بمناسبة صدور كتابه الجديد: "فصول من النقد السيميائي والثقافي للإشهار"، الباحث نورالدين هميسي لمدونة عن كثب: هناك نزوع نحو ثقافة الاستهلاك التي تمثل العش الأنسب لتفريخ الإشهار.

نورالدين هميسي
صدر في الآونة الأخيرة للباحث نورالدين هميسي، عضو هيئة التدريس بجامعة سطيف، كتاب جديد تحت عنوان: "فصول من النقد السيميائي والثقافي للإشهار"، عن دار اليازوردي بالأردن، واحتفاء بهذا الإصدار المهم إن كان ذلك على المستوى الأكاديمي أو على مستوى الممارسة الإعلامية، جاء هذا الحوار الذي نحاول من خلاله تسليط الضوء على محتويات الكتاب، بالإضافة إلى التطرق إلى واقع الإشهار في الجزائر من خلال وجهة نظر الباحث.

أجرى الحوار: باديس لونيس

صدر لكم كتاب بعنوان مثير هو فصول من النقد السيميائي والثقافي للإشهار، هل يمكنك أن تشرح لنا كيف اهتديت إلى تركيب هذه المفاهيم المهمة، في هذا العنوان؟

نورالدين هميسي: في الحقيقة الكتاب من الحجم الصغير ولم تكن أوراقه كافية للحديث بعمق حول الموضوع. الإشهار مبحث محوري في أدبيات الإعلام ذلك أنه كما يقول من يكتبون في السيمياء "يؤثث" حياتنا لدرجة أن بعض النصوص خرجت من الشاشات ومن صفحات الجرائد وأصبحت متداولة في الحياة اليومية. تساهم السيمياء بشكل عميق في فهم هذه الظاهرة وتفسير لماذا يمتلك الخطاب الإشهاري هذا الحضور القوي في الحياة اليومية. الأمر لا يرتبط بمهمة تواصل إشهاري فقط، وإنما هو أكثر تجذرا، ولذلك فقد كانت قراءات رولان بارت حاضرة في مختلف صفحات الكتاب من خلال التحليل البنيوي للإشهار وقدرته على تجسيد مقصد تواصلي واضح. لقد قادني البحث في سيميائية النص الإشهاري إلى التعرف على وجهات النظر الناقدة له، وقد وجدت نفسي أسبح في بحر النقد الثقافي وقراءاته حول الصورة الإشهارية وعلاقتها بالواقع، بالمعنى، بالأساطير، بالكذب، بالعاطفة، بالأخلاق، وبالسلطة...  

ما هي الإضافة التي تعد من خلالها القارئ في كتابك، في ساحة مليئة بالغث والسمين؟

نورالدين هميسي: لست أنا من يحدّد الإضافة، من يقرأ الكتاب هو من سيتولى الإجابة على هذا السؤال. بالنسبة لي، يبدو الكتاب موجها بالأساس إلى الطلبة الباحثين في الموضوع ليكون دليلا للتعرف على بعض التيارات وتصوّراتها الكبرى حول سحر الخطاب الإشهاري والمصادر العميقة لفعاليته. على كل حال، من الصعب أن تقدم إجابات دقيقة في هذا الصدد، ولكن يمكن على الأقل التعرف على العديد من المسالك التي يأخذها المعنى وكذا درجاته من الصفر إلى ما فوقه مثلما يقول بارت. الكتاب تحدث كثيرا عن إشكالية الصورة ومدى إمكانية مقارنة آلياتها في إنتاج المعنى بتلك التي تنشأ من اللغة، وفي هذا الصدد، حاولت تقديم قراءات موجزة في مختلف التيارات وإن كنت قد أوليت أهمية كبيرة للرؤى النقدية لأنها كانت ثرية جدا.. إن قراءتنا المحدودة للنص الإشهاري بوصفه فضاء ترويجيا للسلع والخدمات أشبه ما تكون بالشجرة التي تغطي غابة بأكملها، ففي داخل هذا النصّ تتصارع الكثير من الرهانات والمصالح المتناقضة تماما بين الإشهاري وبين متلقي النص، ثمة لعبة سلطة خطيرة ولا أخلاقية.. بل ثمة حرب فيها ضحايا، جرحى وأسرى..

يبدو من خلال العنوان، أنك اخترت طريق النقد منظورا، للاقتراب من وضع الإشهار، كيف وجدته في الجزائر؟

نورالدين هميسي: لا يمكن تقديم جاهزة لمثل هذا السؤال من خلال ما ورد في الكتاب لأن هذا الأخير توجه أكثر للمساءلة النظرية. معالجة موضوع الإشهار سيميائيا في الجزائر تحتاج إلى دراسات أعمق، وإذا كان لا بد من تقديم انطباعات أولية تصلح لأن تكون إشكاليات لبحوث قادمة، يمكن القول بأن التجربة الجزائرية في ميدان صناعة الإشهار آخذة في التطور: سواء من ناحية كمّ الإنتاج أو من ناحية البنية الفنية للنص الإشهاري. لقد استفدنا كثيرا من خوصصة قطاع الإعلام والإشهار، أصبحت هناك الكثير من الوكالات التي تنشط في إنتاج الخطابات الإشهارية، أضف إلى ذلك أن عولمة الإعلام وتقدم تكنولوجيات الإعلام والاتصال فتحت المجال للتعرف على تجربة الدول المتقدمة.
بالمقابل، تبدو التجربة الجزائرية غامضة في ظل هذه المتغيرات، المجتمع الجزائري وأساليب حياته تغيرا كثيرا بالمقارنة مع فترات سابقة نتيجة لتحسن المدخول، هناك نزوع نحو ثقافة الاستهلاك التي تمثل العش الأنسب لتفريخ الإشهار. فيما يخصّ إنتاج النصوص الإشهارية، يلاحظ على العموم بأن المعلنين الجزائريين يقلدون كثيرا الومضات الغربية وهذا أمر عادي في رأيي لأن ميكانيزمات اشتغال الإشهار واحدة مع شيء من التكييف مع الخصوصيات الثقافية للجماهير المستهدفة. في الجزائر، نحن لا نملك بعد ثقافة إشهار راسخة ومستقلة لا من ناحية إنتاج النص ولا من ناحية استهلاكه والمشكلة أننا لا نعلم إلى أين قد يذهب مستقبل التجربة الجزائرية في مجال الإشهار..      

كلمة أخيرة لقرائك المحتملين؟

نورالدين هميسي: لن أسقط في فخّ ما كنت بصدد نقده في الكتاب، يعني لن أقع في براثن الإشهار ولن أقول بأنه عليهم أن يشتروا الكتاب.. ما أقوله للقراء هو أنهم إذا ما قرؤوا الكتاب فأنا بحاجة لانتقاداتهم لأنني وظفت آرائي الخاصة من خلال انتقاء المواد التي كانت مرجعيتي في الكتاب، وهذا الانتقاء لم يفرز قراءة نقدية شديدة الاتساق، وإنما صورة تقريبية حاولت جمع آراء مشتتة لباحثين في السيمياء، الفلسفة، المنطق، علم الاجتماع، النقد الثقافي، السياسة،... سيكون بإمكان القارئ أن يواصل تركيب هذه القراءات من خلال توسيع هامش اطلاعه ليجد نفسه وسط نفق غائر في مختلف الأدبيات قد لن يجد له نهاية.. والمشكلة الأكبر أنه لن يجد إجابة على سؤاله الرئيسي: لماذا يمتلك الإشهار إذن كلّ هذه السطوة؟ ولماذا تُعقَد عليه كل هذه الآمال وتُصرَف لأجله كل هذه الأموال؟

* نشر الحوار أيضا بجريدة الأوراس نيوز، يوم السبت 14 مارس 2015م.