أثر وسائل الإعلام على الثقافة: المستقل والتابع في المنظورين الإنمائي والقيمي

أ/ منال كبور
جامعة باتنة

تطرح نظرية الحتمية القيمية في الإعلام منهجية "مغايرة" تقرن بها، وهي تحافظ في الوقت ذاته على التكامل مع شيء أو كثير من الأدوات المتولدة عن بقية "المنهجيات"، تعايشا معها وتميزا عنها بالقيمة كمنطلق ومنتهى. هذه المنهجيات التي تأخذ بها أو ترتديها إجرائيا نظرية كالإنماء الثقافي مثلا.
   تمثل الأخيرة في هذه الدراسة انحناء لازما -لا خيارا عرضيا- يأتي نزولا للالتقاء البحثي بينهما؛ إذ تهتم كل من النظريتين، الحتمية القيمية في الإعلام والإنماء الثقافي، بدراسة "الثقافة".
يستوعب عنوان الدراسة شقين، يأتي الأول منه في صيغة بحثية تأخذ صفة التمثيلية المؤسسة، أي أن الحديث عن "أثر وسائل الإعلام على الثقافة" في هذا السياق يتعلق بالمجرد موضع البحث هنا (الإنماء، القيمية)، إذ يأتي مثالا إسقاطيا للشق الثاني، بمعنى محل المستقل والتابع في هذين المنظورين بالذات.
    تحاول الدراسة هذه أن تبحث عن "الخلل" الحاصل في استخدام نظريات علوم الإعلام والاتصال، ليس بوصفها غربية أو عربية إسلامية، لكن باعتبارها نظرية،[1] أي لمجرد ذلك دون أي توصيف يتجاوزه، فتستدعي المنظورين: الإنماء الثقافي، والحتمية القيمية بوصفهما نظريتين في المجال ليس إلا، دون أي صفة إضافية.
    وتصوغ/ تتصور إشكالها على النحو الآتي: هل الخلل في الاستخدام منهجي أم نظري؟ هل يتعلق الأمر حين نتحدث عن الصعوبة في التطبيق بطبيعة النظرية -كإطار مرجعي- التي نُوظف أم بالرؤية المنهجية التي نَتبنى؟
    ليست هذه الدراسة مقارنة بين النظريتين المشار إليهما، بقدر ما تضع الجانب المعرفي النظري وذاك المنهجي الإجرائي على ميزان. وهي لا تقدم في ذلك حلا، لا تدعي إطلاقا أنها تفعل، لكنها تحدد شيئا من الإشكال.

مفاهيم الدراسة

1.المتغير المستقل: يعرف كذلك بـ"المتغير المثير" وهو الذي يُحدِث آثارا في الظاهرة أو في جانب من جوانبها، يتميز بسمة المرونة في إخضاعه للبحث والتحكم فيه. فإذا كانت هناك علاقة بين متغيرين (أ، ب)، وافترض الباحث أن "أ" هو المتغير المستقل أي هو الذي يؤثر على المتغير "ب"، فهذا يعني أن زيادة "أ" أو نقصانه تنعكس بالضرورة على "ب" بذات الزيادة أو النقصان؛ وذلك بعد التأكد من ثبات وتساوي كل الظروف المحيطة بالظاهرة محل البحث.[2]
2.المتغير التابع: يُذكر أيضاً بـ"متغير الاستجابة"، وهو الذي يتأثر بالمتغير المستقل في تفاعله، بمعنى أنه يتغير كلما فعل المثير. تكون العلاقة بين الأخير والاستجابة (المستقل والتابع) منفصلة أو متصلة، فإذا كانت الأولى لا يحدث أي تبدل في المتغير التابع تأثرا بالمستقل، أما في الثانية فإن تغير المثير (المتغير المستقل) ينعكس، تباعا، على الاستجابة (المتغير التابع)، وإن كان ذلك بدرجات ومستويات متباينة طرديا وعكسيا، بمعنى أن العلاقة حينما تكون طردية فإن معدل الزيادة أو النقصان الذي يطرأ على المتغير المستقل يساير أو يعادل الزيادة والنقصان في ذاك التابع وقد لا يفعل، كما يمكن أن تؤدي ذات الزيادة في المثير (المستقل) نتيجة عكسية تُلاحظ، ضرورة، على الاستجابة (التابع).[3]
3.الإنماء الثقافي: ظهرت هذه النظرية خلال عقد السبعينيات مرتبطة بأعمال الباحث الأمريكي جورج جربنرGorge Gerbner  من خلال مشروعه الخاص بالمؤشرات الثقافية، الذي يسعى فيه إلى إبراز كيفية تأثر البيئة الثقافية بوسائل الإعلام إمبيريقيا.
     تفترض النظرية بأن مداومة التعرض للتلفزيون، لفترات طويلة ومنتطمة، تنمي لدى المشاهد اعتقادا بأن العالم الذي يراه على الشاشة، إن هو إلا صورة عن الذي يحياه فعلا.[4]
    يعتقد جربنر وفريقه أن الواقع الإعلامي يمكن أن يؤثر على المعتقدات، فالسلوك، لاسيما التلفزيون بين بقية الوسائل، حيث يغرس تصورات لدى الأفراد، تسمح بتشكل "تيار مهيمن"؛ ما توصلوا إليه من خلال نظام القياس الذي أطلقوا عليه اسم "فارق الغرس" والذي ساعدهم في تقديم أدلة علمية على صحة هذه الدينامية. يورد هذا النظام إجابات العينة ضمن اتجاه إجباري، يتم فيه تصنيف إجابات المبحوثين إلى تلفزية وأخرى واقعية، أي تلك التي تبرهن على أن صورهم الذهنية "غرست" نتيجة العنف الذي يبثه التلفزيون،[5] وتلك التي تعكس الواقع الفعلي. إذ تبين لهم أن نسبة مرتفعة من أفراد العينة تجيب تلفزيونيا.
     تعتبر الإنماء الثقافي أن التلفزيون، خاصة الدراما بين محتوياته، يشكل عاملا في التكيف الاجتماعي، وهو الباني الرئيس للصور والتمثلات العقلية للواقع الاجتماعي، لا يعكس هذا التأثير فقط استهلاك كل فرد على حدى للبيئة التلفزيونية، بل أيضا امتصاص جماعات إنسانية واسعة لها خلال فترات طويلة من الزمن.[6]
    وعليه، تبعا للنظرية، فإن التلفزيون يغرس صورا من الواقع، يصوغ إنتاجا تثقيفيا، ويكرس أنظمة كاملة من التمثلات العقلية لدى الجماهير.[7]
4.الحتمية القيمية في الإعلام: ظهرت المعالم الأولى للنظرية في بداية ثمانينات القرن الماضي على يد عبد الرحمن عزي.[8]
يفترض عزي أن الإعلام رسالة وأهم معيار في تقييمها هو القيمة. تمثل الأخيرة ما يسمو في المعنى وتنبع، حسبه، في الأساس من المعتقد، وهي تتجزء إلى مفاهيم فرعية من مثل الوضع، الخيال، التمعقل، فعل السمع والبصر، السالب والموجب، الرأسمال القيمي، البنية القيمية، والمخيال الإعلامي وغيرها.
    تسبق القيمة، في هذه النظرية، فعل الإنسان وتسمو به وترفعه، إذ هو يدركها أو/ و يستنبطها من النص القرآني والنصوص المرجعية التي أنتجتها الحضارة العربية الإسلامية إضافة إلى تلك النهضوية الحديثة، بمفهوم القريبة زمنيا. وتعد علاقته، الإنسان، بها عضوية لأنه "مدعو" إلى الارتقاء إليها لا تسخيرها لواقع أنتجه بالابتعاد عنها، فهو أداة لتجسيدها، إما ممارسا أو مبتعدا، وليس قط مصدر لها.[9]  
    يرى عزي أن كلما ارتبطت الرسالة الإعلامية بالقيمة كان الأثر إيجابيا وكلما ابتعدت عنها احتملت السلبي منه وحادت عن الأصل، على النحو المشاهد في العديد من النصوص الإعلامية كتلك الغريزية مثلا.[10]

أثر وسائل الإعلام على الثقافة؛ دراسة في الغرس الثقافي

    يعتقد جربنر أن التعرض لوسائل الإعلام، على رأسها التلفزيون، ولفترات طويلة ومنتظمة، من شأنه أن "يعلم" الفرد صورا ذهنية عن الواقع، ويعد هذا النمط من التعليم عرضيا. تعمل مجموع هذه الصور معا، لاحقا، على "غرس" ثقافة لدى المشاهد تُنمى كلما حصّل صورا أكثر، ما يجعل العملية هذه تتعلق دائما بالزمن. يقر جربنر أيضا بحدوث كل ذلك ضمن سياق اجتماعي معين.
    لاحظ الشكل الآتي:

الشكل رقم (1): نظرية الإنماء الثقافي في البعد المنهجي
المصدر: تصميم منــــال كبور
       تحاول هذه الدراسة أن تعالج/ تتعامل مع عنوان بحثي واحد في ضوء كل من الإنماء الثقافي والحتمية القيمية في الإعلام، وتختار "أثر وسائل الإعلام على الثقافة" -لأسباب سبق الإشارة إليها- لذلك.
    إذا قدرنا أن العنوان هو: أثر وسائل الإعلام على ثقافة الشباب الجزائري، دون الدخول في تفاصيل العينات لأن ما يعنيني هنا هو طريقة إسقاط النظريتين محل الدراسة لا العنوان ذاته،[1] فإنه يمكن تصور الإشكالية والفرضيات، استخداما للمنظور الإنمائي مرجعية في التحليل، كما يلي:
الإشكالية: ما هو أثر وسائل الإعلام على ثقافة الشباب الجزائري؟
الفرضيات:
1. تؤثر وسائل الإعلام على ثقافة الشباب الجزائري أو ساهمت وسائل الإعلام في التأثير على ثقافة الشباب الجزائري.
2."يتعرض" هؤلاء الشباب لوسائل الإعلام لفترات طويلة ومنتظمة.
3. تختلف معتقداتهم حول الواقع الثقافي عن ذاك الفعلي الذي يعيشونه أو الذي هم موجودون فيه.
الهدف: الوقوف على طبيعة أثر وسائل الإعلام على ثقافة الشباب الجزائري؛ إيجابي أم سلبي.
   يحدد مفهوم الثقافة، تباعا، بأنها مجموع الصور الذهنية التي تعلمها الشباب الجزائري عرضيا عن طريق "تعرضه" لوسائل الإعلام خلال فترات زمنية طويلة ومنتظمة، سمحت بترسخها لديه.
   يتم في هذا البحث إجراء دراسة ميدانية توزع فيها استبانة على عينة من الشباب الجزائري تستقصي مدى تعرض هؤلاء الشباب لوسائل الإعلام من خلال العادات والأنماط، كذا ثقافتهم استخداما لعبارات معينة تحصر الوجود الثقافي في فئات موضوعية يقرها الباحث، وما إذا كانت، هذه الثقافة، تأثرت بوسائل الإعلام. كما يجري إخضاعهم في ذات الاستبانة لنظام "فارق الغرس" لتصنيف إجاباتهم بالنظر في طبيعتها؛ أهي إعلامية محضة أم واقعية، بالمفهوم السائد لهذا المصطلح. مع مقارنة نتائج هذا المحور بذاك المرتبط بالعادات والأنماط حتى تتضح العلاقة بين كثيفي، قليلي، عديمي التعرض ومدى النزوع نحو الإجابات الإعلامية. 
   بالعودة إلى الشكل رقم (1) أعلاه نلاحظ أن الإنماء الثقافي درست تعرض الفرد لوسائل الإعلام والأثر الذي ينجم عن ذلك (صور ذهنية)، ما يمكن تسميته بـ"فترة أثناء التعرض"، كذلك اهتمت بالمدى البعيد لهذه الآثار التي تخلفها وسائل الإعلام على المتلقين، أي "فترة ما بعد التعرض". ولأنه يجب أن تطرح الإشكالية في دراسة "أثر وسائل الإعلام على الثقافة" على نحو: ما هو أثر هذه الوسائل على ثقافة الشباب؟ حيث نعتبر في ذلك مسبقا، وسائل الإعلام متغيرا مستقلا، فإننا أبدا لا نستطيع أن نقف على المرحلة التي تسبق تعرض هؤلاء الشباب لهذه الوسائل، ما يظهر في الشكل موضحا بـ"فترة ما قبل التعرض". تغفل الإنماء الثقافي ذلك لأنها -ببساطة- تحدد متغيرها المستقل في وسائل الإعلام.
  تأتي، تباعا، إجابة على مثل هذه الإشكاليات فرضياتنا على نحو: تؤثر وسائل الإعلام على الثقافة لدى الأفراد، أو إدانة للتحيز التماسا لشيء من الموضوعية، تساهم وسائل الإعلام في التأثير على الثقافة لدى الأفراد. لكن كيف أختبر مثل هذه الفرضية؟ كيف أقف على أن وسائل الإعلام ساهمت في مثل هذا التأثير؟ ما هي الأداة البحثية التي يمكن أن تقودني لذلك؟ كأنه لابد من إثبات هذا النمط من الفرضيات، ذاك أنه يمثل أولى الفرضيات ويصبح، بشكل ما، غير قابل للتفنيد، لأنه إذا حدث ألغي البحث برمته.
    لا تكفل الملاحظة إثبات فرضية مماثلة لأنها لا تقف على ثقافة الفرد قبل تعرضه لوسائل الإعلام، إذ ذاك، فإني أعتقد أن فرضياتنا الأولى في دراساتنا البحثية، أعني الكمية منها، لا يمكن أن تختبر جيدا، ما يتجاوز، في نظري، الفرد الباحث لتعلقه بالوضعية الابستيمولوجية العامة التي تحكم، طبيعيا، دراسته، فهو شاء أم أبى عليه أن يعتبر وسائل الإعلام تُساهم، تُشكل، أو تُؤثر، يجب أن يحمل هذا المتغير -وسائل الإعلام- الذي يمثل تخصصه الدقيق على استقلاليته، ذاك أن فترات ما قبل التعرض تبقى غير مدروسة في نظريات علوم الإعلام والاتصال.
   هل هو الأمر بالنسبة للحتمية القيمية في الإعلام؟

أثر وسائل الإعلام على الثقافة في المنظور القيمي

    تظهر الثقافة، في نظرية الحتمية القيمية في الإعلام،  كسلم من ثلاث درجات: السلوك، المنطق، والقيم، حيث كلما ارتقت الثقافة إلى القيمة ارتبطت بالدين وهي تتحول في ذلك إلى حضارة. ينتج النشاط العقلي الذي يتعامل من خلال الإدراك، الفهم، والتأويل فعلا منطقيا إذا اتصل بالمنطق دون القيمة، إذ يعد نشاطا غير ترابطي لانفصاله عن الأخيرة، في حين يأخذ صفة الترابطي في الأساس إذا التمسها لينتج فعلا قيميا يستوعب بالضرورة المنطقي منه. يدفع هذا السواء في الفعل الثقافة للرقي إلى حضارة توليدا للآداب، الفنون، الفكر، والمعرفة؛ أي من خلال تفاعل المادي والمعنوي.[2]
   يستوعب الوضع كلا من المنطق والسلوك على حد سواء، حيث يعد مصدرا للأخير، أي للحركة، بما يحكمه من عوامل زمكانية ويصفه من محدودية. في حين يُعنى الواقع بالجانب المعنوي فينطوي أو تظهر فيه القيمة ببناها التحتية/ مستوياتها السفلية، إن صح القول، وهو يتجلى في كل ذلك كوضع فيتمظهر في منطق وسلوك غير سوي. ليأتي الخيال أخيرا منطويا -استيعابا لكل ما دونه- على القيمة في مستوياتها الفوقية أو بصفاتها الكلية،[3] كما هو مبين في الشكل أدناه:


الشكل رقم (2): البعد المنهجي لنظرية الحتمية القيمية في الإعلام
المصدر: تصميم منــــال كبور
    اعتمادا لذات العنوان تغييرا للمدخل النظري، نفترض التالي:
العنوان: أثر وسائل الإعلام على الثقافة لدى الشباب الجزائري.
الإشكالية: ما هو أثر وسائل الإعلام على الثقافة لدى الشباب الجزائري؟
الفرضيات:
1. تؤثر وسائل الإعلام على ثقافة الشباب الجزائري أو ساهمت وسائل الإعلام في التأثير على ثقافة الشباب الجزائري.
2. يستخدم هؤلاء الشباب وسائل الإعلام بحثا عن الهوية الثقافية من جهة وتمردا على المجتمع للفت الانتباه وتأكيد الذات من ناحية أخرى.
3.عززت وسائل الإعلام للشباب الجزائري ثقافة فرعية حالت دون حضور تلك العامة السائدة.[1]
الهدف: معرفة كيفية تأثر ثقافة هؤلاء الشباب بوسائل الإعلام؛ إيجابيا أم سلبيا.
    تحمل الثقافة في هذا البحث المفهوم الذي تأخذه في ضوء الحتمية القيمية في الإعلام؛ أي هي "معايشة الواقع انطلاقا من القيم".[2] كما يمكننا الاستناد إلى فهمنا الخاص لتحديد مفهومها في المنظور ذاته، أخذا في الاعتبار أنها سلم من ثلاث درجات على الترتيب: منطق، سلوك، وقيمة، إذ تعد الأخيرة أعلى درجاته، بحيث يمكن القول أن الثقافة، إيجابيا أو من علٍ، أي كما ينبغي أن تكون، بمعنى معياريا، هي: قيمة تتأسس على منطق وتتجسد في سلوك.[3]
   يجري بناء هذا البحث اعتمادا على دراسة جمهور، تُقسم فيها الاستبانة إلى محاور عن: العادات والأنماط، دوافع التعرض؛ أي إيراد الأخيرة في محور خاص بدل تضمينها الجزء الأول، نظرا لأهمية استقصاءها باعتبار الفرضية رقم 2، ثم عن الأثر الموجب والسالب في ثقافة هؤلاء الشباب بحيث يُراعى التوازن في مزج العبارات بين الشقين تحريا للموضوعية وتجنبا لتوجيه المبحوث نحو ركن دون آخر.
    نلاحظ في الشكل رقم (2) أن الحتمية القيمية في الإعلام تعتبر القيمة متغيرا مستقلا ووسائل الإعلام تابعة لها، إذ كلما ارتبط الإعلام بها قدّم رسالة في حين إذا حاد عنها أنتج مضامين سلبية. فما معنى استخدام مفردة "رسالة" مطلقة على هذا النحو؟ لأن هذا المنظور -ببساطة- يفترض أن:
الرسالة هي القيمة
والقيمة هي الإيجابية فقط
                                إذن أستنتج أن: الرسالة هي الإيجابية فقط
    يعرف عزي الرسالة بالقيمة، أي أن الثانية معيار للأولى، وهي إذ ذاك مستقلة عنها بل تتسبب في ظهورها، في حين أن غيابها يُلزم حضور النص السلبي. كما أنها "تسبق فعل الإنسان وتتجسد فيه، الذي تبقى بدونه -الفعل- تصورا مرغوبا فيه أو فكرة كامنة لا غير".[4]
     إذا كانت القيم متغيرا مستقلا فهذا يعني أنها لا تتأثر قط بغيرها من العوامل، تبعا لمفهوم المتغير المستقل وطبيعة رصده منهجيا، وتكون دائما المؤثر الأساس في بقية المتغيرات. يدفع هذا إلى التساؤل: كيف تعد القيم في هذا المنظور كذلك وهي لا تظهر إلا مجسدة في فعل الإنسان، كيف تُحمل على استقلاليتها، وهي تتغير تجسيدا، أي لا تظهر في الواقع الذي هو محل بحث إلا متأثرة نتيجة تجسدها تغيرا من فعل فرد لآخر، حيث أنه لا يمكنها قط "الظهور" مطلقة كما هي في الواقع الذي نبحثه، بل فقط نسبيا. كيف لي إذن أن أقيس استقلالها دون التعامل معها في ذاتها؟ أن أفعل وأنا أعلم مسبقا أني أعالج مظاهرها أو بالأحرى مؤشراتها؟
    هل يعد منطق التفكير هذا في ذاته كميا، في الوقت الذي يأتي الحديث فيه عن نظرية "معيارية"؟ لكن ذات النظرية تضع مقياس (ع. س. ن) للإعلام والقيم؛ كأداة بحث، كمية، تدرس أثر وسائل الإعلام على قيم المجتمع على مستوى المواقف والسلوكيات من خلال أساليب دراسة الجمهور، وتحليل المضمون، وغيرها؟
   يقترح عزي في كتابه "منهجية الحتمية القيمية في الإعلام"[5] مجموعة فروض لفهم العلاقة بين الإعلام والمجتمع قيميا، يأتي تقسيمها في شقين؛ يتعلق الأول بعادات الاتصال ويرتبط الثاني بتأثيرات سوء الاستخدام، هذه الأخيرة التي يصنفها بدورها إلي تأثيرات سالبة (في البنية، والمضمون) وأخرى موجبة. يثير هذا التصنيف التساؤل: كيف تنطوي تأثيرات سوء استخدام وسائل الإعلام على أخرى موجبة؟
    تمعنا في هذه الفرضيات؛ نلاحظ أنها في معظمها سلبية، بل يقع الإيجابي منها، مجددا، في فخ السلبي، فهو لا يكاد يحمل معناه جيدا في الوقت الذي قد يفهم جدا سلبيا. هناك مثلا 15 فرضية سلبية، بين البنية والمضمون، في مقابل 7 فرضيات إيجابية بينها فرضيتين تشكيكية، تحمل معنى الشك مرتين، هما: الفرضية 28، و29. حيث تقول الأولى أن: "حسن استخدام وسائل الإعلام قد يعمل على تعزيز القيم وقد يولد الإحساس بالذنب إذا أساء الفرد استخدام تلك الوسائل". مع الإشارة إلى أن الاحتمال الأول يأتي موجبا والثاني سالبا، ما يسقط صفة الافتراض في نظري، لأن الأخير هو إجابة مؤقتة تقريرية للإشكالية، بمعنى مؤكدة مؤقتا حتى تثبت أو تفند، لكن الفرضية 28 تبقى صحيحة في الحالتين.
   ليس الأمر بالنسبة للفرضية 29 التي يقع فيها الشك على احتمال الموجب فقط، إذ تقول: "أن حسن استخدام الشبكة قد ينمي رمزيا بعض المهارات الاجتماعية كما قد يؤدي دور التنشئة الاجتماعية ويحقق الترابط الاجتماعي".
   تتأسس هذه الفروض على الغياب لا الحضور، لأنها تنطلق -في غالبيتها- من السلبي بدل الإيجابي، باعتبار الأخير نادر والأول سائد. يبدو توجه عزي، من خلالها، نقديا متبنيا للاتجاه السلبي لوسائل الإعلام، ما قد يكون طبيعيا باعتباره يُحكم القيمة معيارا لها، هذه التي يراها تسمو في المعنى وتعلو عن الشيء لارتباطها بالمعاني الكامنة في الدين.
     مع ذلك يصر عزي على أن هذه القيمة "الغائبة" هي المتغير المستقل، فكيف لها على غيابها أن تتحكم في بقية المتغيرات الحاضرة بالفعل (وسائل الإعلام)؟ ألا يُنم الغياب الذي يسمها عن تأثرها في ذاتها وبالتالي على تبعيتها؟ ألا يكفل الاختفاء أو التلاشي، الذي تتعرض له ما إن تجُسد ولمجرد أن تُمارس، التبعية لها؟ القار أن الرسالة -الإيجابية فقط- تغيب عن الفرضيات التي تقترحها الحتمية القيمية، وهي غائبة منذ البدء حين تؤسس لها، لأنها تتصل بمتغير "شفاف" (القيمة)؛ موجود لكنه ليس كذلك حقا.
    يقول عزي: "ترتبط القيمة كمعنى بممارستها في الواقع المعايش"،[6] أي أنها تتعلق بأداة تجسيدها وإلا بقيت مجرد فكرة كامنة، فهي إذن مرتبطة وتابعة للإنسان وتتصل بها وسائل الإعلام وتتبعها في الوقت نفسه، ومع ذلك تبقى -وحدها- متغيرا مستقلا لهذه النظرية، الشيء الذي يولد -في نظري- كثيرا من الالتباس والغموض. إني أفهم أن الإنسان، في الحتمية القيمية، بعقله من خلال عمليات الإدراك، الفهم، والتأويل، مؤثر في القيمة وعليها حين يجسدها، فيغيرها، حتى إن مارسها ولم يبتعد عنها لأن عزي نفسه يعتقد أن هذه الممارسة نسبية إذ لا تسمح بمحاكاتها  كما هي أو التماهي معها كليا، وعليه فإنها تتجسد متغيرة في سلوك الإنسان، وتبعا لهذا التغير الذي جسدها فيه هو إما يتموضع، "يتموقع" (من الواقع)، أو يتمخيل. فضلا عن تعدد وتباين التغير في التجسيد من فرد لآخر. ألا يصبح الإنسان هكذا المحرك الأساس والمتغير الرئيس أو الثقيل في تعبير عزي؟
    يعد هذا المنظور إعلاميا، يأتي بمسمى "نظرية الحتمية القيمية في الإعلام"، لكنه يقوم على متغير مستقل يخرج عن الحقل الذي يقع فيه، أعني عناصر العملية الإعلامية والاتصالية -الرئيسية- كما تعارفت عليها الدراسات التقليدية، ويتفرد عن بقية النظريات في علوم الإعلام والاتصال التي تنطلق من متغيرات مستقلة تمثل أحد عناصر العملية التي تفسرها، حيث نلاحظ مثلا:
نظريات حارس البوابة وصناع الأخبار ------   المرسل
نظريات بناء المعنى -------       الرسالة
النظريات الإدراكية --------       المتلقي
  نظريات التأثير  ---------        الوسيلة
     مع الإقرار بالاختلاف في تصنيف هذه النظريات، فإنا نجد أيضا منظور مارشال ماكلوهان، الذي تفهم عادة الحتمية القيمية في مقابله، يعتبر الوسيلة متغيرا مستقلا.[1] يسمح هذا التوجه باستخدام النظرية كليا في أي دراسة بحثية في التخصص، ليس الأمر عليه في الحتمية القيمية التي تقدم في منهجيتها عددا من الفرضيات تصفها بـ"البينة" تحيد عن فرضها الأساس الذي يقضي بأن كلما ارتبطت مضامين وسائل الإعلام بالقيمة كان أثرها موجبا، في حين إذا بتعدت جاء سالبا.
    نقرأ في هذا الفرض القيمة كمتغير مستقل، يصبح في كل الفرضيات البحثية المقترحة (32 فرضية) تابعا. بما يجعلك تفهم أن عبد الرحمن عزي نفسه لم يتمكن من تصور دراسة في الإعلام تستخدم الحتمية القيمية كليا؛ تحافظ على المتغيرات في ترتيبها المنظر له. إذا كان يقصد أن سوء الاستخدام، حسنه، كثرته هو القيمة، غيابا أو حضورا -مع التحفظ حول ظاهرة "الغياب" التي تسجلها القيمة لديه أو "العجز القيمي" كما يسميه- وهي تأتي بالتالي كمتغير مستقل، فكيف لها أن تكون في السياق نفسه تابعا؟ هل تستقل لتؤثر على ذاتها؟ كما هو عليه الحال، مثلا لا حصرا، في الفرضية 16: "يؤدي سوء استخدام وسائل الإعلام (المضمون) إلى إهدار القيم أو تحييدها"، أو الفرضية 17: "يؤدي سوء استخدام وسائل الإعلام (المضمون) إلى إضعاف الحساسية القيمية واضمحلال الاستحياء تجاه الممنوعات الثقافية".[2]
    إذا كان حسن/ سوء الاستخدام يمثلان الاقتراب/ الابتعاد عن القيمة فإن هذا المد والجزر يرجع، مجددا ودائما، لحركة الفرد المستخدم؛ بحيث يبدو -مرة أخرى- المحرك الرئيس في هذا المنظور.
   صيغت الفرضيات أعلاه، لإشكالية "أثر وسائل الإعلام على الثقافة في المنظور القيمي" باعتبار وسائل الإعلام متغيرا مستقلا، فهل هي تعتمد الحتمية القيمة جزئيا؟ هل يمكن صياغتها في شكل مخالف للاستناد إليها كليا؟ قد يعتقد البعض أنه يجب أن أدرس في ضوءها عناوين من مثل "أثر وسائل الإعلام على القيم" أو "القيم في محتوى وسائل الإعلام" كما هو رائج لدى الطلبة في مذكراتهم/ رسائلهم العلمية، لكن تبقى -في كلا العنوانين- القيمة متغيرا تابعا.

تحليل الحاصل والفاصل

    اعتمادا للمنظورين، الإنمائي والقيمي، مدخلا لتحليل ذات الدراسة؛ نلاحظ:

    أن الخلل في حال الإنماء الثقافي يظهر جليا من خلال منهجية تحديد المتغيرات، التي لا يبدو -إمبيريقيا- أن هناك سبيلا للاستغناء عنها، حيث تفرضها المناهج الكمية بطبيعتها، إن لم يكن يُلزمها العقل البشري بمحدوديته. يتحول  الإشكال، بالنسبة لنظرية الحتمية القيمية في الإعلام، إلى نظري بحت قبل حتى أن يعطي الفرصة لذاك المنهجي، لأن النظرية تقر بتوظيف المنهج الكمي ولكنها تسجل قصورا بينا وهي تفعل، فتبدو بالمقارنة، بين طريقة توظيفها وطبيعة تأسيسها، غير سليمة بل وتعاني اضطرابا جليا في المنطلق والمنتهى، وحتى المبتغى.     
    تعكس نظرية الغرس الثقافي نمطا من الثقافة الحسية، فلا تهتم بالبحث أو اكتشاف "المعرفة المطلقة"، بل تقتصر على الإمبيريقية -عن طريق الملاحظة- مصدرا للحقيقة، إذ تتقبل طبيعة الأشياء والظواهر على ما هي عليه. في حين يطغى على الحتمية القيمية ثقافة صورية، فهي تأخذ -إلى حد بعيد- اتجاها دينيا باعتمادها الوحي، من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية، دون أن تهتم أبدا -في منطلقاتها النظرية- بالجوانب الإمبيريقية، ثم فجأة تقول أنها تفعل. يبدو شخص عبد الرحمن عزي في كتابيه "دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز" (2003)، و"الإعلام وتفكك البنيات القيمية في المنطقة العربية: قراءة معرفية في الرواسب الثقافية" (2009) صوريا جدا، يطابق بين الأنماط وأحوالها في مجموعة كلمات ويضع تنبؤات "خيالية"، لكنه يُحدث شيئا، أو كثيرا، من الانزياح عن ذلك سنة 2013 في كتابه "منهجية الحتمية القيمية في الإعلام"؛ ما يعد -في نظري- ارتباكا بحثيا غير مبرر.
    إذا صدقنا بما قال لوندبرغ Lundberg، وأنا أصدق، أن "ليس الموضوع هو الذي يصنع العلم، بل المنهج"،[3] فإني أعتقد أن المناهج التي نستخدم لتفسير/ فهم الظاهرة الإعلامية والاتصالية لا تمكننا من تطويقها بشكل كامل، إنما هي تبترها وتفرغها -بشكل ما- من محتواها. فيبدو كأنا نفككها لنقرأها في أجزاء منفصلة، دون أن نعيد قط بناءها.
   أما إذا قبلنا فكرة أن الموضوع هو العلم ذاته فستصبح النظريات التي تؤسس لعلوم الإعلام والاتصال على المحك. لقد شارك هذا الطرح كثير من الباحثين والمتخصصين في المجال، حسم البعض منهم الإشكال بأن أجاب أنه لا توجد نظريات خاصة بعلوم الإعلام والاتصال؛ إذ فشلت في تأسيسها، في حين اعتقد البعض الآخر كـفريد أنجلز مثلا في كتابه "نظرية الإعلام Média Théorie" أن "النظريات موجودة ولكنها ليست جيدة".
    إن المعيار الذي يحدد هذه الجودة، نظريا أو منهجيا، إنما هو -في نظري- البناء من بعد التفكيك من خلال التوصل إلى معطيات أفضل، حتى بكثير، من تلك التي انطلقت منها، بمعنى الوقوف على نتائج قابلة للاستخدام بحيث تفتح على العملية البحثية من جديد، لا أخرى جزئية تعمل على تفكيك الإشكالية وتبقي عليها كذلك.

قائمة المراجع:                                                            

 Aktouf. Omar: Méthodologie des sciences sociales et approche qualitative des organizations; Une introduction à la démarche classique et une critique. (1987). Les presses de l’université du Québec,.
2.    Gerbner, G. & L. Gross. (1976). «Living with Télévision: The Violence Profile», in Journal of Communication, No 26, , in DeFleur.
3.    Gross, L. & M. Morgan. (1985). «Télévision and Enculturation», in J. Dominick, Ed. J. Fletcher, Boston.
4. عزي، عبد الرحمن. "عن الحتمية القيمية، ونظرية المعرفة، وإدوارد سعيد، وجاك دريدا وأسلمة المعرفة وقضايا شتى"، http://www.arabmediastudies.net/index.php?option=com_content&task=view&id=167&Itemid=1 PDF created
5.  عزي، عبد الرحمن. (2003). دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز، ط1. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
6.    عزي، عبد الرحمن. (2009). الإعلام وتفكك البنيات القيمية في المنطقة العربية: قراءة معرفية في الرواسب الثقافية، ط1. تونس: الدار المتوسطية للنشر.
7.  عزي، عبد الرحمن. (2011). نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، ط1. تونس: الدار المتوسطية للنشر.
8.  عيساني، سعاد ومنــــال كبور. (2012). "القيمة بين الواقع والخيال؛ مستويات التداخل وطبيعة العلاقة في الحتمية القيمية"؛ مجلة الدراسات الإعلامية القيمية المعاصرة، ع 4. الجزائر: دار الورسم للنشر والتوزيع.
9. غراويتز، مادلين. (1993). مناهج العلوم الاجتماعية: منطق البحث في العلوم الاجتماعية؛ ترجمة: سام عمار، فاطمة الجيوشي، ب ط. دمشق: المركز العربي للتعريب والترجمة.
10.  مكاوي، حسن عماد وليلى حسين السيد. (1998). الاتصال ونظرياته المعاصرة، ط1. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية.