عن نظرية غض البصر ، في الإعلام

باديس لونيس
Badis.lounis@gmail.com
        
حين جاء الأمر الإلهي بغض البصر في قوله تعالى"قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ"، كان المعنى واضحا لا يحتاج إلى كثير اجتهاد في التأويل والفهم؛ فالعين تزني وزناها النظر.  
ولذلك كان الحل في غض البصر الذي قد يُجنّب صاحبه الكثير من الاختلالات الهرمونية والصعوبات النفسية، وتنقذه من مآلات يراها الفقهاء أنها غالبا ما تؤدي إلى حرام أكبر، وتبعده عن تبدلات في الجسم قرر الأطباء حديثا أنها غالبا ما تكون مضرة للصحة.
جيد، دعونا الآن نفكر في عملية غض البصر كفعل ثقافي نفسي يُحيل إلى وضعية ذات دلالات مهمة تتمحور أساسا حول فكرة "التجاهل". هذه الفكرة التي قد تكون مفيدة في مواقف اجتماعية كثيرة، تجعل أحدنا يقتصد الكثير من الجهد والوقت فيما لا ينفع أو فيما لا يستحق، كما قد تغني عن الدخول في مهاترات أو نقاشات لا تقدم ولا تؤخر ولا تخلّف سوى وجع الرأس.  لذلك نجد هذه الفكرة قد خلدتها مختلف الثقافات في لوح وصاياها/أمثالها التي قد تختلف لغتها وحدتها وأسلوبها ولكنها  تلتقي في معنى: "الكلاب تنبح والقافلة تسير".
فكرة التجاهل هذه التي وجدت صداها لدى الطبقات الشعبية، استهوت أيضا مجموعة من الفلاسفة والمفكرين، لعل أهمهم جاك دريدا الذي نشر مقالا عام 1987 تحت عنوان "كيفية تجنب الكلام: انكارات" (How to aviod speaking; Denials)، وهي الفكرة التي عبر عنها قبل ذلك فنتجنشتين بقوله: "إن ما لا يستطيع الإنسان أن يتحدث عنه، ينبغي له أن يصمت عنه".
ولكن في المقابل، أية فائدة ترتجى من فعل غض البصر حينما ننظر إليه على ما يحمله من معنى تشويهي تعتيمي انتقاصي للحقيقة؟
 فغض البصر ليس دائما فعل محمود مطلوب، بل  إنه في سياقات كثيرة يصبح فيها أمرا مُنكرا ومذموما، خاصة عندما نكون بصدد الحديث عن وسائل الإعلام وهي تتجاهل بعض الأخبار وتغض الطرف عنها أو تغربل بعضها، كما أشار إليه عالم النفس الأمريكي الجنسية كيرت ليون في تنظيره لما يسمى  بحارس البوابة. ولا تبتعد نظرية الأجندة التي تفترض ترتيب وسائل الإعلام لاهتمامات الجمهور، عن فكرة التجاهل هذه، إذ يمكن أن ننظر إليها من الزاوية الخلفية على أنها تتحدث في الأصل عما لا تتحدث عنه وسائل الإعلام.
منذ أيام تسبب "كاشير فاسد" في دخول عدد من مستهلكيه شرق البلاد إلى المستشفيات وهم في حالة خطيرة، خرج بعضهم منها ولكن مكفنين إلى مثواهم الأخير. وعلى أهمية القضية التزمت أغلبية وسائل الإعلام الجزائرية صمتا غريبا/ مهينا، لا يفسره شيء سوى أنها تمارس عملية غض البصر حيث كان عليها أن تُطلقه على امتداد التزامها الأخلاقي والمهني. طبعا، يصبح الالتزام المهني والأخلاقي هنا ضربا من الخطابات الخشبية البائسة عندما يتعلق الأمر بالأموال التي تدفعها المؤسسات مثل هذه المؤسسة في شكل اشهارات، صارت أقرب إلى رشاوى منها إلى نشاط ترويجي مهني.

 إن ما لا تتحدث عنه وسائل الإعلام ليس بالضرورة غير مهم للجمهور أو غير مفيد له، كما أننا نعلم جميعا أن تجاهل الشيء لا ينفي وجود.

* نُشر بجريدة الأوراس نيوز، يوم الاحد 6 سبتمبر 2015م.