حتى لا تكون أرضا ميؤوسة

باديس لونيس
 
كنت قد كتب منذ أربع سنوات في مجلة "الفرسان" المنقرضة، مقالا تحت عنوان "الأرض الميؤوسة"، وهو المفهوم الذي قمت باستعارته من الحكيم الصيني " صن تسو" الذي قدم في كتابه "فن الحرب" مبادئ التعامل مع كل وضعية من وضعيات المعركة قائلا: في الأرض المشتتة فلا قتال، وفي السهلة فلا توقف، وفي النزاعية فلا هجوم، وفي المفتوحة فلا وقوف في طريق العدو، وفي المتقاطعة الطرق انضم إلى حلفائك، وفي الجدّية (السيطرة على عمق العدو) تجمع واقتحم، وفي الصعبة (الأرض المليئة بالعوائق الطبيعية) استمر ثابتا في السير، وفي الضيقة ناور، وفي الميؤوسة (الأرض التي لا يمكن النجاة فيها إلا بخوض الحرب في الحال)، قاتل." وما عنيتُ بالأرض الميؤوسة في مقالي ذاك، سوى الإعلام الثقافي في الجزائر الذي لا يختلف اثنان حول واقعه المحزن، الباعث على الإحباط والقلق والخوف. الأمر الذي يجعل من فكرة إنشاء مجلة ثقافية، مغامرة حقيقية غير مضمونة العواقب.

اليوم، وأنا بصدد الحديث عن تجربة أول جريدة يومية بمنطقة الأوراس، أجدني مرغما على استعادة  الفكرة نفسها، لأن أرض المعركة بقيت كما هي ولم تتغير،  بل ربما صارت أكثر خطورة من ذي قبل، مع إغراق الساحة الإعلامية بسيل كبير من العناوين الصحفية المختلفة بالإضافة إلى الانفتاح الذي شهده القطاع السمعي البصري، والهجرة غير المسبوقة للقراء نحو الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. فأية مغامرة سيخوضها طاقم شاب مثل ذلك الذي يكافح كل يوم ليصنع  ما يشبه المعجزة؛ استمرار جريدة محلية اسمها الأوراس نيوز؟
لا اعتقد أني أبالغ حين أنظر إلى استمرار صدور الجريدة  على انه معجزة، ليس فقط بسبب صعوبة التمويل والحصول على الإشهار في سوق ضبابية وغير مقننة بعد، أو بسبب التراجع العالمي في مقروئية الجرائد الورقية ما جعل مثلا صحيفة عريقة تأسست عام 1785م كصحيفة (The Times) تتوقف عن الصدور وتكتفي بموقعها الالكتروني، وصحف عالمية أخرى حذت حذوها لتقليل النفقات والنجاة من الإفلاس والاختفاء النهائي. ولكن وأيضا لأنها جريدة محلية حملت على عاتقها تمثيل ثقافة مجتمع محلي غاية في الحساسية، في ظل اكتساح مظاهر العولمة لمختلف جوانب حياتنا. أجل أنا انظر إلى الجريدة قبل كل شيء على أنها تمثل فعلا ثقافيا مقاوما بامتياز، أو بعبارة أدق وأصدق أنا أتمنى أن تكون كذلك.
ولكي يصبح التمني واقعا، على الجريدة وطاقمها أن يدركوا حجم التحدي وأن يتخلوا عن الحذر الزائد الذي طبع تجربة المائة عدد الأولى، وأن يجعلوا من نقاط الضعف نفسها نقاط قوة، فالمحلية مثلا يمكن الاستناد إليها للاقتراب أكثر إلى اهتمامات القراء وانشغالات المواطنين اليومية بمساحات اكبر، ومتابعات أعمق، فبدل أن تكون المحلية سببا منطقيا لقلة السحب، يمكن الاستثمار فيها واستغلال خصوصيتها  لتحويلها إلى سبب في الانتشار، فجريدة فرنسية محلية مثلا كـ (Le Parisien ) توزع يوميا ما يقارب المليون نسخة.

 بالإضافة إلى ما سبق على الجريدة أن تكون أكثر جرأة للخروج من التقليد ونمطية المحتوى والإخراج، وأن تقنع جمهورها (وهو المدلل بكثير من الخيارات المتاحة)، بأحقيتها في أخذ حصتها من المقروئية، وذلك بانتهاجها للقاعدة التي تقول: "الخبر مقدس والرأي حر"، مع عدم السقوط في فخ الصحافة الصفراء التي تتخذ من مقولة "ليس الخبر أن يعظ  الكلب رجلا، إنما الخبر أن يعظ الرجل كلبا" منهجا لها. وأخيرا على الجريدة أن تتوجه إلى النخبة في المنطقة وتستفزها للخروج من تحفظها هي الأخرى وتشارك في صنع المعجزة،،، حتى لا تكون أرضا ميؤوسة.

نشر المقال بجريدة الأوراس نيوز يوم 25 فيفري 2015م.