عن ثقافة كرة القدم

عن ثقافة كرة القدم

باديس لونيسBadis.lounis@gmail.com

أتوقع أن العنوان الذي اخترته لهذا المقال سيثير حفيظة البعض، وسيستفز البعض الآخر فيتهمني بالمبالغة أو بضيق الأفق او بحماسة الشباب أو بوقوعي في فخ المهللين لقطعة جلد منفوخ لا تقدم ولا تؤخر، وسيستغرب الأقل تسرعا نحو الاحكام المسبقة من استحضار اسم "لعبة" في سياق الحديث عن مفهوم مهم ومفخخ فكريا وعلى درجة عالية من الحساسية كمفهوم الثقافة. ولكنني على ثقة أن الكثيرين سيفكرون معي في الامر وسيوافقونني على ضرورة الانتباه الى الموضوع وإعطائه الأهمية التي يستحقها.
لذلك أجدني مضطرا للاستنجاد منذ البداية بالشاعر الأمريكي توماس ستيرنز إليوت، المتوفى سنة 1965، والذي قال بعظمة لسانه وهو في كامل وعيه: "إن كرة القدم هي العنصر الأساسي في الثقافة المعاصرة". هل بالغ الرجل في إعطائه هذه المكانة للُعبة؟ ام انه كان يقصد بكرة القدم؛ تلك اللعبة الامريكية الخشنة التي لا أعرف ما الذي يستهوي فيها اللاعبين كي يغامروا بأجسادهم وارواحهم وينخرطوا في عنف لا ينتهي حتى صافرة النهاية في سبيل لذة زائلة؟
حسن، يبدو انه عليّ أن استنجد بشخصية أدبية أخرى لا تقل عن الأولى اناقة وبريقا وهو الأديب المعروف عنه ممارسة كرة القدم كحارس مرمى فريق جامعة الجزائر سنة 1930، أقصد الروائي الفرنسي/ الجزائري ألبير كامي الذي قال يوما: لقد تعلمت أن كرة القدم لا تأتي مطلقا نحو أحدنا من الجهة التي ينتظرها منها، ساعدني ذلك كثيرا في الحياة خصوصا في المدن الكبيرة حيث لا يكون الناس مستقيمين عادة".
 بالله عليكم، أية أهمية تمتلكها هذه اللعبة كي تساعد كاتبا بحجم كامي في اختيار "أساليب العيش" المناسبة في حياته من خلال تعاملاته وتوقعاته وقراراته؟ وأي سحر أسود ألقته على شاعرنا الكبير محمود درويش كي يكتب عنها ويصفها بأنها أشرف الحروب؟ أليست كذلك؟ وهي اللعبة التي يحتدّ فيها التنافس وتتكاثف فيها الأحاسيس فإما انتصار يخلف زهوا وتضخما وفخرا، وإما انهزام يخلف مرارة واحباطا وانكسارا. وكأني بالملعب الأخضر يختزل حياة الانسان على الارض ونضاله في سبيل الوصول الى تحقيق الأهداف وهو في ذلك بين مدافع ومناور ومهاجم. بل أعتقد أن النظر إلى الحياة على اعتبار أنها ملعب كرة ربما سيسهل على الكثيرين فهم أدوارهم وترتيب أولوياتهم وتحديد منافسيهم ووضع أهدافهم وإعداد الخطة المناسبة لتحقيق الانتصار.
هذا التشابه المثير هو نفسه ما جعل الفيلسوف الإيطالي الكبير  أومبرتو ايكو، يخصّ كرة القدم بدراسة سيميائية نشرها في سلسلة من المقالات التي اقترنت بكأس العالم في إيطاليا لعام 1990، فتكلم إيكو عن المستطيل الأخضر وعن دلالاته السيميائية، وحاول الاقتراب من الدلالات والمعاني الكثيرة التي ترمز إليها هذه الرياضة بكل مكوناتها وعناصرها.
هل يمكننا الآن الحديث عن ثقافة كرة القدم؟
بالطبع يمكننا ذلك، وهنا علينا النظر إلى الظاهرة كممارسة من جهة، وكتلقي ومشاهدة من جهة أخرى؛ فممارسة هذه الرياضة صارت ترتبط بصناعة ضخمة تدر الملايير من الدولارات تقف من ورائها مؤسسات ضخمة تستثمر الكثير من الأموال، وترتبط باستمرارها الكثير من شركات ووكالات الاشهار والمؤسسات الإعلامية المتخصصة، وهي تسوق في سبيل ذلك الكثير من مظاهر العولمة عن طريق توحيد الاحاسيس وإعادة تشكيل مفاهيم الهوية والانتماء والوطنية لدى الجماهير الغفيرة التي جعلتها اللعبة تتجاوز النظرة التقليدية للمفاهيم السابقة، إذْ لم يعد من الغريب أن تجد مراهقا في قرية نائية من قرى الجزائر العميقة مثلا يتعصب لفريق برشلونة الاسباني الذي لا يربطه به شيء ومع ذلك فهو مستعد للدخول في عراك مميت إذا احس بالإساءة او بالإهانة، حين الخسارة، وقد ينسيه الانتصار هموم يومه وشقاء عيشه.
أجل يمكننا الحديث عن ثقافة كرة القدم، لأن العالم بأكمله صار يتكلم هذه اللغة ويفهمها، ولأنها غيّرت الكثير من العادات وارتبطت بها الكثير من السلوكات، وتعلقت بها الكثير من آمال الشعوب الغنية والفقيرة على السواء، واستمدت شرعيتها كثقافة من انتشارها الذي لا يُنكر وإغرائها الذي لا يُقاوم.
لذلك وجب علينا النظر إلى هذه الثقافة نظرة جدية، خالية من الاحكام التجزيئية المسبقة، ودراستها وتفكيكها ومناقشتها بهدوء وروية، للوصول إلى فهم ولع شبابنا بها وتعلق قلوبهم بنتائجها.. وتأثرهم الكبير بصُنّاعها، ولماذا قد يموت البعض بسكتة قلبية جراء هدف مباغت، ولماذا قد يُصاب شعب بأكمله بإحباط وكآبة بسبب خسارة مباراة في كرة القدم؟

نشر المقال بجويدة الأوراس نيوز: الأحد 25 جانفي 2015م.