط كمرحلة أولى و صولا إلى ترتيب هيكل النظام الدولي في مرحلة لاحقة ، ويمكننا تسجيل الملاحظات الأولية التالية:

1- استمرار الصراع على هوية النظام الدولي بين دعاة الأحادية القطبية و أنصار التعددية القطبية ، مع الإقرار بالفوضوية كثابت وحيد في السياسة الدولية، و تأكيد فرضية المرحلة الانتقالية للسياسة العالمية ما بعد نهاية الحرب الباردة. وعلى هذا المستوى يمكن تصنيف القوى مثلا بصيغة خمسة نجوم بالنسبة للعم سام ، وأربع نجوم بالنسبة للدب الروسي.

2- مركزية العامل الجيوبوليتيكي كمتغير رئيس في تحديد تفاعلات البنية الجديدة ، ووفي بناء اصطفافات الفواعل و في تشكيل الأحلاف و إعادة تعريف المصالح ، مثلما كان العامل الإيديولوجي مركزيا في بنية الثنائية القطبية .
3- إعادة مبدأ توازن القوى الموسع إلى السياسة العالمية كناظم لإدارة المصالح المتضاربة بين فواعل البنية الدولية، وإنعاش دور الأمم المتحدة في إضفاء الشرعية الدولية على التسويات التفاوضية المتوصل إليها بشأن كعكة المصالح.
4- تستمر الجغرافية المتوسطة للعالم القديم في لعب دور رقعة الشطرنج من المستوى الثاني بين اللاعبين الاستراتيجيين العالميين، ونيل صفة الإقليم الحاسم، مع استمرار اللعبة اللاصفرية، وعدم حسمها لصالح أي من أقطاب السياسة العالمية . 
5- على مستوى الإقليم الحاسم، تشتعل مباراة التنافس على صفة القطب الإقليمي بين اللاعبين الإقليمين المتحفزين، و تستمر مفاعيل التوتر المحكوم حول الصراع على صفة الإقليم القطب و القطب الإقليمي الأهم تحت سمع و بصر القطبين العملاقين، وما يتبعه من انشاء تحالفات عسكرية و محاور جيوبوليتيكية، حيث تواصل إيران بتؤدة لافتة و ذكاء استراتيجي تعزيز مكانتها الإقليمية، و تنشيط دورها الجيوسياسي والاستثمار بشكل جيد في المرحلة الانتقالية التي يمر بها النظام الدولي مابعد نهاية القطبية الثنائية، بتفكيك الالغام الحصار والعزلة المزروعة في البيئة الاقليمية من قبل الاستراتيجيات المضادة، واثبات ذاتها كلاعب إقليمي جيو استراتيجي لا يمكن تجاهله في أية ترتيبات جيو أمنية للإقليم. كما تستمر مشاغبات تركيا بحثا عن مكانة الزعيم الإقليمي وفق مبدأ صفر أصدقاء كانقلاب على مبدأ صفر مشاكل، وهو ما يقرأ في خطط اللعب التركية في العراق نكاية في الحلف الأطلسي الذي تخلى عنها في أزمة السوخوي 24 مع روسيا، والذي فهم منه أن المغامرة التركية كانت دون تنسيق مع حلفائها الأطلسيين متوخية جر الحلف إلى نزاع مع روسيا بتصعيد التوتر إلى حدود قياسية، تحقق تركيا من ورائه أمنيتها بالمنطقة العازلة في شمال سوريا التي رافع عنها اردوغان ، ثم الاستدارة التركية الى اسرائيل تعويضا عن موسكو و تشويشا على واشنطن حتى وان كانت حماس هي القربان الذي يقدمه العثمانيون " السنة " الجدد على مذبح المصالح الإستراتيجية التركية – الإسرائيلية.
6- مثلت الأزمة السورية شيئا من أزمات الحرب الباردة واستراتيجيات الاشتباك بالوكالة و المفاوضات و التسوية التي تتم عادة في مستوى ادني من قمة النظام الذي يستحيل فيه المواجهة المباشرة مع القطبين، و تتوازن فيه علاقات القوة بالرغم من التضارب الاستراتيجي بينهما .
7- تستمر البلدان العربية في أداء وظيفة البيادق على مسرح رقعة الشطرنج للإقليم الحاسم، وهي بمثابة العشب الأمثل لصراع الفيلة، وتستمر حالة الاستقطاب العمودي للمنطقة نحو مستويات التراتب الأعلى لهرمية النظام الدولي، ضمن ثنائيات متضادة التي ليست بالشيء الجديد على العرب منذ عهد الغساسنة و المناذرة، و من زمن العدنانيين و القحطانيين وهلم جرا.