
وجاءت الدراسة لتُفكِّك الخطاب الطائفي في الفضائيات الدينية الناطقة باللغة العربية باعتماد مقاربة تجمع سيميائيَّة الاتصال؛ التي تسعى إلى استقراء ترسانة علاماته ورموزه بقراءتها انطلاقًا من مرجعيتها الدينية ومناقشتها على ضوء الأحداث السياسية الراهنة في المنطقة العربية، ونظرية بناء الواقع التي تُبيِّن كيف أن هذا الخطاب يُضفي معاني على الأحداث التاريخية التي تصنع تمثُّلاته للأنا والآخر، وتسرد الهوية الطائفية، وتكشف عن الثوابت والمرتكزات التي تتحكم في منطقه. وقد ضبطها الباحث في خمسة مرتكزات، وهي: حجة السلطة، والخلط بين التاريخ والذاكرة الجماعية، وإسقاط الديني على السياسي، وانزياح العصبية المذهبية إلى عصبية قومية، والتضليل بدل المحاججة. وقد استند في تفكيك هذا الخطاب إلى عينة قوامها عشر فضائيات دينية طائفية، خمس منها شيعية والبقية سُنِّية، انتقى منها أبرز برامجها التي بُثَّت خلال الفترة الزمنية الممتدة من 15 مارس/آذار إلى 15 يونيو/حزيران 2015.
وخلصت الدراسة إلى أن السرد الذي تتشكَّل فيه الهوية الطائفية يتغذَّى من العناصر التي تفصل الأنا عن الآخر الطائفيين (السُّنِّي والشيعي)؛ إذ تعمل الفضائيات الطائفية على تأكيد الخصوصية المذهبية التي تشكَّلت عبر الأحداث التاريخية ووسمت ملايين المسلمين، وما زالت تعمل على تجديد انتمائهم الطائفي، من خلال خطاب مُنْتِجٍ لأيديولوجية التفوق؛ يستبعد ما هو مشترك بين هاتين الطائفتين الدينيتين، ويُعمِّق ما هو مختلف بينهما؛ من أجل إضفاء شرعية للنزاع القائم في الدول العربية والإسلامية واستمراره.
وهنا يَبْنِي الخطاب الديني الطائفي المُتَلْفَز واقعًا يُلْغِي العوامل التي تُنْتِج الحروب، ويحصرها في سرديات جاهزة للمراجعة والتبرير والتأويل حسب موازين القوى السياسية في المنطقة العربية، وما تفضي إليه الحروب الطاحنة في المنطقة العربية.
وتُبَيِّن الدراسة أن أحد تجليات كُلْفَة الخطاب الطائفي في الفضائيات الدينية وتداعياته هو تفسير الصراع المسلح الجاري في أكثر من دولة عربية ومسلمة بأحداث جرت قبل 14 قرنًا، ومنح المبررات التاريخية والدينية لاستمراره، وترسيخ أيديولوجية استبعاد التقارب والعيش المشترك بين مختلف الطوائف الدينية والعِرقية والثقافية في المنطقة العربية، والقضاء على مبدأ حسن الجوار بين إيران ودول الخليج.
تعليقات
إرسال تعليق