هتشيكوكيات دينية ....

د.لزهر وناسي

حدثنا خطيب الجمعة اليوم؛ عن عذاب القبر و أهواله، و حوار الملكين اللذين اسمهما منكر و نكير بالنسبة للميت الكافر، و مبشر و بشير بالنسبة للميت المؤمن،في تصنيف شوفيني حسب سجلات الأسماء الموافقة للحالة الإيمانية في امتحان الاستنطاق الشهير ، حول من ربك؟ وما دينك؟ و ماتقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ حسب الروايات و الأخبار التي سردت هذه الأساطير ، التي تحدث داخل القبور المسجلة في فليم عذاب القبر، بالتركيز على تلك النغمة السائدة و المسيطرة في الرواية ‘‘...هاهاها لا أدري ‘‘ . 
وواضح من سياق هذه المرويات انها خاصة بأمة النبي الخاتم لورود قرينة ..‘‘وماتقول في الرجل المبعوث فيكم الدال على النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم
وانأ هنا لست بصدد مناقشة صحة هذه المرويات ، بالرغم من الجدل المثار بشأن صحتها لعلل قادحة في متنها لمخالفتها الظاهرة للنصوص القرآن الكريم ، الذي لم يرد فيه أي شيئا عن مزاعم عذاب القبر بشكل صريح لا يقبل التأويل أو الشك ، و لكنني أروم الإشارة إلى أثار هذه الاخبار النفسية على الناس الذين تلقى على أسماعهم كاسطوانة عتيقة لا يمل الخطباء من تكرارها في خطب الجمعة على رؤوس الاشهاد.
فمما لاشك فيه، أن مثل هذه الرويات الهتشيكوكية المسجلة كفيلم رعب خيالي تترك اثارا عميقة في نفسيات المتلقين خاصة الأطفال الصغار، تضاف إلى حكايات البيئة الشعبية عن الغول و العفاريت و الجن التي تأكل الإنسان ، و ما تركته من ترسبات بعيدة المدى في تشكيل عقدة الرهاب لدى الأطفال ، على نحو ما قال الشاعر :
ما الخوف إلا ما تخوفه الفتى......و ما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا
كما تكون باعثا لغريزة الخوف و الرهاب لديهم ، وتفقد نفسياتهم الاتزان و الاعتدال والثقة ، و تجعلهم يبنون علاقتهم الإيمانية بالله عز وجل عبر الخوف و العذاب و الرهبة بدلا من الحب و الرغبة و الرحمة ، الأمر الذي يؤدي إلى تحويل بلدان و شعوب بأكملها إلى مصحات نفسية لمعالجة اختلالات و اضطرابات النفس التي منشؤها عقدتي الذنب و الخوف ، و ما في ذلك من مخالفة صريحة لدور الدين و لمنطق التنشئة الاجتماعية، ونظريات علم النفس الاجتماعي ،التي تسعى إلى بناء انسان سوي في نفسه، وسلوكه و أفعاله.

و الحقيقة؛ أن في الموروث الديني عدد لا حصر له من النصوص المنسوبة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، تصور صراع الله -جل في علاه - مع الإنسان المتمرد على إرادته ،و كأنها نسخ مهربة من التلمود الذي يجعل علاقة الله بخلقه حبلى بقصص الانتقام و العذاب و الصراع ، ومثل هكذا مرويات تصب كلها في إطار صرف الناس عن مقاصد الاستخلاف البشري في عمارة الأرض، و التنافس في ميادينها ،و أصبح الدين روايات يتملى بها الناس في أوقات فراغهم ، يتناقلها العاطلون و المتخلفون عن معارك الحياة و المنهزمون في ميادين التدافع الحضاري و العلمي و التكنولوجي مع الأمم التي تعمر البسيطة نشاطا و انجازا و سبقت سبقا بعيدا في ساحاتها الرحبة.