الأدب الرقمي

باديس لونيسBadis.lounis@gmail.com

من الإشكاليات التي أثارتها تكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة عموما، والانترنت بشكل خاص، في الحياة الثقافية ما بات يعرف في الأوساط الأدبية والأكاديمية بالأدب الرقمي، وهو مفهوم جديد قد يحيل إلى معنيين؛ أدب يتمحور حول موضوعة تكنولوجيات الاتصال الحديثة وتجلياتها التي لا تتوقف. وأدب مُنتج رقميا داخل المنظومة الرقمية بكل عناصرها.
أما ما يهمنا في هذا المقام  فهو المعنى الثاني للأدب الرقمي وهو مفهوم غالبا ما يحدد على انه إنتاج أدبي جديد يقرأ على شاشة الكمبيوتر، و من خصائصه أنه يقوم بدمج الوسائط الإلكترونية المتعددة، نصية و صوتية و صورية وحركية في الكتابة و النشر، في فضاء يسمح للقارئ بالتحكم فيه.
هذا التعريف يعكس في حقيقة الأمر توجها وصفيا يركز على الجانب التقني لإنتاج الأدب واستهلاكه، دون التوغل عميقا في الآثار المترتبة على هذا التحول في عملية الكتابة والنشر والتلقي ورجع الصدى. وهي تأثيرات ثورية حولت العلاقة بين العناصر السابقة من النموذج السطري المتعالي إلى نموذج دائري أكثر حرية وغير قابل للتحكم في حدوده، تُفقد المؤلف سلطته على جوانب أساسية من منتجه والسيطرة على مآلاته، وتتيح لنصه إنتاج معاني لانهائية في حيوات متعددة وممتدة.
فظهور النص المتشعب أو الممنهل أو الهيبرتكست (hyper text) الذي يتيح للنص الالكتروني الارتباط بنصوص أخرى عن طريق روابط داخل النص، والكلمة، بالإضافة إلى إمكانية التفاعل وحرية النسخ والإضافة، فتح المجال واسعا لتعدد المؤلفين وتتداخل العلاقة بين الكاتب/القارئ. كما انه ساهم في إنتاج شكل جديد من النصوص  أكثر حرية وأكثر ثراء وأكثر إخلاصا للتجربة الإنسانية المحتملة والواقعية، حسب جاك دريدا، إذ أن هذا النص قادر على التواصل مع أية إشارة لغوية أو غير لغوية، شفهية أو مكتوبة، وتشكل عواقب هذه القابلية لاحتضان مقاطع استشهادية ومفصولة، أهمية أساسية بالنسبة للنص الممنهل ، لأن الإشارة اللغوية تستطيع أن تحقق قطيعة مع أي سياق قائم، وأن تولد سياقات أخرى إلى ما لا نهاية، وبصورة غير قابلة للإشباع مطلقا.
ولكني اعتقد أن هذا التحول لا يزال بعيدا عن الممارسة الأدبية الحقيقية، خاصة في الجزائر، فأدباؤنا لا يزالون متوجسين من هكذا تحول، وحتى وإن استعانوا بتكنولوجيا الاتصال الحديثة في انتاجاتهم إلا أنها تبقى استعانة سطحية تتوقف عند الاستفادة مما تتيحه هذه التكنولوجيا من تسريع الكتابة والترويج لها، ولا تخرج في  مبدئها عن النموذج الخطي التقليدي. وهو أمر لا يثير الكثير من الاستغراب،

أما ما يثير التساؤل والاستغراب حقا فهو غياب حتى المعنى الأول من الانتاجات الأدبية المختلفة، رغم الاحتكاك الكبير والمتصاعد لروائيينا  وشعرائنا بمختلف تكنولوجيات الاتصال والإعلام الحديثة.

نشر بجريدة الأوراس نيوز يوم الاحد 11 أكتوبر 2015