الفايسبوك، هل يجعلك أكثر سعادة؟

باديس لونيس

لا يزال الفايسبوك يستقطب الملايين من المستخدمين في كل يوم، ويؤكد في كل ثانية ودقيقة ريادته وتفوقه على شبكات التواصل الاجتماعي الأخرى التي عبثا تحاول منافسته.  فها هي آخر الاحصائيات الخاصة بشهر جانفي من العام الجاري (2015م)، تشير إلى أن أفراد هذا المجتمع الافتراضي قد وصل إلى 1.393 مليار نسمة. هذا الصعود في الانتساب، رافقه صعودٌ ملفت في اهتمام الأكاديميين به، وتزايدٌ واضح في إجراء الكثير من الدراسات العلمية التي اتخذت من هذا الموقع موضوعا لها، تحاول استجلاء جوانبه المختلفة، وتسلط الضوء على دوافع الاقبال عليه والآثار المختلفة التي يخلفها على أعضائه.
لا شك أن الأمر يستحق، فمجتمعا ضخما كهذا، هو حتما حقل خصب لنشوء المشكلات التي تتطلب البحث والتقصي، للتنبيه أو للتشجيع أو لاقتراح الحلول. ولكن، دعونا نختزل المسألة في  سؤال بسيط وواضح؛ أليس من طبيعة البشر ميلهم إلى ما يجدون فيه راحة البال والرضى النفسي، ويحققون من خلاله سعادتهم المرتجاة؟ أليس هذا سببا كافيا يبرر الدخول إلى الفايسبوك زرافات وأفواجا؟ ألا يوفر هذا الفضاء الازرق لأعضائه مساحة للاحساس بالسعادة؟
طبعا ليس من المعقول أن يقرر أحدهم التسجيل في الفيسبوك ليكون وحيدا وتعيسا. لكن للاسف هذا اللامعقول هو هو، أكدته العديد من الدراسات الأكاديمية؛ كشفت إحداها وقد قام بها منذ أكثر من عام فريق من الأكاديميين فى جامعة ميتشغان الأمريكية، أن الفايسبوك تحديداً يؤدي إلى سوء الحالة المزاجية لمستخدميه بشكل كبير، حيث توصل البروفيسور كروس وزملاؤه إلى أن المستخدمين يصبحون على مر الوقت أقل سعادة وأقل رضى عن أنفسهم، ويصيرون أكثر أحساسا بالعزلة والاغتراب والإكتئاب.
نفس النتائج أكدتها دراسة أخرى حديثة أجراها فريق من مدرسة علم النفس بجامعة كوينزلاند الاسترالية تحت إشراف البروفيسور ستيفاني توبين؛ حيث وجدت أن الفايسبوك يلعب دورًا سلبيًا في الحياة النفسية للفرد، مع أنه جاء في الأصل لجعل الحياة أفضل، فضلًا عن منح المستخدمين القدرة على التواصل مع الآخرين ومشاركة اللحظات السعيدة. فبحسب الدراسة فإن تعرض المستخدمين للتجاهل على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل الفايسبوك، قد يكون له أثار عكسية على صحتهم النفسية. ووجدت الدراسة، التي جاءت تحت عنوان “التهديدات التي يتعرض لها الذين ينتمون إلى فيسبوك، الاختباء والنبذ”، أن عدم حصول المستخدم على “إعجاب” لمنشوراته، فإن نقص التفاعل هذا قد يؤدي إلى التقليل من مستوى ثقة المستخدم بنفسه ومن ثم إصابته بالكآبة.
لا تستغربوا أبدا من أن يتسبب عدم الإعجاب بمنشور ما لأحدهم في السياق الغربي (الرهيف) بتعاسته وحزنه وكآبته، ولكن الاستغراب كل الاستغراب أن الا يحس أحدنا في سياق بيئتنا المحلية بالأمر نفسه وهو يصادف كلما فتح عينيه داخل هذا المجتمع الافتراضي أكواما من منغصات العيش ومسسببات الإحباط؛ تتوزع على أخبار الموت وصور الدماء وأشلاء الضحايا، ومنشورات الكراهية والازدراء والنميمة، وكل الأمراض النفسية التي فاضت عن الواقع الحقيقي ووجدت لها حقلا خصبا للتكاثر بشكل أوسع وأفضع. وكأن لهم فايسبوكهم ولنا فايسبوكنا، لهم تعاستهم ولنا سعادتنا.

نشر المقال بجريدة الأوراس نيوز، يوم الثلاثاء 18 فيفري 2015م.